آخـــر الــمــواضــيــع

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: من أين استمدَّ الشّيخ ربيع منهجه؟ للشيخ مختار طيباوي

  1. #1
    عضو مشارك
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    238

    افتراضي من أين استمدَّ الشّيخ ربيع منهجه؟ للشيخ مختار طيباوي


    بسم الله الرحمان الرحيم
    من أين استمدَّ الشّيخ ربيع منهجه؟
    الأَثَرُ السَّلبِيّ لكَلماتِ التَّنفِير
    عَلى صِيَاغَة مَنهجِ الشَّيخِ رَبِيعٍ النََّقدِيّ

    الحمد لله وحده، و الصّلاة و السّلام على من لا نبيّ بعده، وبعد.....
    فإنّ تعديد مثالب العلماء في مقابلة ما يستغرقها من فضائلهم، و يزيد عليها أضعاف كثيرة ، هو أقرب إلى الظُّلم منه إلى العلم و العدل.
    يجد من يتتبَّع كتب الشّيخ ربيع و مقالاته و أشرطته أنّه حينما يعتبر حمل المجمل على المفصَّل بدعة إنّما يدعونا إلى اتِّباع المتشابه ، هذه الدَّعوى الّتي حذر منها الله تعالى في كتابه، وحذر منها أهل السّنّة، و اعتبروا من يدعو إليها من أهل الأهواء و أهل الزََّيغ[1]،وإنّما الشّيخ ربيع و غيره من طلبة العلم لا يضعُونها تحت هذا العنوان، لأنّهم لا يُفسِّرونها وفق التّأصيل العلميّ اللَّائق بها،فمعروف لدى أهل العلم أقصد الأصوليِِّين أنّ المجمل من أنواع المتشابه مثله مثل المشترك و المُشْكِل،ومنهم من يقول العكس.
    قال البَزْدَوِيُّ في (أصوله):(( المُجْمَلُ هو ما ازدَحمت فيه المعاني، واشْتَبَهَ المراد اشتباهًا لا يُُدرك بنفس العبارة، بل بالرُّجوع إلى الاستفسار ثمّ الطَّلب ثمّ التّأمُّل.))
    قلت: عند الحنفيّة إن أدرك المعنى بالتّأمُّل سُمِّي مُشْكِلا و إلاّ كان مجملا.
    و اختلف العلماء فيه على مذهبين ليس في أحدهما مذهب الشّيخ ربيع فهو محدث،فذهب أُصُولِيُّو الْحَنَفِيَّةِ إلى أن ّ حكم المجمل التَّوَقُّفُ فيه إلى أن يَتَبَيَّنَ المراد به،بالاستفسار مَن صَدَرَ منه المُجْمَلُ .
    وذهب غيرهم إلى أنّ حكم المجمل التَّوَقُّفُ فيه إلى أن يَتَبَيَّنَ من جهة الْمُجْمِل ،أو بالقرائن،أو بالعرف،أو بالاجتهاد،وهذا أشبه بالعدل.
    وبعض العلماء جعل المتشابه كالحروف المقطَّعة في القرآن قسما من أقسام المجمل،وعلى ذلك لا يوجد مجمل في الشّريعة لم يتمّ بيانه، ولكن يوجد متشابه استأثر الله بعلمه،وهذا مذهب كلاميٌّ فاسد.
    فالّذي يجمع المشترك و المشكل و المتشابه عند الأصوليِّين هو عدم تعيين المراد، و يختلفون في طرق تحديده (المراد)،لأنّ المجمل يعارض المحكم، وعلى اصطلاح الأصوليَِّين الفارق بين المجمل و المتشابه هو أنّ المجمل يزال بالتّفسير و المتشابه( بعض أنواعه لا كلّه ) انسدََّ علينا بابه.
    و عليه، فإن منعنا من حمل المجمل على المفصّل( في أيَّة صورة شئت) بقيَ المجمل متشابها ، وهذا ما نهانا الله عن اتِّباعه .
    ومع ذلك، فليس هذا مذهب أهل السّنّة ـ تماما ـ( سأفصِّله في مقال خاصٍّ لاحق) بل هذا مذهب المتكلِّمين، وعلى المذهبين لا يستقيم مذهب الشّيخ ربيع،ويزداد سوءًا في مذهب أئمّة السّنّة.
    و المسألة أصلها في علم الكلام وأصول الفقه مثلها تماما: الموازنة، فإنّها أصلا من مسائل الأسماء و الأحكام ، لها صور و تداعيات في أصول الفقه، ثمّ في الجرح و التّعديل كما سنوضِّحه في مقال لاحق، حيث نبيِّن سبب الإشكال عند الشّيخ ربيع.
    المقصود أنّ مذهب الشّيخ ربيع في المجمل و الموازنة يدور كلُّه على محور واحد،من فهمه انفَتحت عليه كل المغلقات ألا وهو كلمات التّنفير.
    تعريف كلمات التّنفير:
    التََّنفير عن الشيء هو: الزّجر و الدّفع عنه ،وقد يكون حقًّا، وقد يكون باطلا، وقد يكون في وقت وظرف حقّا ، وفي وقت و ظرف آخر باطلا.
    كمن يريد التّنفير عن العسل فيمكر في العبارة ،ويقول: "مائع أصفر، يُشبِه العَذِرة المائعة".
    فإذا كان لك ولد مريض بالحسّاسيَّة للعسل، و قلت له هذه العبارة لتمنعَه من أكله، فهذا المقصِد حقّ و حسن،ولكنّه لا يُغيّر من حقيقة العسل، و أنّه ليس عذرة.
    كذلك كلمات التّنفير الصّحيحة لا تطابق الحقيقة الكاملة، و إن كانت مبنيَّة على جزء منها، فالعسل مثلا: مائع و أصفر، وهذا حقّ، فالمُنَفِّر عنه أخذ وصفا حقيقيًّا صحيحا، و أضاف له وصفا باطلا.
    ومثله التّرغيب، قد يكون حقّا، و قد يكون باطلا، وقد يختلف حكمه بحسب الوقت و الظُّروف، فمن يُسمِّي الأشياء القبيحة بالأسماء الجميلة الطيِّبة هو من التّرغيب الباطل، كما فعلوا مع المُجُون سمَّوه :"فنًّا"، و الخمر:"مشروبا روحيّا"، وغير ذلك.
    وقد أخرج أبو داود في (سننه)[2] عن مالك بن أبي مريم قال : دَخَل عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ فَتَذَاكَرْنَا الطِّلاَءَ فَقَال : حَدَّثَنِي أَبُو مَالِكٍ الأَْشْعَرِيُّ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ((لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا)) .
    وَالطِّلاَءُ بالكسر والمد : هو الشّراب الّذي يُطبَخ حتّى يذْهبَ ثلُثاه ، وكان البعض يُسمِّي الخمر طلاءً .
    والمراد بقوله صلّى الله عليه وسلّم:" يسمّونها بغير اسمها" أي : يتستَّرون بشربها بأسماء الأنبذة المباحة كـ "ماء العسل"، و"ماء الذُّرة".
    كلمات التّنفير في الرِّجال:
    ولقد أشار أهل الحديث[3] إلى أنّ الكلمات الّتي تَصدُر عن العلماء بسببٍ غير إرادة الحكم، كفلتات الغضب، و المِزاح، لا يُؤخذ بها ،ولا يُعتدُّ بها،ومن ذلك ما أدرجوه تحت قاعدة : "مدحُُ المحبّ و قدح السّاخط ".
    قال المعلّميّ في (التّنكيل)(1/140) :
    (( وممّا يخرج مخرج الذّمّ لا مخرج الحكم:ما يقصد به الموعظة و النّصيحة،ولكن يأتي فيه بعبارة خشنة موحشة، ككلمات الثّوريِّ في الحسن بن صالح بن حيِّ[4]، وقد يكون أمرا مذموما، ولكن صاحبه معذور، ولكن النّاصح يحبّ لصاحبه أن يعاود النّظر، أو يحتال ،أو يخفي ذاك الأمر؛ ومن هذا القبيل كلمات التّنفير.
    وهي كلمات يطلقها أهل العلم و الفضل إذا رأوا جماعة اتَّبعوا بعض الأفاضل في أمر يرون أنّه ليس لهم اتّباعه فيه، إمّا لانّ حالهم غير حاله، و إمّا لأنّهم يرونه أخطأ أطلقوا كلمات يظهر منها الغضّ من ذاك الفاضل لكي يكفَّ النّاس عن الغُلُوِّ فيه، الحامل لهم على اتّباعه فيما ليس لهم أن يتَّبعوه فيه، فمن هذا ما في (المستدرك){2/329} عن خيثمة قال: (( كان سعد بن أبي وقَّاص ـ رضي الله عنه ـ في نَفَرٍ فذكروا عليّا فشتموه، فقال سعد: مهلا عن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه و سلّم ... فقال بعضهم: فو الله إنّه كان يبغضك و يسمّيك: الأخْنَس؛ فضحك سعد حتّى استعلاه الضَّحِك، ثمّ قال: أليس قد يجد المرء على أخيه في الأمر يكون بينه و بينه ثمّ لا يبلغ ذلك أمانته)).
