[تحريم حلق اللحى]
تحريم حلق اللحى ويليها وجوب إعفاء اللحية
وتحريم حلقها وتقصيرها تحريم حلق اللحى

(1/3)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده:
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما وغيرهما، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خالفوا المشركين، وفِّروا اللحى وأحفوا الشوارب» ، ولهما عنه أيضا: «أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى» ، وفي رواية: «أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى» . واللحية: اسم للشعر النابت على الخدين والذقن، قال ابن حجر: "وفِّروا" بتشديد الفاء، من التوفير: وهو الإبقاء، أي اتركوها وافرة، وإعفاء اللحية: تركها على حالها.
ومخالفة المشركين يفسره حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إن أهل الشرك يعفون شواربهم ويحفون لحاهم فخالفوهم، فأعفوا اللحى وأحفوا الشوارب» رواه البزار بسند حسن، ولمسلم عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خالفوا المجوس» ؛ لأنهم كانوا يقصرون لحاهم ويطولون

(1/5)

الشوارب، ولابن حبان، عن ابن عمر قال: «ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم المجوس فقال: إنهم يوفرون سبالهم ويحلقون لحاهم، فخالفوهم» فكان يحفي سباله، وله عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من فطرة الإسلام أخذ الشارب وإعفاء اللحى، فإن المجوس تعفي شواربها وتحفي لحاها، فخالفوهم، خذوا شواربكم وأعفوا لحاكم» ، وفي صحيح مسلم عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أمرنا بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحية» ، وله عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى» ومعنى جزوا: قصوا، وأرخوا: أي أطيلوا، ورواه بعضهم بلفظ "أرجو" أي: اتركوا، وما روي بلفظ: "قصوا" لا ينافي الإحفاء؛ لأن رواية الإحفاء في الصحيحين ومعينة للمراد، وفي رواية «أوفوا اللحى» أي: اتركوها وافية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: يحرم حلق اللحية. وقال القرطبي: لا يجوز حلقها ولا نتفها ولا قصها.

(1/6)

وحكى أبو محمد بن حزم: الإجماع على أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض، واستدل بحديث ابن عمر: «خالفوا المشركين، أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى» ، وبحديث زيد بن أرقم المرفوع: «من لم يأخذ شاربه فليس منا» صححه الترمذي، وبأدلة أخر، قال في الفروع: هذه الصيغة عند أصحابنا تقتضي التحريم، وقال في الإقناع: ويحرم حلقها، وروى الطبراني، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مثل بالشعر ليس له عند الله خلاق» ، قال الزمخشري: معناه: صيره مثلة، بأن نتفه أو حلقه من الخدود أو غيره بسواد، وقال في النهاية: مثل بالشعر: حلقه من الخدود، وقيل: نتفه أو تغييره بسواد.
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعفوا اللحى وجزوا الشوارب، ولا تشبهوا باليهود والنصارى» ، وللبزار، عن ابن عباس مرفوعا: «لا تشبهوا بالأعاجم أعفوا اللحى» ، وروى أبو داود عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله

(1/7)

عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» ، وله عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى» . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فمخالفتهم أمر مقصود للشارع، والمشابهة في الظاهر تورث مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة، قال: ومشابهتهم فيما ليس من شرعنا يبلغ التحريم في بعضه إلى أن يكون من الكبائر، وقد يصير كفرا بحسب الأدلة الشرعية، وقال: وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم في الجملة، وما كان مظنة لفساد خفي غير منضبط علق الحكم به ودار التحريم عليه، فمشابهتهم في الظاهر سبب لمشابهتهم في الأخلاق والأفعال المذمومة، بل في نفس الاعتقادات، وتأثير ذلك لا ينضبط، ونفس الفساد الحاصل من المشابهة قد لا يظهر، وقد يتعسر أو يتعذر زواله،
(1/8)

