حكم استعمال العطور التي تحتوي على نسبة من الكحول
أسئلة من موقع: (منتديات تبسة الإسلامية) بالجزائر
السؤال الخامس
فضيلة الشيخ: فؤاد أبو سعيد حفظه الله

السؤال الخامس: ما حكم استعمال العطور التي تحتوي على نسبة من الكحول؟
الجواب: الأصل في الأمور الدينية الحظر والمنع، إلا ما ورد به النص، والأصل في الأمور الدنيوية الإباحة والجواز إلا ما ورد النص بمنع وحظره.
وبناء على ما سبق؛ أقول: إن العطور والكحول من الأمور الدنيوية، التي تحتاج إلى دليل يجعلها ممنوعة محظورة، والذي أراه جواز استخدامِ الكحول في العطور والتداوي مع خلاف الأولى، وتركُه مع عدم الحاجة إليه أولى وأحرى، ولا إثم في ذلك، جاء في فتاوى نور على الدرب للعثيمين السؤال التالي:
[هل الكحول الطبي من مفسدات الوضوء؟ وهل العطر أو الطيب من مفسدات الصوم؟ ما حكم ذلك مأجورين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الكحول الطبية ليست مفسدة للوضوء؛ بل جميع النجاسات إذا أصابت البدن فإنها لا توجب الوضوء؛ لأن نواقض الوضوء تتعلق بالبدن من بول أو غائط أو ريح أو ما أشبه ذلك من النواقض المعلومة، =التي تخرج من الإنسان=، وأما إصابة النجاسة للبدن فإنها لا تنقض الوضوء، ولكن يبقى النظر هل الكحول الطبية نجسة أو لا؟! هذا مبني على القول بنجاسة الخمر، فإن أكثر أهل العلم يرون أن الخمر نجس نجاسة حسية، كنجاسة البول والغائط، يجب أن يتخلى الإنسان منها، ولكن القول الراجح؛ أن الخمر ليس نجسا نجاسة حسية؛ لعدم الدليل على ذلك وهو وإن كان محرما بلا شكّ، فإنه لا يلزم من التحريم النجاسة؛ فالسموم مثلا حرام وليست بنجسة، التدخين حرام وليس التبغ نجسا، فلا يلزم من التحريم النجاسة، ولكن يلزم من النجاسة التحريم، ويدل على عدم نجاسة الخمر أمور:
أولا: أنه لا دليل على نجاسته، والأصل في الأشياء الطهارة.
ثانيا: قد دل الدليل على أنه طاهر؛ وذلك من وجوه، فإنه لما نزل تحريم الخمر (خرج المسلمون بدنانها أي أوانيها وأراقوها في أسواق المدينة).
والنجس لا تجوز إراقته في طرقات المسلمين، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم بغسلها حين نزل تحريمها، أي لم يأمرهم بغسل الأواني منها، مع أنه أمر بغسل الأواني من لحوم الحمر حينما حرمت الحمر، يعني الحمير.
ولأنه ثبت في صحيح مسلم (أن رجلاً أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم براوية خمر يهديها إليه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إنها حرمت" فسارَّه رجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بم ساررته؟" قال: قلت: بعها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه". ثم فتح الرجل فم الراوية، وأراق الخمر بحضرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم). ولم يأمره أن يغسل الراوية، ولو كان الخمر نجسا لأمره بغسل الراوية منه، وإذا كان الخمر ليس بنجس نجاسة حسية، فإن الكحول ليست نجسة نجاسة حسية، فإذا أصابت الثوب أو البدن لم يجب غسلها.
يبقى النظر في استعمال ما فيه مادة الكحول؛ هل هذا جائز أو لا؟
فنقول: إن كانت النسبة كبيرة، أي نسبة الكحول في هذا المستعمل كبيرة، فحكمه كالكحول الخالصة، وإن كانت يسيرة لا تأثر فيه فلا بأس بها، ولا تؤثر منعا في استعماله، فإن قال قائل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أسكر كثيرة فقليله حرام؟!" قلنا: بلى! لكن معنى الحديث أن الشراب إذا كان يسكر إذا أكثر منه، ولا يسكر إذا كان قليلا فإن قليله يكون حراما؛ لئلا يتوصل به الإنسان إلى شرب الكثير، ولكن لا شك أن الاحتياط والورعَ تجنبُ استعماله لعموم قوله: (فَاجْتَنِبُوهُ) فنحن نشير على إخواننا ألا يستعملوا ما فيه مادة الكحول، إذا كانت النسبة كبيرة إلا لحاجة كتعقيم الجروح وما أشبهها].
وجاء أيضا في فتاوى نور على الدرب للعثيمين: [والذي أرى أنه لو تطيب به فإنه لا يأثم، ولكن الاحتياط ألا يتطيب به، والأطياب سواه كثير والحمد لله، هذا بالنسبة للتطيب به من عدمه.
أما بالنسبة للطهارة والنجاسة؛ فإن هذه العطورات التي بها الكحول طاهرة، مهما كثرت النسبة فيها؛ لأن الخمر لا دلالة على نجاسته لا من القرآن ولا من السنة، ولا من عمل الصحابة، وإذا لم يدل الدليل على نجاسته فالأصل الطهارة حتى يقوم دليلٌ على النجاسة، ولا يلزم من تحريم الشيء أن يكون نجساً..]
وجاء في فتاوى دار الإفتاء المصرية: [وطبقا للنصوص الفقهية التي أشرنا إليها من أن الأصل في الأعيان الطهارة، وأن التحريم لا يلازم النجاسة، تكون الكولونيا طاهرة، وبخاصة وأنها معدَّة للتنظيف والتطيب، ومن ثم يكون استعمالها جائزا شرعا، ولا تأثير لاستعمالها على نقض الوضوء ..]. المفتي: محمد خاطر. ذو القعدة 1391 هجرية- 13 يناير 1972م.
وجاء أيضا في فتاوى دار الإفتاء المصرية: [.. وعليه؛ فلا يجب غسل ما أصابته الكولونيا من البدن والملابس وغيرها، وتصح الصلاة مع وجودها. انظر الفتاوى الإسلامية المجلد الخامس (ص: 1652)]. المفتي: عطية صقر. 3مايو 1997
والله تعالى أعلم