    قال الحاكم:صحيح على شرط الشّيخين، ووافقه الذّهبيّ.
    و السبب ـ و الله اعلم ـ أنّ سعدا كان قد قَعَد عن قتال البغاة، فكان عليّ إذا كان في جماعة يخشى أن يتّبعوا سعدا في القعود ربّما أطلق غير كاذب كلمات توهم الغضّ من سعد، و إذا كان مع من لا يخشى منه القعود ذكر فضله كما في الصّحيحين أنّه قال: (( ما سمعت النّبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم جمع أبويه إلاّ لسعد بن مالك، فإنّي سمعته يقول يوم أحد:يا سعد ارم فداك أبي و أمِّي)).
    ومثله ما يقع في كلام الشّافعي في بعض المسائل الّتي يخالف فيها مالكا من إطلاق كلمات فيها غضّ من مالك، لأنّه تأذََّى ببعض المالكيَّة في مصر، مع أنّه هو القائل:" مالك حُجَّة الله على خلقه بعد التَّابعين".
    ومنه ما تراه في كلام مسلم في مقدّمة صحيحه[5] ممّا يظهر منه الغضّ الشَّديد من مخالفه في مسألة اشتراط اللِّقاء، وعدم الاكتفاء بالمعاصرة، و المخالف له هو شيخه البخاريّ، وقد عُرف عن مسلم تبجيله للبخاريّ.
    و أحيانا عندما نتدبَّر كلمات التّنفير نجد لها مخارج مقبولة، و إن كان ظاهرها التّشنيع الشّديد، ففي ترجمة الحسن بن صالح بن حيّ من ( تهذيب التّهذيب) كلمات قاسية أطلقها بعض الأئمّة فيه، مع ما عُرف من فضله.
    وبهذا يتبيّن أنّ الأئمّة ـ [انتبه أقول: الأئمّة لا المجاهيل] ـ غير معصومين من الخطأ و الغلط، فمن بذل وُسْعِه في تحرِّي الحقّ فهو مأجور إن أصاب، ومعذور إن أخطأ ، ولا سبيل إلى القطع بأنّه لم يقع منهم في بعض الكلام تقصير يؤاخذون عليه،أو تقصير في زجر أتباعهم عن الغلوِّ في تقليدهم.(التّنكيل)(قسم القواعد).
    ومن هذا يتبيّن أن كلمات التّنفير هي من قبيل سدِّ الذَّرائع، إذ الغرض من إطلاقها التّنفير عن الشيء الّذي يتوقَّع أن يحصل منه ضرر في الظَّرف الفُلانيِّ، فكلمات التّنفير هي كلمات لا يُقصد بها حقيقتها،أو كل حقيقتها، و لكنّ الغرض منها التّنفير عن الشيء، أو المبالغة في التّحذير منه لدفع النّاس إلى اجتنابه.
    و تقابل كلمات التّنفير كلمات التّرغيب، فقد يَفتتِن النّاس بعالم أو بمذهب فيذمُّه العالم، و يُبالغ في ذمِّه من باب التّنفير عنه، لا من باب الحقيقة الكاملة.
    و كذلك العكس يقع،وهذا ليس خاصّا بالجرح و التّعديل، بل يخصّ المذاهب و المقالات أكثر من ذلك.
    رويَ عن حمَّادِ بن سَلَمَةَ أنّه ذُكر له طعن شعبة في أبَانَ بن أبي عيَّاش فقال:أبان خير من شعبة.
    وقد يكون الرّجل ضعيفا في الرِّواية لكنّه صالح في دينه كأبان بن أبي عيّاش ، أو شديدا في السّنّة كشريك بن عبد الله النَّخَعِيِّ، أو غيُورا على السّنّة كمُؤَمَّل بن إسماعيل،أو فقيها كمحمّد بن أبي ليلى،فيُمدح لأجل هذه الأسباب فيُظَنُّ أنّها تزكية له في الرّواية.
    وقد يُُجرح ،وقصد الجارح ضبطه و حفظه، و يبالغ في ذلك، فيظنّ الظَّانُّ أنّ ذلك الجرح يتناول دينه و صلاحه.
    كلمات التّنفير في المذاهب:
    و كذلك المذاهب قد تُمدح من جهة و تُذَمّ من جهة أخرى، فمن جهة قيامها بالحقّ ،و تَصَدِّيها للبدع الغليظة و للكفَّار تُمدح ،و من جهة مخالفتها السُّنّة في بعض المسائل تُذمّ.
    لكن النّاس، و أهل العلم الّذين لا يضبطون مسالك المسائل العلميّة، ومراتب العلماء، و حقيقة مقالات النّاس،إمّا يُعمِّمون المدح ،أو يعمِّمون القدح.
    فهذا كلُّه سببه كلمات التّنفير أو التّرغيب.
    ومن ينظر في كتب أهل الحديث يجدهم يذمُُّون أهل الكلام بأنّهم لا يأخذون بالحديث ،و ينكرون على من يأخذ به ،و لكن من خبِر هذا الأمر يعلم أنّه ليس صحيحا بإطلاق.
    و كذلك ذمّ أهل الكلام لأهل الحديث موجود في كتبهم، ولكن ليس في جميع المسائل، ولا في كل كتبهم.
    و قد نُسب للأشعريّ ـ رحمه الله ـ أنّه يقول :ليس في المصحف قرآن، ولا في القبر نبيُّ، والاستثناء في الإيمان، ونفي القدرة على الخلق في الأزل، وتكفير العوامّ، وإيجاب علم الدّليل عليهم.[6]
    وفنَّد ذلك أبو محمّد الجُوَينِيّ و غيره من العلماء، كما نقله عن ابن عساكر ابن تيميّة في مواضع من كتبه.
    وتجد في كتب الأشاعرة من مثالب المعتزلة ما ليس بحقّ، وفي كتب المعتزلة من مثالب الأشاعرة ما ليس بحقّ، وكذلك في كتب غيرهم ،وكل هذا سببه إرادة التّنفير عن المخالف .
    وعندما يقول سعيد بن جبير ـ رحمه الله ـ : "المرجئة يهود القبلة "، فهذه من كلمات التّنفير، و ليست من الحقائق العلميّة ، فإنّ أهل الكتاب :اليهود و النَّصارى، و اليهود مغضوب عليهم، و هم أهل الأغلال ،و الآصار، و التّشَدُّد ،و مخالفة العلم.
    و النّصارى ضالُّون ،وهم أهل التّميُّع، و العمل بالجهل.
    و اليهود أشدّ عداوة للمسلمين من النّصارى بنصِّ القرآن، فلزم في التّمثيل الصّحيح أن يُمثَّل المرجئة بالنّصارى،و الخوارج باليهود.
    فالمرجئة الّذين تكلَّم فيهم سعيد بن جبير هم مرجئة الفقهاء ـ لانّ مرجئة الجهميّة لم تكن موجودة في زمانه ـ وهم أقرب الفرق إلى أهل السّنّة، بل هم أهل سنَّة في كل شيء إلاّ في مسألة الإيمان، فكيف نسمّيهم: " يهود القبلة"؟!
    وقد علم النّبيّ صلّى الله عليه و سلّم بظهور الفرق في الإسلام فحذَّر من الخوارج، لأنّ الخوارج أخطر فرق الأمّة .
    ولهذا تجد الإمام أحمد يفرِّق بين مرجئة الفقهاء وبين غيرهم من أهل الأهواء، نقل ابن تيميّة في( المُسَوَّدة){ص:267}: (( وقال في رواية أبي داود :احتمِلوا من المرجئة الحديث، و يُكتَبُ عن القَدَرِيِّ إذا لم يكن داعية)) فعمَّم في المرجئيِّ، وقيَّد في القدريّ.
    قال ابن رجب في (شرح العلل) : (( فيخرج من هذا أنّ البدع الغليظة كالتَّجهُّم يُرَدُّ بها الرّواية مطلقا، و المتوسِّطة كالقَدَر إنّما يُرَدُّ رواية الدَّاعي إليها، و الخفيفة كالإرجاء هل يقبل معها الرّواية مطلقا أو يردّ عن الدَّاعية على روايتين)).
    وقال في موضع آخر من كتابه : (( و البدع المخفُّفة ذات الشُّبْهَة كالإرجاء)).
    فهذه الكلمة الصَّادرة عن سعيد بن جبير من جهة قصد التّنفير هي حقّ، ومن جهة مطابقتها للحقّ في نفسه هي خطأ.
    ومثله الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزليّ فقد ذكر علماء التّراجم أنّه في كتابه ( الكشَّاف) كثير الإنكار على المتصوِّفة حتّى يذكر ما ليس فيهم، و ووقع في التّشنيع الباطل .
    و عندما يقول السُّبْكِيُّ في مواضع من ( طبقات الشّافعيّة)(2/13) عن شيخه الذّهبيّ:((وهذا شيخنا الذّهبىّ ـ رحمه الله ـ من هذا القبيل، له علم وديانة وعنده على أهل السّنّة تحمُّل مُفْرِط، فلا يجوز أن يعتمَد عليه.