وكل ما كان سببا إلى الفساد فالشارع يحرمه. اهـ.
وروي عن ابن عمر: "من تشبه بهم حتى يموت حشر معهم"، وروى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وتسليم النصارى الإشارة بالأكف» ، زاد الطبراني: «ولا تقصوا النواصي، وأحفوا الشوارب وأعفوا اللحى» ، وفي شروط عمر على أهل الذمة أن يحلقوا مقادم رؤوسهم ليتميزوا من المسلمين، فمن فعل ذلك فقد تشبه بهم، وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم «نهى عن القزع» : وهو حلق بعض الرأس وترك بعضه، وعن ابن عمر - في الرأس -: «احلقه كله أو دعه» رواه أبو داود، وحلق القفا لا يجوز لمن لم يحلق رأسه كله ولم يحتج إليه؛ لأنه من فعل المجوس، ومن تشبه بقوم فهو منهم، وروى ابن عساكر عن عمر رضي الله عنه: حلق القفا من غير حجامة مجوسية.
وأيضا نهى الله تبارك وتعالى عن اتباع أهوائهم

(1/9)

فقال: {وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77] (1) وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 145] (2) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومتابعتهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع دينهم اتباع لأهوائهم.
وروى ابن أبي شيبة: «أن رجلا من المجوس جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد حلق لحيته وأطال شاربه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا؟ قال: هذا ديننا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكن في ديننا أن نحفي الشوارب وأن نعفي اللحية» ، وأخرج الحارث بن أبي أسامة، عن يحيى بن كثير قال: «أتى رجل من العجم المسجد، وقد وفر شاربه وجز لحيته، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حملك على هذا؟ فقال: إن ربي أمرني بهذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله أمرني أن
_________
(1) سورة المائدة، الآية: 77.
(2) سورة البقرة، الآية: 145.

(1/10)

أوفر لحيتي وأحفي شاربي» ، وروى ابن جرير، عن زيد بن حبيب قصة رسولي كسرى قال: «ودخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما، فكره النظر إليهما، وقال: ويلكما من أمركما بهذا؟ قالا: أمرنا ربنا، يعنيان: كسرى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي» ، وروى مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير شعر اللحية» ، وللترمذي عن عمر: «كث اللحية،» وفي رواية: «كثيف اللحية،» وفي أخرى: «عظيم اللحية،» وعن أنس: «كانت لحيته قد ملأت من ههنا إلى ههنا، وأمر يده على عارضيه،» ورخص بعض أهل العلم في أخذ ما زاد على القبضة؛ لفعل ابن عمر (1) وأكثر العلماء يكرهه، وهو أظهر لما تقدم، وقال النووي: والمختار تركها على حالها، وألا يتعرض لها بتقصير شيء أصلا،
_________
(1) الحجة في روايته لا في رأيه، ولا شك أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله أحق وأولى بالاتباع من قول غيره أو فعله كائنا من كان.

(1/11)

وأخرج الخطيب، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يأخذ أحدكم من طول لحيته» ، وقال في الدر المختار: وأما الأخذ منها وهي دون القبضة كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال فلم يبحه أحد اهـ.
وقال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الأحزاب: 21] (1) وقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] (2) وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ - وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [الأنفال: 20 - 21] (3) وقال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] (4) وقال: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] (5) .
والله تبارك وتعالى جمل الرجال باللحى، ويروى: ومن تسبيح الملائكة: سبحان من زين الرجال باللحى، وقال في التمهيد: ويحرم حلق اللحية، ولا يفعله إلا
_________
(1) سورة الأحزاب، الآية: 21.
(2) سورة الحشر، الآية: 7.
(3) سورة الأنفال، الآيتان: 20، 21.
(4) سورة النور، الآية: 63.
(5) سورة النساء، الآية: 115.

(1/12)

المخنثون من الرجال اهـ.
فاللحية زينة الرجال، ومن تمام الخلق، وبها ميز الله الرجال من النساء، ومن علامات الكمال، ونتفها في أول نباتها تشبه بالمرد، ومن المنكرات الكبار (1) وكذلك حلقها أو قصها أو إزالتها بالنورة من أشد المنكرات، ومعصية ظاهرة، ومخالفة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقوع فيما نهى عنه.
وذكر الغزالي في الإحياء: أن نتف الفنيكين بدعة وهما: جانبا العنفقة، قال: وشهد عند عمر بن عبد العزيز رجل كان ينتف فنيكيه فرد شهادته، ورد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وابن أبي ليلى قاضي المدينة شهادة من كان ينتف لحيته.
قال الإمام أبو شامة: وقد حدث قوم يحلقون لحاهم وهو أشد مما نقل عن المجوس من أنهم كانوا يقصونها، وهذا في زمانه رحمه الله فكيف لو رأى كثرة من يفعله اليوم! . وما لهم قاتلهم الله أنى يؤفكون! . أمرهم الله بالتأسي برسوله صلى الله عليه وسلم فخالفوه وعصوه
_________
(1) قاله النووي، والغزالي وغيرهما.