    ونقلت من خطِّ الحافظ صلاح الدّين خليل بن كَيْكَلَدِى العَلائِىِّ ـ رحمه الله ـ ما نَصُّهُ: الشّيخ الحافظ شمس الدّين الذّهبىّ لا أشُكُّ في دينه، وورعه، وتحرِّيه فيما يقوله النّاس [؟!]، ولكنّه غلب عليه مذهب الإثبات، ومنافرة التّأويل والغفلة عن التّنزيه حتّى أثَّر ذلك في طبعه انحرافا شديدا عن أهل التّنزيه وميلا قويًّا إلى أهل الإثبات، فإذا ترجم واحدا منهم يُطْنِبُ في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن، ويبالغ في وصفه، ويتغافل عن غلطاته ،ويتأوّل له ما أمكن، وإذا ذكر أحدا من الطَّرَف الآخر كإمام الحرمين، والغزاليّ، ونحوهما لا يبالغ في وصفه، ويُكثر من قول من طَعن فيه، ويُعيد ذلك ويُبديه، ويعتقِدُه دينا وهو لا يَشعُر، ويُعرِض عن محاسنهم الطّافحة فلا يستوعبها، وإذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها، وكذلك فعله في أهل عصرنا إذا لم يقدر على أحد منهم بتصريح يقول في ترجمته: والله يصلحه، ونحو ذلك)).
    فهذا كلُّه غير صحيح، بل فيه من الكذب الكثير،فليس هو إلاّ من التّشنيع البغيض لتنفير النّاس عن كتبه،الّتي فيها كشف لكثير من حقائق بعض العلماء الّذين يتعصَّب لهم السُُّبكيّ وطائفته، لأنّنا عندما نعود إلى كتب الذّهبيّ نجده لم يترك خطئا من أخطاء الحنابلة و أئمّة الحديث إلاّ أشار إليه، إلاّ ما يقع ضمن الغفلة البشريّة.
    ومن يريد التَّعرُّف على عدله فلينظُر ترجمة الجوينيّ من (سير أعلام النّبلاء).
    والعجيب من ابن السُّبكيّ أنّه يطالب بعدم الاعتماد على كتب الذّهبيّ، وهو وغيره ينسب إليه ـ زورا ـ انتقاد شيخ الإسلام ابن تيميّة ، و الأعجب الأغرب من ذلك هو توجُّه بعض السّلفيين إلى هذا المنحى بشّماعة الموازنة!
    كذلك نعرف التّشنيع الواقع على شيخ الإسلام ابن تيميّة ،فمنهم من يصفه بالمُجسِّم،ومنهم من يتَّهِمه بالنصب ،و بالقول بقدم العالم ،بل من المنسوبين إلى السّلفية من يُنَفِّر عنه، وعن كتبه بعدّة حيَل، منها على سبيل المثال أنّ كتبه معقَّدة، و أنّه لا يُتعلّم منها الولاء و البراء[7]!
    أنواع التّشنيع للتّنفير:
    التّنفير أنواع، فمنه الّذي يسبقه مقصد صحيح، و منه التّنفير الباطل، وهذا عموما يكون في صورة التّشنيع ،و يتخذ أشكالا عدّة، كما ذكر الأشعريّ في مقدِّمة ( المقالات) (1/1) حيث قال:
    (( فإنّه لا بد لمن أراد معرفة الدّيّانات والتّمييز بينها من معرفة المذاهب والمقالات ورأيت النّاس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات ويُصنِّفون في النِّحل والدّيّانات , من بين مُقصِّر فيما يحكيه , وغالطٍ فيما يذكر من قول مخالفيه , وبين مُعتَمَدٍ للكذب في الحكاية إرادة التّشنيع على من خالفه، ومن بين تارك للتّقصِّي في روايته لما يرويه من اختلاف المختلفين , ومن بين من يُضِيفُ إلى قول مخالفيه ما يظنُّ أنّ الحجَّة تَلزَمُهم به ،وليس هذا سبيل الدّيّانين، ولا سبيل ألفاظ المتميِّزين , فحداني ما رأيت من ذلك على شرح ما التمست شرحه من أمر المقالات، واختصار ذلك))
    قال ابن تيمية في( الفتاوى الكبرى)(3/396):
    (( قلت : وهو نفسه وإن تحدى فيما ينقله ضبطا وصدقا , لكنّه أكثر ما ينقله من مذاهب الّذين لم يقف على كتبهم وكلامهم هو من نقل هؤلاء المصنِّفين في المقالات , كزُرقَانَ وهو معتزليّ، وابن الرَّاوَنْدِيّ وهو شيعيٌّ , وكتب أبي عليّ الجُبَّائِيّ ونحوهم، فيقع في النّقل ما فيه من جهة هؤلاء مثل هذا الموضع)).
    والخلاصة أنّه لا يجب علينا الانسياق خلف كلمات التّنفير ثمّ نتَّخذها أصولا سلفيّة نبني عليها منهجنا الّذي ننسبه للكتاب و السّنّة!
    لماذا يجب أن نفرِّق في باب التّأصيل بين كلمات التّنفير و الحقائق الشّرعيّة؟ لأنّ مدح الشيء في الشّرع دليل على أنّه حسن، و مدحه هو حثّ و تحريض على العمل به.
    وذمّ الشيء في الشّرع دليل على أنّه قبيح، وذمّه القصد منه التّنفير عنه.
    ومعلوم أنّ الذمّ في الشّرع يقتضِي النّهي ،إمّا للتّحريم أو للكراهة، بينما في التّنفير في باب سدِِّ الذّرائع قد يكون الشيء مذموما، منهيًًّا عنه في وقت ،محمودا، مأمورا به في وقت آخر.
    و لذلك تجد شيخ الإسلام ابن تيميّة يقول عن الأشاعرة أنّهم في البلد الّذي لا يوجد أهل الحديث و السّنّة يعتبرون أهل السّنّة ،أو كما قال.[8]
    ومن هنا تفهم سبب اضطراب الشّيخ ربيع في مسألة الموازنة، وهو أنّه بنََى منهجه في النّقد على كلمات التّنفير، و ليس على الحقائق العلميّة، والتّنفير يتعارض تعارضا تامّا مع الموازنة، لأنّ المبدأ الّذي يعتمد عليه التّنفير هو التّشنيع، وعند التّشنيع لا يذكر ما يعارضه و يناقضه.
    بينما الارتكاز على الحقائق العلميّة يسمح بالاستثناء و التّخصيص ،و التّقييد بحسب العلَّة و الحال،وهذا أصل الموازنة في الأقوال و الأشخاص.
    منهج الشّيخ ربيع:
    يقول الشّيخ ربيع في كتابه ( المحجّة البيضاء[9])(ص:73) :
    (( أنّ أهل البدع أشدّ ضررا على المسلمين في دينهم من أعداء الله الكفّار الصرحاء،ومن الملاحدة،و أشدّ ضررا من إبليس،و أنّهم من شياطين الإنس،كما يقول الشَّاطبيّ ـ رحمه الله ـ)
    التّحليل:
    أوّلا: ذكر هذه المسألة على هذا الوجه القبيح بحيث يَخلِط بين الحقّ و الباطل وبين أنواع البدع،بالخلط بين مقاصد الأئمة من كلامهم و مقصده هو،فيه تنفير للمنازع، و تقويّة لخصومته و عداوته، و تضييع لبعض الحقّ بإنكاره أو إهماله، وهذه ليس من العلم و العدل .
    ثانيا: من المعلوم أنّ البدع أنواع، فمنها ما هو خطر على المسلمين كخطر الكفّار، و هي البدع الغليظة المُكَفِّرَة.
    ومنها بدع أخف مع انتفاء العذر يلحق بها حكم الفسق و ليس الكفر، و لاشكّ أنّ الكفّار أخطر على المسلمين من أصحاب هذه البدع.
    ثالثا: البدعة قد تكون من وجه أخطر على المسلمين من الكفّار الصرحاء، من جهة سهولة التّسلّل إليهم، و عدم اليقظة منهم، وقد لا تكون بينهما مقارنة كما لا مقارنة بين الإسلام و الكفر.
    وهنا أخطأ الشّيخ ربيع على العلاَّمَة الشَّوكانيّ، الّذي نقل عنه هذا الكلام في هذا الفصل ، فإنّ الشّوكاني يقول : (( وقد تكون مفسدة اتّباع أهويّة المبتدعة أشدّ على هذه الملّة من مفسدة اتّباع أهويّة أهل المِلل.))
    فهو هنا بقوله" وقد تكون" يفيد الاحتمال القليل، لا الجَزْم و التّعميم.
    فـ (قد) تكون مع الماضي حرف تحقيق،ومع المضارع حرف تقليل،وقد تدلّ مع المضارع على التّحقيق إذا دلّ على ذلك السِّياق و القرائن، وربّما هذا في القرآن، كقوله تعالى :{ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا} (النور).
    رابعا: ما هي البدعة الّتي يقصدها الشّوكانيّ ،هل هي المسائل الخلافيّة في مصطلح الحديث، و أصول الفقه، كجرح الثّقة و ليس خبر الثّقة[10]،ونصحح ولا نجرح، أو بعض البدع العمليّة، أم يقصد البدع المُكَفِّرة؟!
    لا شكّ أنّه يقصد البدع المُكفِّرة، لأنّ بقية كلام الشّوكانيّ يدلّ على ذلك، قال: (( فلا يزالون ينقلون من يميل إلى أهويّتهم من بدعة إلى بدعة ، و يدفعونه من شنعة إلى شنعة حتّى يسلخوه من الدّين، ويخرجوه منه، وهو يظنُّ أنّه في الصّميم ، و أنّ الصّراط الّذي عليه هو الصّراط المستقيم)).
    فيلزم أنّ الشّوكانيّ في واد، و الشّيخ ربيع في واد آخر.
    و النتيجة أنّ الأئمّة يقصدون البدع المُكفِّرة، بدع أولئك الّذين ـ حقيقتهم ـ يُكذِّبون بالرّسول،و يُحرِّفون الكتاب، و الشّيخ ربيع يحمل كلامهم على البدع المتوسِّطة و الخفيفة، بل على مسائل ليست من البدع في شيء، ككلِّ المسائل الّتي أشرت إليها سابقا.
    وخلاصة هذا الباب أن نقول:
    نعم، المبتدعة أخطر على المسلمين من الكفّار الصرحاء ، من جهة أنّ الحذر منهم، و التَّيَقُّظ من شبهاتهم يكون ضعيفا عند أكثر النّاس، و بالتّالي تأثيرهم على المسلمين أبلغ من تأثير الكفّار الصرحاء عليهم.
    ولكن لا يجب أن نفهم من هذا أنّ الكفّار الصرحاء خيرا منهم، بل اليهود و النّصارى خير من كفرة الفلاسفة، فما بالك بالمنسوبين للإسلام؟!
    و الأهمّ من ذلك أنّ المقصودين من المبتدعة بهذا الكلام أصحاب البدع الغليظة، و ليس المسائل العلميّة الخلافيّة، فإنزال هذا الكلام على علماء السّنّة هو أخطر من هذا كلّه.
    خامسا : قوله : (( و أشدّ ضررا من إبليس)) فهذه طامَّة، و كلمة باطلة مخالفة للقرآن و السّنّة و العقل و الضّرورة، فلا يوجد في الكون من هو أخطر على المسلمين، بل وعلى البشريّة جمعاء من إبليس،كما لا يوجد مِن المسلمين مَن لا يعلم ذلك.
    فإن كان خطر المبتدعة ناجما عن عدم التَّيقُُّظ منهم لكونهم من المسلمين فإنّ إبليس أشدّ تلبيسا و خفاءً وتسلُّلا إلى العقول و القلوب و النّفوس والنّيّات ،فهل يصحّ في عقل ما أن نقول: الجوينيّ أو الرّازيّ أو القاضي عبد الجبار أضرّ على المسلمين من إبليس ، فضلا عن أن نقول: الماربيّ و الحلبيّ و عرعور و المغراويّ أضرّ على الأمّة من إبليس؟!
    ولم نجد في القرآن و الكتب المُنَزَّلَة التّحذير من المبتدعة في كل ملّة قد بلغ عشر التّحذير من إبليس، فكيف نجعل مَن خطره على جميع البشر ،و على العلماء و الصّالحين فضلا عن عوامِِّ النّاس كخطر أصحاب البدع، خاصّة المسلمين منهم؟!
    وكيف نجعل أولياء الشّيطان كالمنافقين و الكفّار أخطر من الشّيطان نفسه، وهو الّذي أضلََّهم فصاروا أولياءه؟!!!!!
    وكيف نجعل عدوَّ الله، وعدوَّ البشر، و أصل بلائهم، و سبب إخراج أبيهم من الجنَّة، وحامل لواء أهل النَّار، ورئيسهم، و خطيبهم،ومصدر الشِّرك و الكفر و النِّفاق ومعصية الله أقلّ ضررا على المسلمين من الشّيخ الحلبيّ أوالماربيّ، خاصّة و أنّ الشّيخ ربيعا يقول عن الشّيخ الحلبيّ :هو أحطُّ أهل البدع،فلم نجد مثالا أفضل من التّمثيل بالشّيخ الفاضل؟!!!!!
    هل يقصد الشّيخ ربيع أنّ في إبليس بعض الخير، بسببه رجح على الشّيخ عليّ حسن الحلبيّ، و الماربي، و عدنان عرعور و غيرهم؟!!!
    هل صار الآن التَّعوُّذ من الحلبيّ بدل التَّعوُّذ من الشّيطان؟!
    قد فهمت الآن لمَ سمّى محمد بازمول ردََّه (صيانة السّلفيّ من وساوس الحلبيّ)
    جاء في الصّحيحين عن أبي ذرٍّ أنّ النّبي صلّى الله عليه و سلّم قال: ((لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى إلَى غَيْرِ أَبِيهِ - وَهُوَ يَعْلَمُهُ - إلَّا كَفَرَ وَمَنْ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ وَمَنْ رَمَى رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا رَجَعَ عَلَيْهِ))
    هذا منهج الشّيخ ربيع، ولكم الحكم،و أظنُّ أنّه يجب علينا أن نمضي ولا نلتفت.
    فهذا كلام من الشّيخ أحسن الله إليه باطل رأسا، ويدلّ على خلط فاحش بين قول بعض السّلف: البدعة أحبُّ إلى إبليس من المعصية،وبين هذا الكلام.
    ومع ذلك، فإنّ هذا القول يحتاج إلى شرح و ضبط حتّى لا يقع لنا ما وقع للشّيخ ربيع نسأل الله تعالى أن يجمع له الخير.
    جاء في (شرح السُّنّة للبَغَويّ)(0216/1): (( قال سفيان الثَّوْرِيُّ :الْبِدْعَةُ أَحَبُّ إلَى إبْلِيسَ مِنْ الْمَعْصِيَةِ ؛الْمَعْصِيَةُ يُتَابُ مِنْهَا وَالْبِدْعَةَُ لَا يُتَابُ مِنْهَا))[11]
    هنا يلزمنا الجواب عن سؤالين :
    الأوّل: ما هي البدعة التي قصدها سفيان الثّوريّ، و الأئمّة الّذين استشهدوا بكلامه، هل هي البدعة في عُرف الشّيخ ربيع، وهي مسائل يَنقمها على المغراويّ، و عرعور، والمأربيّ، و الحلبيّ، و الحوينيّ، و غيرهم من أهل السُّنّة ،أم البدعة في عُرف السّلف الصّالح؟!
    الجواب نأخذه أوّلا ممَّن استشهد بهذا الكلام وهو البَغَوِيُّ، فإنّه قال بعد هذه الكلمة مباشرة، ودون فاصل: (( واتَّفق علماء السّلف من أهل السّنّة على النّهي عن الجدال والخصومات في الصّفات ، وعلى الزَّجر عن الخوض في علم الكلام وتعلُّمه.))
    إذن، البدعة المقصودة عند أئمّة السّنّة في مثل هذا النّقل: هي البدعة في أصول الدّين.
    و هذا الجواب عن هذا السؤال الأوّل يَمُدُّنا بالجواب عن السؤال الثّاني.
    قال ابن القَيِّم ـ مؤكدا قول البغويّ ـ : (( وقال إبليس ـ لعنه الله ـ أهلكت بني آدم بالذّنوب، وأهلكوني بلا إله إلاّ الله، والاستغفار، فلمّا رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء، فهم يذنبون ولا يتوبون، لأنّهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا[12].
    ومعلوم أنّ المذنب إنّما ضرره على نفسه، وأمّا المبتدع فضرره على النّوع. وفتنة المبتدع في أصل الدّين، وفتنة المذنب في الشّهوة.
    والمبتدع قد قعَد للنّاس على صراط الله المستقيم يَصُدُّهم عنه، والمذنب ليس كذلك.
    والمبتدع قادح في أوصاف الرّب وكماله ،والمذنب ليس كذلك.
    والمبتدع مناقض لما جاء به الرّسول ،والعاصي ليس كذلك.
    والمبتدع يَقطَع على النّاس طريق الآخرة، والعاصي بطيء السّير بسبب ذنوبه)). (الجواب الكافي)(1/100)
    السؤال الثّاني: ما هو تعليل سفيان الثّوريّ و أئمّة السُّنّة، هل السّبب استحالة التّوبة من هذا النّوع من البدع، كما قال سفيان الثّوريّ:"المعصية يتاب منها و البدعة لا يتاب منها"، أم تعليل الشّيخ ربيع، وهو أنّ كل بدعة( على سبيل العموم الاستغراقيّ) فهي أحبّ إلى إبليس من المعصية ،ولو كانت بدعة ذات اشتباه أو بدعة عمليّة يكون صاحبها معذورا، أو مغفورا له لاجتهاد سائغ؟!