(1/13)

وتأسوا بالمجوس والكفرة، وأمرهم الله بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «أعفوا اللحى» ، «أوفوا اللحى» ، «أرخوا اللحى» ، «أرخوا اللحى» ، «وفروا اللحى» ، فعصوه وعمدوا إلى لحاهم فحلقوها، وأمرهم بحلق الشوارب فأطالوها، فعكسوا القضية، وعصوا الله جهارا؛ لتشويه ما جمل الله به أشرف شيء من ابن آدم وأجمله، {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [فاطر: 8] (1) .
اللهم إنا نعوذ بك من عمى القلوب، ورين الذنوب، وخزي الدنيا وعذاب الآخرة {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ - وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنفال: 22 - 23] (2) . وفي هذا كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف: 17] (3) والله أعلم.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم جمادى الأولى - سنة 1354 هـ
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
_________
(1) سورة فاطر، الآية: 8.
(2) سورة الأنفال، الآيتان: 22، 23.
(3) سورة الكهف، الآية: 17.

(1/14)

[وجوب إعفاء اللحية وتحريم حلقها وتقصيرها]
[حكم حلق اللحية أو قصها وهل يكون من حلقها متعمدا معتقدا حل ذلك كافر]
وجوب إعفاء اللحية
وتحريم حلقها وتقصيرها

(1/15)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد:
فقد ورد إلي سؤال عن حكم حلق اللحية أو قصها، وهل يكون من حلقها متعمدا معتقدا حل ذلك كافر؟ وهل يقتضي حديث ابن عمر رضي الله عنهما وجوب إعفاء اللحية وتحريم حلقها أم لا يقتضي إلا استحباب الإعفاء؟
جواب: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «قصوا الشوارب وأعفوا اللحى، خالفوا المشركين» متفق على صحته، ورواه البخاري في صحيحه بلفظ: «قصوا الشوارب ووفروا اللحى، خالفوا المشركين» ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس» ، وهذا اللفظ في

(1/17)

الأحاديث المذكورة يقتضي وجوب إعفاء اللحى وإرخائها وتحريم حلقها وقصها؛ لأن الأصل في الأوامر هو الوجوب، والأصل في النواهي هو التحريم - ما لم يرد ما يدل على خلاف ذلك - وهو المعتمد عند أهل العلم، وقد قال الله سبحانه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7] وقال عز وجل: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]
قال الإمام أحمد رحمه الله: الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله - يعني قول النبي صلى الله عليه وسلم - أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، ولم يرد في الكتاب ولا في السنة ما يدل على أن الأمر في هذه الأحاديث ونحوها للاستحباب، أما الحديث الذي رواه الترمذي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يأخذ من لحيته من طولها وعرضها فهو حديث باطل عند أهل العلم؛ لأن في إسناده رجل يدعى عمر بن هارون

(1/18)

البلخي، وهو متهم بالكذب، وقد انفرد بهذا الحديث دون غيره من رواة الأخبار، مع مخالفته للأحاديث الصحيحة فعلم بذلك أنه باطل لا يجوز التعويل عليه، ولا الاحتجاج به في مخالفة السنة الصحيحة، والله المستعان.
ولا شك أن الحلق أشد في الإثم؛ لأنه استئصال للحية بالكلية، ومبالغة في فعل المنكر، والتشبه بالنساء، أما القص والتخفيف فلا شك أن ذلك منكر، ومخالف للأحاديث الصحيحة، ولكنه دون الحلق.
أما حكم من فعل ذلك فهو عاص وليس بكافر ولو اعتقد الحل بناء على فهم خاطئ أو تقليد لبعض العلماء، والواجب أن ينصح ويحذر من هذا المنكر؛ لأن حكم اللحية في الجملة فيه خلاف بين أهل العلم هل يجب توفيرها أو يجوز قصها؟ أما الحلق فلا أعلم أحدا من أهل العلم قال بجوازه، ولكن لا يلزم من ذلك كفر من ظن جوازه لجهل أو تقليد، بخلاف الأمور المحرمة المعلومة من الدين