    وهل جميع المعاصي هي دون جميع البدع، أم هناك معاصي أعظم من بعض البدع، كقتل المؤمنين و العلماء، و غيرها ؟
    وهل يوجد ذنوب لا يتاب منها بسبب عدم الشُّعور بها،أو لصعوبة ذلك كالإدمان وغيره؟
    وكم من مسلم عاش على ذنب و مات عليه؟
    وهل فعلا لا يوجد مبتدع قد تاب، أم يوجد من المبتدعة من تاب و صار سُنِّيًّا؟
    وعليه، فإن كانت العلّة عدم الشّعور بالحاجة إلى التّوبة، أو عدم التّوبة،فقد بيّنت لك الحالات المضادّة، فلزم أن يدور هذا الحكم أو القول مع علّته عدما ووجودا، وهذا لازم إلاّ أن يذكروا تعليلا آخرا.
    قال ابن تيميّة : (( ولهذا قال أئمّة المسلمين كسفيان الثّوريّ أنّ البدعة أحبّ إلى إبليس من المعصية، لأنّ البدعة لا يتاب منها، والمعصية يتاب منها، ومعنى قولهم: "أنّ البدعة لا يتاب منها " أنّ المبتدع الّذي يتّخذ دينا لم يشرعه الله ورسوله قد زين له سوء عمله فرآه حسنا، فهو لا يتوب ما دام يراه حسنا، لأنّ أوّل التّوبة العلم بأنّ فعله سيء ليتوب منه، أو أنّه ترك حسنا مأمورا به أمر إيجاب أو أمر استحباب ليتوب ويفعله، فما دام يرى فعله حسنا وهو سيء في نفس الأمر، فإنّه لا يتوب.
    ولكن التّوبة ممكنة ،وواقعه بأن يهديه الله ويرشده حتّى يتبيّن له الحقّ، كما هدى سبحانه وتعالى من هدى من الكفّار، والمنافقين، وطوائف أهل البدع والضلال، وهذا يكون بأن يتّبع من الحقّ ما علمه ،فمن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، كما قال تعالى:{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ وقال :{وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًاوقال تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْوقال تعالى :{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِوقال تعالى :{ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ }.
    وشواهد هذا كثيرة في الكتاب والسّنّة، وكذلك من أعرض عن اتّباع الحقّ الّذي يعلمه تبعا لهواه ،فإن ذلك يورثه الجهل والضّلال، حتّى يعمى قلبه عن الحقّ الواضح ،كما قال تعالى:{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَوقال تعالى :{فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا}
    وَقَال تَعالَى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَوقال: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}
    وهذا استفهام نفي وإنكار أي: وما يدريكم أنها إذا جاءت لا يؤمنون، وإنّا نقلّب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرّة، على قراءة من قرأ إنّها بالكسر تكون جزما بأنّها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرّة.
    ولهذا قال من قال من السّلف كسعيد بن جبير: "إنّ من ثواب الحسنة الحسنة بعدها وإنّ من عقوبة السّيّئة السّيّئة بعدها".
    وقد ثبت في الصّحيحين عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال : ((عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إلَى الْجَنَّةِ وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا . وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا)).
    فأخبر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّ الصّدق يستلزم البرّ، وأنّ الكذب يستلزم الفجور، وقد قال تعالى:{إنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}.)) (مجموع الفتاوى)(10/10)
    و النّتيجة أنّه من جهة العموم فالمبتدعة شرّ من أهل المعاصي، لا من جهة عدم التّوبة حصرا،بل لأسباب شرعيّة أخرى،ككون بعض البدع أخطر على دين المسلمين من المعاصي،وككون البدع ـ في كثير من الأحيان و ليس دائما ـ شرّها عامّ، و المعصية شرّها خاصّ.
    قال شيخ الإسلام ابن تيميّة : (( إنّ أهل البدع شرّ من أهل المعاصي الشهوانيّة بالسُّنّة والإجماع )) .
    ولهذا أمر النّبيّ صلّى الله عليه و سلّم بقتال الخوارج المبتدعين مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم، ونهى عن قتال أئمّة الظُّلْم، وأمر بالصَّبر عليهم.
    فالسّلف ذمّوا أهل الكلام الّذين هم أهل الشُّبهات والأهواء، لم يذمّوا أهل الكلام الّذين هم أهل كلام صادق يتضمَّن الدَّليل على معرفة الله تعالى، وبيان ما يستحقُّه، وما يمتنع عليه، ولكن قد يورِث شبهة وهوى.
    روى البخاريّ في صحيحه عن عمر بن الخطّاب أنّ رجلا كان يُدعى حمارا وكان يشرب الخمر، وكان يضحك النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وكان كلَّما أتي به النّبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم جلده الحدَّ، فلعنه رجل مرَّة ، وقال :
    "لَعَنَهُ اللَّهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، فقال النّبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم : ((لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) .
    فهذا رجل كثير الشرب للخمر، ومع هذا فلمّا كان صحيح الاعتقاد يحبُّ الله ورسوله شهد له النّبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم بذلك، ونهى عن لعنه .
    وأمّا المبتدع ،فمثل ما أخرجا في الصّحيحين عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وعن أَبِي سَعِيدٍ الخدري وغيرهما - دخل حديث بعضهم في بعض – ((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَسِّمُ فَجَاءَهُ رَجُلٌ نَاتِئَ الْجَبِينِ كَثَّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقَ الرَّأْسِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَثَرُ السُّجُودِ وَقَالَ مَا قَالَ، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: ((يَخْرُجُ مِنْ ضئضئ هَذَا قَوْمٌ يَحْقِرُ أَحَدَكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ ؛ لَئِنْ أَدْرَكْتهمْ لَأَقْتُلَنهُمْ قَتْلَ عَادٍ }.
    وفي رواية ؛ ((لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَهُمْ مَاذَا لَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ لَنَكَلُوا عَنْ الْعَمَلِ )).
    وفي رواية : ((شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ خَيْرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوهُ)) .
    فهؤلاء مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم، وما هم عليه من العبادة والزَّهادة أمر النّبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم بقتلهم، وقتلهم عليّ بن أبي طالب ،ومن معه من أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.)).(مجموع الفتاوى)(11/473).
    قلت: فيجب التّفريق إذن بين البدع الّتي هذا حالها، و هي البدع الغليظة أو المُكفِّرة، و بين البدع المتوسّطة و الخفيفة، والأخطاء السّائغة،فليس من يصلّي ركعتين غير مشروعتين، أو يذكر الله بسِبحة عند من يُبدِّع بذلك،أو يدعو الله مجتهدا في جوف اللّيل فيبتدع في الصّيغة أو الكيفيّة، كمن ينشر اللِّوَاط و الزِّنا، و يقطع الطّّريق على المسلمين قتلا و نهبا !
    الخلاصة:
    نستخلص من هذا التّحليل أنّ البدعة أخطر من المعصية من جهة أنّ التّوبة منها أصعب من التّوبة من المعصية، بسبب أنّ المبتدع يعتقد نفسه على الحقّ فلا يطلب توبة، إن لم يهده الله، و العاصي يعرف ذنبه، فيرجوا التّوبة إن هداه الله تعالى.
    2 ـ السّلف الصّالح يُفرِّقون بين البدع الغليظة المُكفِّرة، وبين البدع الخفيفة وذات الاشتباه في كل شيء، في الرّواية، و في الحكم،وفي العقوبة،وفي الاعتبار في الخلاف و الإجماع ،إلاّ الشّيخ ربيعا فيجمع الكلّ في سلَّة واحدة، و الأدهى أنّه يُدخِل في البدع ما ليس منها.
    فمن يباشر العلم من الكتاب و السّنّة و أقوال السّلف فيقع في بدعة، ليس كالمُعرض عن علم الكتاب و السّنّة و أقوال السّلف، ولا يُسَوِّي بينهما إلاّ ظالم.
    3ـ المبتدع قد يكون مخلصا، قاصدا وجه الله، مجتهدا، غير مقصِّر في أسباب الاجتهاد كأصحاب البدع المخفَّفة، بدع الاشتباه، بينما العاصي مجاهرا بمعصية الله، وليسوا سواء، وكيف يستوِّي من لا يخالف اعتقاد التّحريم مع من يعلم الحرمة و يخالفها؟!
    4ـ المنحرف في الدّين إمّا المبتدع في دينه، وإمّا الفاجر في دنياه، كما قال الحسن البصريّ، وسفيان الثّوريّ، وجماعات من السّلف: ((إنّ من سلم من فتنة البدعة وفتنة الدّنيا فقد سلم.)).
    وإن كانت البدعة أحبّ إلى إبليس من المعصية، ففتنة البدعة في أهل العلم والدّين،وفتنة الدّنيا في ذوي السّلطان والمال؛ ولهذا قال بعض النّاس: صنفان إذا صلحوا صلح النّاس: العلماء والأمراء.
    البدعة تكون في أهل العلم و العبادة، و المعصية تكون في أهل السّلطان، ومن هذه الجهة هما في نفس المرتبة، لانّ فجور السّلطان قد يكون سببا لشيوع البدع.
    ومن جهة أنّ دور العلماء أهمّ و أخطر من دور السّلطان، تكون بدعة العالم أو البدعة في الدّين أخطر من معصية السّلطان و فجوره، فالأوّل إن كانت بدعته مكفّرة قد يؤمر بقتاله، بينما فجور السّلطان يؤمر بالصّبر عليه بنصّ الشّرع.
    قال شيخ الإسلام في ( السّلوك(مف){205/10}:
    (( و اعلم أنّ عامّة البدع المتعلِّقة بالعلوم و العبادات في هذا القَدَرِ وغيره، إنّما وقع في الأمّة في أواخر خلافة الخلفاء الرّاشدين، كما أخبر به النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حيث قال: ((فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ)).[13]
    و معلوم أنّه إذا استقام ولاة الأمورالّذين يحكمون في النّفوس و الأموال استقام عامّة النّاس، كما قال أبو بكر الصِّدِّيق فيما رواه البخاريّ في صحيحه للمرأة الأَحَمسيَّة لمّا سألته: ((ما بَقَاؤُنَا على هذا الأمر الصَّالِحِ ؟ قال: ما استقَامَتْ لكم أئِمَّتُكم))[14].
    وفي الأثر : ((صِنْفَانِ إذَا صَلَحُوا صَلَحَ النَّاسُ : الْعُلَمَاءُ وَالْأُمَرَاءُ))، كما دلّ عليه قوله تعالى:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا}.
    وهم أولو الأمر ، في قوله:{أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}[النساء:].
    و كذلك من جهتهم يقع الفساد، كما جاء في الحديث مرفوعا، عن جماعة من الصّحابة(إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ زَلَّةُ عَالِمٍ وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ وَأَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ))[15].
    فالأئمّة المضلُّون هم الأمراء، والعالم و المجادل هم العلماء.))
    نعم، لاشكّ أنّ البدعة و ما سببته من انهيار كان لها الدّور الحاسم، و لكن مقوِّمات الأمّة لا تقوم على هذا العنصر فقط.
    5ـ البدعة الّتي ذكرها السّلف،و مثّلوا لها هي البدع المكفّرة و البدع الغليظة في أصول الدّين ،و ليس البدع ذات الاشتباه ،فقليل من سلم منها، و لا البدع العمليّة الّتي سببها العمل بالأحاديث الموضوعة و الضّعيفة لاعتقاد صحَّتها.
    وعليه، فإنّ منهج الشّيخ ربيع قائم كليّة على كلمات التّنفير المطلقة أو المتغيّرة و الدائرة مع علّتها، و ليس على الحقائق العلميّة الثّابتة، فجاء شاذًّا شديدا ،مخالفا لمنهج أهل السّنّة في مسألة نقد الرّجال و المقالات.
    6ـ كثير من أوصاف التّبديع الّتي يطلقها الشّيخ ربيع هي في الحقيقة من كلمات التّنفير، و هي نتيجة ضروريّة لمنهجه النّقديّ الّذي استمدّه من كلمات التّنفير، و ليس من الحقائق العلميّة.
    فعندما يقول عن أحدهم: هو أخطر من مانعي الزّكاة؟!
    و إذا لم يكن مبتدعا فإنّي لا أعلم مبتدعا آخرا؟!
    فهذا لا يتجاوز كونه من أساليب التّنفير لأنّه لا يمتُّ للحقيقة الشرعيّة بصلة، و لا للحقيقة الموجودة (الواقع) بشيء، فمعلوم أنّ مانعي الزّكاة مرتدُّون، و معلوم أنّه يوجد من المبتدعة من هم أخطر وأضلّ بكثير ممّن قال فيه تلك الكلمة.
    ولكن الإشكال في الأتباع الّذين يأخذون بهذه الكلمات ويحملونها محمل الحقائق الشرعيّة، وهي كلمات تنفير من جنس فلتات الغضب، وقدح السّاخط.
    ومن باب الشَّهادة بالحقّ فقد وجدنا في بعضهم أدبا رغم مخالفتهم،وهذا يدلّ على وجود العلم،فإنّه سبب التّسامح و إن كانوا قلَّة ، أمّا من يسلك طريق السَّبِّ فليعلم أنّه لو كان السَّبُّ نافعا مانعا لاستعدنا القدس من زمان.
    لم صار السبّ ،وذكر كل عورة، و الإفراط في الشَّتم، و تجاوز الحدِِّ في الرََّدِّ على النّاس أخفّ على نفوس بعض المنتسبين للسّلف من الكلام الحسن ؟!
    فلا تُهدِ السِّبابَ إلى خُفافٍ ****فإن السَّبَّ تُحسِنُه الإماءُ
    فلا تكونوا إخواني كمن إذا حمِيََ في الجدل دفعته نفسه الغضبيَّة إلى التّجريح المقذع ، وإلى سفاسف الأخلاق ورديئها، فإنّما انتَّقدت الشّيخ ربيعا ببراهين واضحة، وقرائن لائحة،وقد اجتنبت التّجريح للأتباع، وهو في مقدوري تلميحا و تصريحا، حرصا منِّي على جلب الوُُُدِّ، وكسر الصَّدِّ.
    و السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    أرزيو/ الجزائر، في25 من ذي الحجة 1431 هـ
    مختار الأخضر طيباوي