(1/19)

بالضرورة لظهور أدلتها، فإن استباحتها كفر أكبر إذا كان المستبيح ممن عاش بين المسلمين، فإن كان ممن عاش بين الكفرة أو في بادية بعيدة عن أهل العلم فإن مثله توضح له الأدلة، فإذا أصر على الاستباحة كفر، ومن أمثلة ذلك: الزنا، والخمر، ولحم الخنزير وأشباهها، فإن هذه الأمور وأمثالها معلوم تحريمها من الدين بالضرورة، وأدلتها ظاهرة في الكتاب والسنة، فلا يلتفت إلى دعوى الجهل بها إذا كان من استحلها مثله لا يجهل ذلك كما تقدم.
وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع، والعمل الصالح، وأن يمنحنا الفقه في دينه، والثبات عليه، وأن يعيذنا جميعا من مضلات الفتن، إنه سميع قريب. .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

(1/20)

[فتاوى تتعلق بحلق اللحية]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد سألني بعض الإخوان عن الأسئلة التالية:
1 - هل تربية اللحية واجبة أو جائزة؟
2 - هل حلقها ذنب أو إخلال بالدين؟
3 - هل حلقها جائز مع تربية الشنب؟
والجواب عن هذه الأسئلة: أن نقول:
قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحفوا الشوارب ووفروا اللحى، خالفوا المشركين» ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس» ،

(1/21)

وخرج النسائي في سننه بإسناد صحيح عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا» ، قال العلامة الكبير، والحافظ الشهير: أبو محمد بن حزم: "اتفق العلماء على أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض".
والأحاديث في هذا الباب، وكلام أهل العلم فيما يتعلق بإحفاء الشوارب وتوفير اللحى وإكرامها وإرخائها كثير لا يتيسر استقصاء الكثير منه في هذه الرسالة.
ومما تقدم من الأحاديث، وما نقله ابن حزم من الإجماع - تعلم الجواب عن الأسئلة الثلاثة، وخلاصته: أن تربية اللحية، وتوفيرها، وإرخاءها فرض لا يجوز تركه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بذلك وأمره على الوجوب، كما قال الله عز وجل: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7]
وهكذا قص الشارب واجب، وإحفاؤه أفضل، أما

(1/22)

توفيره أو اتخاذ الشنبات فذلك لا يجوز؛ لأنه يخالف قول النبي صلى الله عليه وسلم: «قصوا الشوارب» «أحفوا الشوارب» «جزوا الشوارب» «من لم يأخذ من شاربه فليس منا» وهذه الألفاظ الأربعة كلها جاءت في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي اللفظ الأخير: وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا» وعيد شديد وتحذير أكيد، وذلك يوجب للمسلم الحذر مما نهى الله عنه ورسوله، والمبادرة إلى امتثال ما أمر الله به ورسوله، ومن ذلك تعلم أيضا أن إعفاء الشارب واتخاذ الشنبات ذنب من الذنوب ومعصية من المعاصي، وهكذا حلق اللحية وتقصيرها من جملة الذنوب والمعاصي التي تنقص الإيمان وتضعفه ويخشى منها حلول غضب الله ونقمته. وفي الأحاديث المذكورة آنفا الدلالة على أن إطالة الشوارب وحلق اللحى وتقصيرها من مشابهة المجوس والمشركين، والتشبه بهم منكر لا يجوز فعله؛ لقول النبي صلى
(1/23)

الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» ، وأرجو أن يكون في هذا الجواب كفاية ومقنع. والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مفتي عام المملكة
ورئيس هيئة كبار العلماء
وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
عبد العزيز بن عبد الله بن باز