    [1] ـ إذ أقول هذا فإنّي لا أزعم إطلاقا أنّ الشّيخ ربيعا يدعو إلى اتّباع المتشابه صراحة،ولكن أصوله يلزم منها هذا،و إنّما أوتي من عدم ربطه بين مسالك المقالات العلميّة، بين ما يعرض منها في الفقه و الحديث و أصول الفقه وبين أصولها في علم التوحيد، وهذا سأبرهن عليه إن شاء الله بصورة قاطعة في مقال مخصّص للمسألة.


    [2] ـ أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه من حديث أبي مالك الأشعري مرفوعا ، وفي إسناده مقال ، وذكر له ابن حجر شواهد جيدة في الفتح ( عون المعبود 3 / 379 ) ، وسنن ابن ماجه ( 2 / 1333 )، ومسند أحمد بن حنبل ( 5 / 342 )، وفتح الباري ( 10 / 51 - 52 ).


    [3] ـ هذه المسألة مما أجاد فيها العلامة عبد الرحمان المعلمي ،و فصّلها تفصيلا، و بيّن ما وقع بسببها من خطأ في كتب الجرح و التعديل.

    [4] ـ قال الذهبي في(سير أعلام النبلاء){7/361}:
    (( الإمام الكبير، أحد الأعلام.. قال يحيى القطان: كان سفيان الثوري سيئ الرأي في الحسن بن حي.
    وقال زكريا الساجي، عن أحمد بن محمد البغدادي: قال المزي شيخنا - أظنه أبا بكر الاثرم -: سمعت أبا نعيم يقول: دخل الثوري يوم الجمعة من الباب القبلي، فإذا الحسن بن صالح يصلي، فقال: نعوذ بالله من خشوع النفاق،وأخذ نعليه، فتحول إلى سارية أخرى.
    وقال العلاء بن عمرو الحنفي، عن زافر بن سليمان: أردت الحج، فقال لي الحسن بن صالح: إن لقيت أبا عبد الله سفيان الثوري بمكة، فأقره مني السلام، وقل: أنا على الأمر الأول.
    فلقيت سفيان في الطواف، فقلت: إن أخاك الحسن بن صالح يقرأ عليك السلام، ويقول: أنا على الأمر الأول.
    قال: فما بال الجمعة ؟!
    قلت [الذهبي]: كان يترك الجمعة، ولا يراها خلف أئمة الجور، بزعمه.
    بشر بن الحارث، وذكر له أبو بكر عبد الرحمن بن عفان الصوفي،فقال: سمعت حفص بن غياث يقول: هؤلاء يرون السيف، أحسبه عنى ابن حي وأصحابه،ثم قال بشر: هات من لم ير السيف من أهل زمانك كلهم إلا قليل، ولا يرون الصلاة أيضا[أي خلف أئمة الجور].
    قال محمد بن علي الوراق: سألت أحمد بن حنبل عن الحسن بن صالح: كيف حديثه ؟ فقال: ثقة، وأخوه ثقة، ولكنه قدم موته.
    وروى علي بن الحسن الهسنجاني، عن أحمد بن حنبل، قال: الحسن بن صالح صحيح الرواية، يتفقه، صائن لنفسه في الحديث والورع.
    وروى عبد الله بن أحمد، عن أبيه: هو أثبت من شريك.
    وروى ابن أبي خيثمة عن يحيى: ثقة.
    وروى إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد، عن يحيى: ثقة مأمون.
    وروى أحمد بن أبي مريم، عن يحيى: ثقة، مستقيم الحديث.
    روى عباس، عن يحيى: يكتب رأي الحسن بن صالح، والاوزاعي، هؤلاء ثقات .
    وروى عثمان بن سعيد، عن يحيى، قال: ابنا صالح ثقتان مأمونان.
    وقال أبو زرعة: اجتمع في حسن إتقان وفقه وعبادة وزهد.
    وقال أبو حاتم: ثقة، حافظ متقن.
    وقال النسائي: ثقة.
    الساجي: عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن حنبل: قال وكيع: حدثنا الحسن، قيل: من الحسن ؟ قال: الحسن بن صالح الذي لو رأيته ذكرت سعيد بن جبير، أو شبهته بسعيد بن جبير.
    قلت[الذهبي]: بينهما قدر مشترك، وهو العلم والعبادة والخروج على الظلمة تديّنا.
    أحمد بن أبي الحواري: سمعت وكيعا يقول: لا يبالي من رأى الحسن ابن صالح ألا يرى الربيع بن خثيم.
    وقال يحيى بن أبي بكير: قلت للحسن بن صالح: صف لنا غسل الميت،فما قدر عليه من البكاء.
    وعن عبدة بن سليمان، قال: إني أرى الله يستحي أن يعذب الحسن بن صالح.
    وقال أبو نعيم: حدثنا الحسن بن صالح، وما كان دون الثوري في الورع والقوة.
    الحنيني: سمعت أبا غسان يقول: الحسن بن صالح خير من شريك، من هنا إلى خراسان.
    قال محمد بن عبد الله بن نمير: كان أبو نعيم، يقول: ما رأيت أحدا إلا وقد غلط في شئ، غير الحسن بن صالح.
    وقال ابن أبي الحواري عن عبد الرحيم بن مطرف: كان الحسن بن صالح إذا أراد أن يعظ أحدا، كتب في ألواحه، ثم ناوله.
    وقال محمد بن زياد الرازي، عن أبي نعيم: سمعت الحسن بن صالح يقول: فتشت الورع، فلم أجده في شئ أقل من اللسان)).


    [5] ـ قال : (( وقد تكلّم بعض منتحلي الحديث، من أهل عصرنا في تصحيح الأسانيد وتسقيمها بقول لو ضربنا عن حكايته، وذكر فساده صفحا لكان رأيا متينا ،ومذهبا صحيحا ،إذ الإعراض عن القول المطرح أحرى لإماتته ،وإخمال ذكر قائله، وأجدر أن لا يكون ذلك تنبيها للجهال عليه، غير أنا لما تخوفنا من شرور العواقب ،واغترار الجهلة بمحدثات الأمور، وإسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطئين والأقوال الساقطة عند العلماء، رأينا الكشف عن فساد قوله، ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد أجدى على الأنام، وأحمد للعاقبة إن شاء الله ،وزعم القائل الذي افتتحنا الكلام على الحكاية عن قوله والإخبار عن سوء رويته....وهذا القول يرحمك الله في الطعن في الأسانيد قول مخترع مستحدث غير مسبوق صاحبه إليه ،ولا مساعد له من أهل العلم عليه)).

    [6] ـ و ربما نسب إليه بعض هذه المقالات بعض أهل الحديث من باب التّشنيع و المبالغة في التّنفير،كما نسب إليه إسماعيل الأنصاريّ ـ و كان يبالغ في ذمّ الأشعريّة ـ تجد المسألة مفصَّلة في ( التسعينية).

    [7] ـ هذه قالها الشّيخ ربيع .

    [8] ـ قال في (بيان تلبيس الجهميّة)(2/87): ((وذكر ابن خزيمة وغيره أن الإمام أحمد كان يحذر مما ابتدعه عبد الله بن سعيد بن كلاب، وعن أصحابه كالحارث، وذلك لما علموه في كلامهم من المسائل والدلائل الفاسدة ،وإن كان في كلامهم من الأدلة الصحيحة ،وموافقة السنة ما لا يوجد في كلام عامة الطوائف، فإنهم اقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث، وهم يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة وغيرهم، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ونحوهم)).

    [9] ـ المحجّة البيضاء كتاب الله و سنّة نبيه صلّى الله عليه و سلّم لا غير،فهذا من مبالغة الشّيخ ربيع أن يوصف كتابه بمثل هذا الوصف،وهذا يشبه مسألة الاقتباس (بمعنى تضمين المتكلّم كلامه - شعرا كان أو نثرا - شيئا من القرآن الكريم ، أو الحديث النبوي الشريف ، على وجه لا يكون فيه إشعار بأنه من القرآن أو الحديث ) التي اختلف فيها الفقهاء،فأجازها بعضهم إذا كان حقّا، و معلوم أنّ الشّيخ ربيعا ليس معصوما، و في كتابه هذا أخطاء، بينما النّبيّ صلّى الله عليه و سلّم معصوم ،و المحجّة البيضاء الّتي تركنا عليها لا خطأ فيها.

    [10] ـ تسمية " جرح الشّيخ ربيع أو غيره" بـ" خبر الثّقة" فيه تساهل و تجوّز كبير، وعدم دقّة، إذ المقصود بخبر الثّقة عند المحدثين: الحديث الآحاد أو خبر الواحد،و ليس قول الثّقة ، ولا حكمه على الرّجال،ولا مذهبه، ولا فهمه ،فتنبّه لهذا فإنّ في الأمر تلبيسا .

    [11] ـ (شعب الإيمان للبيهقي) (ح:9455 )- أخبرنا أبو الحسين بن بشران قال : أنا أبو عمرو بن السماك نا الحسن بن عمرو و سمعت بشرا يقول : سمعت يحيى بن يمان يقول : قال سفيان : (( البدعة أحب إلى إبليس من المعصية.))


    [12] ـ قال الشّيخ الألباني : ( موضوع ) انظر حديث رقم : 3795 في (ضعيف الجامع)

    [13] ـ التِّرمِذيّ في العلم{2676}،و الدَّارِمِيّ {44/1}، وابن ماجه {43} و أحمد{126/4}].

    [14] ـ البخاريّ{حديث رقم:3834}، و الحديث بتمامه عن قيس بن أبي حازم - رحمه الله - : قال: ((دَخَلَ أبو بكر على امْرأةٍ مِنْ أحْمَسَ، يقال لها : زَينَبُ ، فَرَآها لا تَكلَّمُ ، فسأَل عنها ؟ . فقالوا : حَجَّتْ مُصْمِتَة ، فقال لها: " تَكلَّمي ، فإنَّ هذا لا يَحِلُّ ، هذا من عمل الجاهلية" ، فتكلَّمتْ، فقالت:مَنْ أَنْتَ؟ قال: أَنا امْرُؤٌ من المهاجرين ، قالت: من أيِّ المهاجرين؟ قال : من قريش ، قالت: من أَيِّ قريشٍ ؟ قال : إِنَّكِ لَسَؤولٌ ، أنا أبو بكر ، قالت: ما بَقَاؤُنَا على هذا الأمر الصَّالِحِ الذي جاءَ اللهُ به بعدَ الجاهلية ؟ قال : بَقاؤكم عليه ما استقَامَتْ لكم أئِمَّتُكم ، قالت: وَمَا الأئِمَّةُ؟ قال : أو ما كان لِقَومِكِ رُؤوسٌ وَأشْرَافٌ يأمُرونَهُمْ فَيُطيعونهم ؟قالت: بَلى ، قال : فهم أولئكِ على الناس))


    [15] ـ الدّارِمِيّ{71/1}،وجاء عن معاذ ـ رضي الله عنه ـ : ((كيف أنتم عند ثلاث : دنيا تقطع رقابكم ، وزلة عالم ، وجدال منافق بالقرآن ؟ فسكتوا ، فقال معاذ بن جبل : أما دنيا تقطع رقابكم ، فمن جعل الله غناه في قلبه فقد هدي ، ومن لا فليس بنافعته دنياه ، وأما زلة عالم ، فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم وإن فتن فلا تقطعوا منه آناتكم ، فإن المؤمن يفتن ثم يفتن ، ثم يتوب ، وأما جدال منافق بالقرآن ، فإن للقرآن منارا كمنار الطريق لا يكاد يخفى على أحد ، فما عرفتم فتمسكوا به ، وما أشكل عليكم فكلوه إلى عالمه)).

  2. #2
    عضو ذهبي
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    الدولة
    الجزائر ـ بومرداس ـ
    المشاركات
    3,920

    افتراضي رد: من أين استمدَّ الشّيخ ربيع منهجه؟ للشيخ مختار طيباوي



    ... جزى الله شيخنا الطيباوي خيرا على ما قدّم من تصحيح الانحراف ..
    وتقليل الانجراف ..

    إن شئتم أن يتجسّد العلم ،لا بُد من العقيدة فالتوحيد عليه مدار الحياة .{ أَصْلُهَا ثَابِتٌ } [لا إله إلاّ الله ثابتة في القلب ]والقلب محلّ العقيدة { وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء{24} تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا }معنى هذا الجانب العملي أي امتدّت عروق التوحيد في كل أماكن ونواحي القلب وتمكنت منه فلم تبق مكانا لمن يعيش معها من غير ذلك [أي ممّا يفسد القلب]

    [السبيل إلى العمـــل بالعلمـ : لشيخنا العيد شريفي ]

    www.forums.el-houda.org/

    http://www.salafie.net/vb/

  3. #3

    افتراضي رد: من أين استمدَّ الشّيخ ربيع منهجه؟ للشيخ مختار طيباوي


    جزاك الله خير بدر ونفع الله بكم وبالشيخ مختار

    ورحم الله الشعبي إذ يقول: لو أصبت تسعاً وتسعين وأخطأت واحدة لأخذوا الواحدة وتركوا التسعة والتسعين..!

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. الشّيخ ربيع يقول بالموازنة للشيخ مختار طيباوي
    بواسطة بدرالدين الجزائري في المنتدى منتدى الاعتدال والوسطية في القضايا المنهجية والدعوية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 12-08-2010, 12:27 AM
  2. الاعتراض العلمي الرفيع على الشيخ ربيع للشيخ مختار طيباوي
    بواسطة بدرالدين الجزائري في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 11-25-2010, 09:27 PM
  3. مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 08-28-2010, 03:51 PM
  4. [مقال] أسباب انهيار السلفية التجريحية للشيخ مختار طيباوي
    بواسطة عمربن محمدالبومرداسي في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 07-28-2010, 06:44 AM
  5. أي أنواع أهل السنة أنت. للشيخ مختار طيباوي
    بواسطة نبيل الجزائري في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 04-13-2010, 10:44 PM

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •