تعريفه
"الحديث الموضوع":
الموضوع لغة: اسم مفعول مأخوذ من وضع الشيء يضعه وضعا، إذا حطه وأسقطه, أو مأخوذ من الضعة وهي الانحطاط في الرتبة، أو من وضعت المرأة ولدها إذا ولدته ففي القاموس: "مادة "وضع" وضعه يضعه -بفتح ضادها- وضعا، وموضعا وتفتح ضاده، وموضوعا: حطه، وعنه: حط من قدره ... وفلان نفسه وضعا، ووضوعا، وضعة، وضعة قبيحة أذلها، وعنقه: ضربها، والجنابة عنه: أسقطها والمرأة حملها وضعا، وتضعا بضمهما -أي التاء والضاد- وتفتح الأولى: ولدته والأحاديث الموضوعة: المختلفة، وفي حسبه ضعة -وبكسر: انحطاط، ولؤم وخسة".
ومن ثم نرى أن الوضع يأتي بمعنى السقوط، وبمعنى الانحطاط والخسة، وبمعنى الولادة.
وفي اصطلاح المحدثين: هو الحديث المختلق1 المكذوب على النبي -صلى الله عليه وسلم- أو على من بعده من الصحابة أو التابعين.
فالمناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي ظاهرة؛ لأن الموضوع فيه معنى السقوط وفيه انحطاط في رتبته عن غيره، وفيه معنى التوليد وإيجاد ما لم يكن موجودا وإذا أطلق الموضوع ينصرف إلى المفترى
__________
1 هو عند التحقيق ليس بحديث، لكن لما كانت صورته صورة الحديث من ذكر السند والمتن سموه كذلك, أو هو باعتبار زعم واضعه.
المكذوب على النبي -صلى الله عليه وسلم، وأما الموضوع على غيره فيقيد، فيقال مثلا: هذا موضوع على ابن عباس -رضي الله عنهما- أو على مجاهد، وقد وضعت آثار على ابن عباس، وعلي -رضي الله عنهما- وعلى غيرهما من التابعين, والغالب في الموضوع أن يكون متعمدا، وقد يقع غلطا، وقد مثلوا بما رواه ابن ماجه عن إسماعيل الطلحي عن ثابت بن موسى العابد الزاهد، عن شريك، الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "وسكت ليكتب المستملي"، فلما نظر إلى ثابت قال: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار", وقصد بذلك الثناء على ثابت لزهده، وورعه، فظن ثابت أنه متن ذلك الإسناد فكان يحدث به، وقال ابن حبان: وإنما هو قول شريك قاله عقب حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعا: "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ... " الحديث فأدرجه ثابت في الخبر، ثم سرقه منه جماعة من الضعفاء، وحدثوا به عن شريك، وهذا القسم ذكره ابن الصلاح في نوع "الموضوع" واعتبره شبه وضع لعدم التعمد فيه، وتبعه على ذلك النووي، وذكره في "المدرج" الحافظ ابن حجر، وهو به أشبه.
الألفاظ الدالة على الوضع: من ذلك قولهم: هذا حديث موضوع، أو كذب، أو باطل، أو لا أعرفه إذا صرح بذلك أحد الأئمة الكبار، وكذا قولهم: هذا الحديث لا أصل له، أي ليس له إسناد يعرف, أما قولهم: لا يثبت أو لا يصح فليسا نصا في ذلك؛ لأنه لا يلزم من عدم الصحة أو عدم الثبوت الوضع, ولقد أكثر ابن الجوزي في "موضوعاته" من استعمالها مريدا الوضع، والموصلي1 كذلك, وهو اصطلاح لهما.
__________
1 هو الشيخ عمر بن بدر الموصلي أبو حفص الحنفي المتوفى سنة ثلاث وعشرين وستمائة, أكثر فيه من قولهم: لم يصح في هذا الباب شيء وعليه في كثير مما ذكر انتقاد وإن كان له في كل باب من أبوابه سلف خصوصا المتقدمين. "الرسالة المستطرفة ص114".
أما الألفاظ الدالة على الوضع كناية فمثل قولهم: هذا الحديث من بلايا فلان، أو سنده مظلم أو عليه ظلمات وهذه العبارات تكثر في "الميزان" للذهبي، و"لسان الميزان" لابن حجر، وأما قولهم: هذا مطروح, فمنهم من ألحقه بالموضوع، ومنهم من جعله دون الموضوع، ومنهم من جعله كالمتروك.
حكم رواية الموضوع:
لا يحل رواية الموضوع في أي باب من الأبواب إلا مقترنا ببيان وضعه سواء في ذلك ما يتعلق بالحلال والحرام أو الفضائل أو الترغيب والترهيب والقصص والتواريخ ونحوها, ومن رواه من غير بيان فقد باء بالإثم المبين، ودخل في عداد الكذابين والأصل في ذلك ما رواه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه أن رسول الله قال: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" 1.
وقد حكم كثير من علماء الحديث على من روى الموضوع من غير تنبيه إلى وضعه، وتحذير الناس منه، بالتعزيز، والتأديب، قال أبو العباس السراج: شهدت محمد بن إسماعيل البخاري، ودفع إليه كتاب من ابن كرام، يسأله عن أحاديث منها: حديث الزهري عن سالم عن أبيه2 مرفوعا: "الإيمان لا يزيد ولا ينقص", فكتب محمد بن إسماعيل على ظهر كتابه: من حدث بهذا استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل، بل بالغ بعضهم فأحل دمه، قال يحيى بن معين لما ذكر له حديث سويد الأنباري: "من عشق وعف وكتم ثم مات, مات شهيدا" قال: هو حلال الدم.
__________
1 يروى بضم الياء وفتحها والكاذبين بصيغة المثنى أو الجمع فعلى فتح الباء يكون بمعنى يعلم، وعلى ضمها يكون بمعنى يظن فدل على أن من علم أو ظن أنه موضوع لا تحل له روايته، والمراد برواية "الكاذبين" بالتثنية عن وضعه ومن أذاعه, والمراد برواية "الكاذبين" بالجمع أي صار في عدادهم.
2 هو الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
وقد سئل ابن حجر الهيثمي عن خطيب يرقى المنبر كل جمعة، ويروي أحاديث، ولم يبين مخرجيها ودرجتها، فقال: ما ذكره من الأحاديث في خطبه من غير أن يبين رواتها، أو من ذكرها فجائز بشرط أن يكون من أهل المعرفة بالحديث، أو ينقلها من مؤلف صاحبه كذلك، وأما الاعتماد في رواية الأحاديث على مجرد رؤيتها في كتاب ليس مؤلفه من أهل الحديث، أو في خطب ليس مؤلفها كذلك فلا يحل، ومن فعل عزر عليه التعزير الشديد، وهذا حال أكثر الخطباء، فإنهم بمجرد رؤيتهم خطبة فيها أحاديث حفظوها، وخطبوا بها من غير أن يعرفوا أن لتلك الأحاديث أصلا أم لا فيجب على حكام كل بلد أن يزجروا خطباءها عن ذلك.
أقول: لا يزال بعض الخطباء الذين ليس لهم علم بالحديث: رواية ودراية على هذا ولا سيما الذين لا يزالون يخطبون من الدواوين، والذين يهمهم استرضاء الجماهير فيذكرون لهم أحاديث في الترغيب، والترهيب، أغلب الظن أنها من وضع القصاص الذين كان همهم تملق الجماهير، واستمالتهم بذكر المبالغات والتهاويل والعجائب، والإسلام منها بريء، وما أحق هذه الفئة بأن يحال بينها وبين الخطابة والوعظ والتذكير وفي الأحاديث الصحاح، والحسان، غنية لمن يريد أن يرفق القلوب ويستولي على النفوس فليتق الله هؤلاء.
ومن الحق في هذا المقام أن أقول: إن الكثيرين من الوعاظ والمرشدين والأئمة والخطباء، لهم من علمهم، ووعيهم الديني والثقافي ما يعصمهم من الوقوع في رواية الموضوعات، والقصص الباطلة، والإسرائيليات الزائفة، وتحري الصدق في رواية الأحاديث، وذكر الأقاصيص، وهو أثر من آثار النهضة العلمية التخصصية في الدراسات العليا في الأزهر الشريف، ولا سيما "تخصص التفسير والحديث" و"تخصص الدعوة والوعظ، والإرشاد" مما يزيد عن نصف قرن.
"حرمة الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم":
لقد حرمت الشريعة الإسلامية الكذب وجعلته من أقبح الصفات وفي الكتاب الكريم والسنة المحمدية الأدلة المتكاثرة على ذلك.
ولئن حرمت الشريعة الكذب بعامة فقد غلظت حرمة الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بخاصة لما فيه من الجناية على الدين بتشريع ما لم يأذن به الله، ولم يصدر عن رسوله قال تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} 1, وقال: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} 2, وما الافتراء على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا افتراء على الله، قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} 3, وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إن كذبا عليّ ليس ككذب على أحد فمن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" , رواه البخاري ومسلم وغيرهما. وقد روي من طرق متكاثرة حتى قال العلماء إنه متواتر كما ذكرنا سابقا وفي معنى الكذب على النبي الكذب على الصحابة والتابعين ولا سيما فيما لا مجال للرأي فيه؛ لأن له حكم المرفوع إلى النبي وكثير من الفقهاء يعتبر قولهم حجة في التشريع.
ولا يدخل في الكذب الرواية بالمعنى لأنها إنما أجيزت لعالم بالألفاظ عارف بمقاصدها خبير بما يغير المعاني فهي لم تخرج عن مدلول اللفظ الأصلي.
حكم الكذب على رسول الله:
جمهور العلماء على أن الكذب على رسول الله من الكبائر، ولا يكفر
__________
1 سورة الأنعام آية 144.
2 سورة الزمر آية 60.
3 النجم 3، 4.
فاعل ذلك إلا إذا كان مستحلا للكذب عليه. وقال الإمام أبو محمد الجويني -والد إمام الحرمين- من أئمة الشافعية: يكفر من تعمد الكذب على رسول الله نقل ذلك عنه ابنه إمام الحرمين, وقال: إنه لم يره لأحد من الأصحاب, وإنه هفوة من والده, ووافق الجويني على هذه المقالة الإمام ناصر الدين ابن المنير من أئمة المالكية، وغيره من الحنابلة ووافقهم الإمام الذهبي في تعمد الكذب في الحلال والحرام, ولعل مما يشهد لهم قوله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} 1 فقد نفت الآية الإيمان عمن يفتري الكذب على الله والكذب على الرسول كذب على الله أقول: لعل مراد هؤلاء من استحل ذلك، أو أنهم قالوه على سبيل المبالغة في الزجر والتنفير منه؛ لأن الأدلة المتكاثرة من القرآن والسنة على أن فاعل الكبيرة لا يكفر.
هل تقبل رواية من كذب في الحديث وإن تاب؟
ولما للكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إفساد في الشريعة وإبطال في الدين ذهب جمهور المحدثين إلى أن من كذب في حديث واحد فسق، وردت روايته، وبطل الاحتجاج بها, وإن تاب وحسن توبته ومن هؤلاء أحمد بن حنبل وأبو بكر الحميدي والصيرفي والسمعاني2, وخالف في ذلك النووي فقال: والمختار القطع بصحة توبته في هذا وقبول روايته بعدها إذا صحت توبته بشروطها3, ومذهب الجمهور أحوط للحديث وأبعد من الريبة في الرواية.
__________
1 النحل: 105.
2 علوم الحديث لابن الصلاح 128.
3 شرح النووي على صحيح مسلم ج1 ص70.
أقسام الموضوع:
1- أن يضع الواضع كلاما من عند نفسه، ينسبه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أو إلى الصحابي مثال ما وضع على الرسول: "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفع", وهو كذب باطل من صنع عباد الأوثان.
ومثال ما وضع على الصحابي ما وضعته الرافضة على سيدنا علي -رضي الله تعالى عنه- من أنه قال: "لما غسلت النبي -صلى الله عليه وسلم- شربت من سرته ومحجن عينيه فورثت علم الأولين والآخرين".
2- أن يأخذ الواضع كلاما لبعض الصحابة أو التابعين أو الحكماء أو ما يروى في الإسرائيليات1 مثلا فينسبه إلى رسول الله ليروج وينال القبول.
ومثال ما هو من قول الصحابة ما يروى من حديث: "أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وابغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما", فالصحيح أنه من قول سيدنا علي رضي الله عنه.
ومثال ما هو من قول التابعين: "كأنك بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل" فهو من كلام الخليفة عمر بن عبد العزيز.
ومثال ما هو من كلام الحكماء: "المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء", فهو من قول الحارث بن كلدة طبيب العرب.
ومثال ما هو من الإسرائيليات ما روي: "ما وسعني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن", قال ابن تيمية: هو من الإسرائيليات وليس له أصل معروف عن النبي.
وقد نسب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وإلى الصحابة والتابعين كثير من الإسرائيليات في بدء الخلق والمعاد، وأخبار الأمم الماضية والكونيات وقصص الأنبياء وسأتعرض لشيء من ذلك فيما بعد.
__________
1 الإسرائيليات: هي أقاويل بني إسرائيل التي تلقوها عن علمائهم وكتبهم وقد توسع فيها فأصبحت تطلق على ما دخل الحديث من معارف أهل الكتاب.
متى نشأ الوضع في الحديث:
كان من أثر اتساع رقعة الإسلام دخول كثير من أبناء الأمم المغلوبة فيه ومنهم الفارسي ومنهم الرومي ومنهم الشامي ومنهم المصري، ومن هؤلاء المخلص ومنهم المنافق الذي يكن في نفسه الحقد على الإسلام وقد انتهز أعداء الإسلام والحاقدون عليه عهد السيد الحيي عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- فبذروا البذور الأولى للفتنة فكان ابن سبأ اليهودي الخبيث يطوف في الأقاليم ويؤلب عليه الناس وقد أخفى سمومه تحت ستار التشيع لعلي، وآل بيته، زاعما إنه وصي النبي1 الأحق بالخلافة، بل ادعى ألوهيته, وقد طارده عثمان كما طارده علي رضي الله عنهما، ومما يؤسف أن دعوته وجدت آذانا صاغية من المنحرفين على عثمان، وانتهى الأمر بقتل عثمان شهيدا, وما كاد يتولى سيدنا عليّ الخلافة حتى ناصبه أنصار عثمان العداوة من أول يوم واستفحلت الفتنة ووقعت حروب طاحنة أذكى أوارها السبئيون وأضرابهم، وظهرت طائفة أخرى هي الخوارج وكانت النهاية أن أطاحت الفتنة بركن آخر من أركان الإسلام وهو سيدنا عليّ، وقد تمخضت الفتنة عن شيعة ينتصرون لسيدنا علي، وعثمانية ينتصرون لسيدنا عثمان، وخوارج يعادون الفريقين, ومروانية ينتصرون لمعاوية، وبني أمية، وقد استباح بعض هؤلاء لأنفسهم أن يؤيدوا بعض آرائهم وأهوائهم بوضع الأحاديث، ومن ثم نرى أن نشأة الوضع بمعناه الظاهر الواضح كانت حوالي سنة أربعين من الهجرة، وكان ذلك في عصر صغار الصحابة وكبار التابعين. روى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه قال: "جاء هذا يعني بشير بن كعب إلى ابن عباس, فجعل يحدثه, فقال له ابن عباس: عد لحديث كذا وكذا فعاد له فقال: ما أدري أعرفت حديثي
__________
1 ونسبوا إلى النبي زورا وكذبا أنه قال: "لكل نبي وصي ووصيي عليّ".
كله وأنكرت هذا أم أنكرت حديثي كله وعرفت هذا؟ فقال له ابن عباس: إنا كنا نحدث عن رسول الله إذ لم يكن يكذب عليه فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه", وابن عباس -رضي الله عنهما- توفي سنة ثمان وستين للهجرة وروي عن ابن سيرين1 قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم", رواهما مسلم في مقدمة صحيحه.
__________
1 ولد لسنتين من خلافة عثمان وتوفي سنة 100هـ.
عرض موجز لحركة الوضع في الحديث
مدخل
...
"عرض موجز لحركة الوضع في الحديث":
في عصر التابعين كثرت الرواية وانتشر الحديث ونشأ الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعض الصحابة، وبعد أن كان الخلفاء يدعون إلى التحوط، والتثبت في المرويات أضحى الملوك والأمراء في شغل عن ذلك بالملك والمنازعات، وقد اشتدت الخصومات بين الأحزاب السياسية في عهد الدولة الأموية، وجاءت الدولة العباسية فتقرب إليها ضعفاء الإيمان والمنافقون بالاختلاق في فضائلها، والحط من شأن أعدائها كما كان لنشأة الفرق الكلامية من معتزلة ومرجئة وغيرهما, ومحاولة كل فرقة الانتصار لآرائهم أثر في تغذية حركة الوضع، وكان للقصاص وأضرابهم من المتصوفة أثر أيضا في تغذية هذه الحركة، ووجدت أحداث أخرى استغلت للوضع كالشعوبية1 وفتنة خلق القرآن، واستمرت سوق الوضع إلى عصور متأخرة، فابن الجوزي يذكر لنا في كتبه ما كان يفعله قصاص زمانه ووعاظهم، وهذا هو الرتن الهندي يدعي الصحبة في المائة السادسة ويضع الأحاديث المكذوبة، والشيخ اللكنوي الهندي يذكر أنه
__________
1 الشعوبية: هم الذين يفضلون العجم على العرب، وقد نشأت في آخر العهد الأموي وقويت في عهد الدولة العباسية وفي القاموس: "الشعوبي: بالضم محتقر أمر العرب وهم الشعوبية".
اطلع على رسالة في تحريم "التنباك" وقد تذرع مؤلفها باختلاق الأحاديث مثل: "كل دخان حرام" ومثل: "كل جوف يدخل الدخان فيه من أوراق السموم يخرج من الإيمان" مما لا يشك المتأمل في وضعه ومهما يكن من شيء, فقد ناهض أئمة الحديث وعلماء الأمة هذه الحركة من وقت مبكر وردوا كيد الوضاعين في نحورهم من عهد ابن عباس إلى اليوم.
ولقد كان ظهور الوضع في الحديث من أهم الأسباب الحاملة للخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز على أمر علماء الأمصار بجمع السنن والأحاديث وتدوينها كما ذكرنا وسنرى فيما بعد جهاد العلماء في حفظ الأحاديث وصيانتها عن التزيد والاختلاف تمييز الصحيح من الضعيف والمقبول من المردود.
الأسباب الحاملة على الوضع:
للوضع أسباب كثيرة وأغراض متعددة منها:
1- الزندقة: ذلك أنه كانت هناك فئة أسلمت لم تؤمن إيمانا حقا بالإسلام لكنها آمنت بسلطانه ورأت أن لا سبيل لنيل الجاه والسلطان إلا به فاعتنقته ظاهرا وظلت تخلص لدينها القديم ومن هؤلاء قوم كان لهم غرض أدق وأعمق من هذا, فقد رأوا أنهم لا يستطيعون إفساد العقيدة الإسلامية إلا بالانتساب إليها أولا حتى يؤمن جانبهم وبذلك يسهل على النفوس الأخذ بقولهم ومن هؤلاء من بالغ في التلبيس، فانتسب إلى التشيع وحب آل البيت، وبذلك وجدوا تربة خصبة لنفث سمومهم وإلقاء ترهاتهم وتقبل ذلك منهم اغترارا بظاهرهم, وقد اتخذوا من الوسائل لذلك وضع الأحاديث فوضعوا أحاديث يخالفها المحسوس أو يناقضها المعقول أو تشهد أذواق الحكماء بسخافتها وإسفافها, وإنما ينصبون المكيدة لضعفاء الأحلام وأرقاء الدين حتى يقعوا في شك وريبة
فتتزلزل من نفوسهم عقيدة أن الإسلام تنزيل من حكيم عليم وذلك، مثل ما روي: "إن الله لما أراد أن يخلق نفسه خلق الخيل وأجراها فعرفت فخلق نفسه منها", قال ابن عساكر: هذا موضوع وضعه بعض الزنادقة ليشنع به على أهل الحديث في روايتهم المستحيل وهو ما يقطع ببطلانه عقلا وشرعا، ومن ذلك أيضا أحاديث لا تتفق والحقائق العلمية مثل: "الباذنجان شفاء من كل داء" أو فيها دعوى إلى الإباحية مثل: "النظر إلى الوجه الجميل عبادة" وهذه وأمثالها مما لا يصدر قطعا عن المعصوم -صلى الله عليه وسلم.
2- الخلافات السياسية: فالخلاف بين الشيعة والخوارج وبين الشيعة والعثمانية وبينهم وبين الأمويين والعباسيين، وبين الخوارج والأمويين كل ذلك كان من أسباب الوضع في الحديث، قال حماد بن سلمة: "حدثني شيخ لهم -يعني الرافضة1- قال: كنا إذا اجتمعنا فاستحسنا شيئا جعلناه حديثا، وقال مسيح بن الجهم التابعي: "كان رجل منا في الأهواء مدة ثم صار إلى الجماعة فقال لنا: أنشدكم الله ألا تسمعوا من أحد من أهل الأهواء فإنا كنا نروي لكم الباطل ونحتسب الخير في إضلالكم.
3- التعصب للجنس والمكان: فوضعت أحاديث في تفضيل بعض القبائل على بعض وبعض الأجناس على بعض، وقد كان للشعوبية أثرها في هذا الباب فوضعوا أحاديث في مدح فارس واللغة الفارسية مثل ما روي زورا: "إن الله إذا غضب أنزل الوحي بالعربية, وإذا رضي أنزل الوحي بالفارسية" كما وضعت الأحاديث في فضل العرب والعربية وذم الفارسية ومن ذلك ما وضع في فضائل بعض المدن وذم بعضها، وقد أسرف الوضاعون في هذا الباب2.
__________
1 الرافضة: فرقة من غلاة الشيعة تستجيز الطعن في الصحابة وتتبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر.
2 اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ج1، ص238 وما بعدها.
فلا تغتر بما يوجد في بعض كتب التاريخ من ذكر فضائل الشعوب والبلدان ومثالها فإن معظم ذلك مما لا يثبت.
4- الخلافات الكلامية والفقهية: فقد انقسم علماء الأمة إلى أهل سنة، ومعتزلة وجبرية، ومرجئة، واختلفوا في كثير من مسائل الكلام وفي الإيمان, وهل هو يزيد وينقص؟ وهل هو قول وعمل؟ وفي القرآن أهو مخلوق أم لا؟
وقد استباح بعض هؤلاء لأنفسهم أن يؤيدوا آراءهم بأحاديث يختلقونها تنص على الخلافات الدقيقة والآراء المستحدثة التي ليس من شأن الرسول الكريم التعرض لها, ولا كانت البيئة يومئذ تدعو إليها مما يقطع معه المتأمل أنها كذب لا شك فيه, وذلك مثل ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص" ومثل ما روي زورا: "كما لا ينفع مع الشرك شيء كذلك لا يضر مع الإيمان شيء", وإن أصبع الإرجاء لظاهرة في وضعه.
وكذلك كانت الخلافات الفقهية من أسباب الوضع فوضعت أحاديث تشهد لبعض الفروع ليس عليها من نور النبوة شيء, وإنما هي أقرب إلى قواعد الفقهاء وكلام العلماء كما وضعت أحاديث في فضل بعض الأئمة وذم بعضهم مثل ما روي كذبا: "سيكون من أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتي وسيكون من أمتي رجل يقال له ابن إدريس هو أضر على أمتي من إبليس", ولا يشك مبتدئ في علم الحديث أن هذا موضوع مختلق فقبح الله واضعه، والإمام الشافعي من أعلام الإسلام دينا وعلما، وعملا وفقها وخلقا.
5- قصد استهواء العامة: ومن هؤلاء الذين قصدوا هذا القصاصون ومن هؤلاء من كان يبتغي الشهرة والجاه، ومنهم من كان يقصد التعيش والارتزاق، وقد كان القصاص في عهد الصحابة والخلافة
الرشيدة يتحرون الصدق والحق. روى ابن عساكر أن تميما الداري لما استأذن عمر رضي الله عنه في أن يقص في المسجد قال له: ما تقول؟ قال: "أقرأ عليهم القرآن وآمرهم بالخير، وأنهاهم عن الشر", ولكن لم يلبث الأمر على ذلك طويلا، فقد وجدت فئة من القصاص كان همها استمالة العامة بالمناكير والغرائب والأباطيل، وعن طريق هؤلاء أيضا دخلت على الإسلام إسرائيليات كثيرة، ومن صفاقات القصاص، وتبجحاتهم ما روي1 أنه صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين بمسجد "الرصافة" فقام بين أيديهم قاص فقال: "حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "من قال: لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة طيرا منقاره من ذهب وريشه من مرجان ... وأخذ في قصة طويلة جدا من هذا القبيل", فجعل أحمد ينظر إلى يحيى ويحيى ينظر إليه فقال: أنت حدثته بهذا؟ فقال: والله ما سمعت بهذا إلا الساعة, فلما انتهى أشار له يحيى فجاء متوهما نوالا, فقال له يحيى: من حدثك بهذا؟ قال: ابن حنبل ويحيى بن معين فقال: أنا يحيى وهذا أحمد ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإن كان ولا بد فعلى غيرنا، فقال الرجل القصاص: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق ما تحققته إلا الساعة فقال يحيى: وكيف؟ قال: كأنه ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل
__________
1 لا أكتمك أيها القارئ إني في شك من أمر هذه القصة فما مثل أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ممن يرضون بأضعف الإيمان ولا يقال: لعلهما خافا من الغوغاء والعامة الذين يحبون أمثال هذا القاص ويدافعون عنه، فقد كانا ولا سيما الإمام أحمد بالمكانة التي لا تجهل، ومثله كان مسموع الكلمة بين الناس، وموقفه من مسألة القول بخلق القرآن معروف يشهد له بالشجاعة الأدبية النادرة، فكان عليه أن يحول بينه وبين هذا المنكر، أو ينبه الناس إلى بطلان هذا على الأقل, ولكن الرواية لم تذكر لنا شيئا من ذلك ولعلك معي في هذا الشك, وإن كان التشكك لا يعود على أصل الفكرة بالنقض. وقد كتبت هذا من منذ ربع قرن أو يزيد، ثم لما قرأت كتاب "منهج النقد في علوم الحديث", وجدت مؤلفه الفاضل نقل عن الإمام الذهبي أن القصة باطلة، فحمدت الله على ذلك، وظهر لي أن شكي كان في محله. "انظر منهج النقد ص289".
غيركما؟ لقد كتبت عن ستة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين!
6- قصد ترغيب الناس في فعل الخير: وممن كان يفعل ذلك قوم من جهلة الزهاد والمتصوفة استجازوا لأنفسهم الوضع في الترغيب والترهيب واحتسبوا الخير في الإضلال وهؤلاء أعظم الناس ضررا، ومن مزاعمهم الباطلة في هذا أن هذا كذب له لا كذب عليه، وهو جهل منهم باللغة العربية وحقيقة الكذب1، فكل ذلك كذب عليه، وقد تنبه الأئمة النقاد إلى هؤلاء وأمثالهم فلم يأخذوا عنهم, بل حذروا الناس من جهلهم وغفلتهم كما بينا في مبحث الرواية.
ومن أمثلة ما وضع حسبة حديث عكرمة عن ابن عباس في فضائل سور القرآن، سئل عنه واضعه نوح بن أبي مريم فقال: رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق فوضعت هذه الأحاديث حسبة!
وروى ابن حبان في "الضعفاء" عن ابن مهدي قال: قلت لميسرة بن عبد ربه: من أين جئت بهذه الأحاديث: من قرأ كذا فله كذا؟. قال: وضعتها أرغب الناس فيها، وكان غلاما جليلا يتزهد ويهجر شهوات الدنيا، وغلقت أسواق بغداد لموته، ومع ذلك كان يضع الحديث2.
7- اتباع هوى الملوك والأمراء: فيضع الواحد حديثا لتبرير ما يفعلون. ومن أمثلة ذلك ما روي عن غياث بن إبراهيم أنه دخل على المهدي وهو يلعب بالحمام فروى له عن النبي -صلى الله عليه وسلم: "لا سبق إلا في نصل أو حافر أو جناح" فزاد في الحديث "أو جناح" إرضاء للمهدي, وقد روي أنه قال له وهو خارج: أشهد أن قفاك قفا كذاب وأمر بذبح الحمام، وأما أصل الحديث فثابت من رواية أحمد وأصحاب السنن
__________
1 الكذب: هو عدم مطابقة الأمر للواقع فسيان في كونه كذبا أن يكون له أو عليه.
2 تدريب الراوي ص184، 185.
الأربعة بلفظ: "لا سبق إلا في نصل أو حافر" أي التسابق في إصابة الهدف، أو إجراء الخيل، وذكر الخطيب في ترجمة أبي البختري الكذاب أنه دخل وهو قاض على الرشيد, وهو يطير الحمام فقال له: هل تحفظ في هذا شيئا؟ فقال: حدثني فلان وذكر سندا إلى النبي أنه كان يطير الحمام، وقد زجره الرشيد على كذبه وقال له: اخرج عني لولا أنك من قريش لعزلتك.
أقول: وغفر الله للرشيد فقرشيته لا تشفع في عدم عزله، وليته عزله ليكون مزدجرا لغيره.
"الوضاعون":
الوضاعون أصناف متعددة فمنهم زنادقة، ومنهم أصحاب أهواء كالشيعة والخوارج، ومنهم قصاصون كأبي سعيد المدائني، وزرعة القاضي، كان بالكوفة على عهد الإمام أبي حنيفة -رحمه الله- ومنهم متزلفون للحكام، ومنهم متصوفة، كما ذكرنا في الفصل السابق,
والوضاعون منهم كان ساذجا، يضع أشياء إذا سمعها المبتدئ في صنعة الحديث أدرك وضعها، ومنهم من كان خبيثا ماكرا أحكم الكذب، وأجار الدس بحيث لا يعرف وضعه إلا الجهابذة النقاد الذين تمرسوا في النقد، ولعل هذا هو بعض أسباب اختلاف الحفاظ في أحاديث بالحكم عليها بالوضع وعدمه, فقد يخفى على أحدهم ما لا يخفى على الآخر وإليك بعضهم:
1- أبان بن جعفر النميري: قال ابن حبان: وضع على أبي حنيفة أكثر من ثلاثمائة حديث.
2 أحمد بن الصلت الحماني: قال ابن عدي: ما رأيت في الكذابين أقل حياء منه.
3- أحمد بن عبد الله الجويباري: وضع أحاديث تشهد للكرامية1 يضرب المثل بكذبه.
4- عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: روى عن أبيه أحاديث موضوعة هو الذي صنعها.
5- عبد القدوس بن حبيب عن عكرمة: قال ابن حبان: يضع الحديث على الثقات.
6- محمد بن الحجاج اللخمي: وهو واضع حديث: "الهريسة تشد الظهر".
7- محمد بن شجاع الثلجي: كان يضع الأحاديث في التشبيه وينسبها إلى أهل الحديث يثلبهم بها.
8- محمد بن مروان السدي الصغير: معروف بالوضع في التفسير أما السدي الكبير فثقة.
9- نوح بن أبي مريم: قيل: إنه كان جامعا لكل شيء إلا الصدق وهو واضع حديث فضائل السور.
10- وهب بن وهب القاضي: وهو الذي وضع للرشيد حديث: إن النبي كان يطير الحمام.
11- رتن الهندي كذاب دجال ظهر بعد الستمائة ببلاد الهند وادعى السماع من النبي -صلى الله عليه وسلم- ولرتن هذا نسخة موضوعة, وقد تشكك الإمام الذهبي في وجود رتن هذا ورجح أنه شخصية خيالية وهو ما أميل إليه, والظاهر أن بعض الكذابين اتخذ من اسمه وسيلة لنشر
__________
1 الكرامية: نسبة إلى محمد بن كرام بتشديد الراء وقيل بتخفيفها وأنشدوا في هذا:
الفقه فقه أبي حنيفة والد ... ين دين محمد بن كرام
ويجوز في الكاف الفتح والكسر وهو رأس طائفة من المبتدعة.
ترهاتة وأباطيله وهناك أناس غير "رتن" ادعوا الصحبة في عصور متأخرة عن عصر الرسول ويكذبهم في دعواهم الصحبة ما رواه مسلم في صحيحه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال -قبل موته بشهر: "أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مئة سنة لا يبقى على ظهر الأرض ممن هو عليها اليوم أحد".
فهذا الحديث أصل في أن الصحبة لا تثبت بعد مائة وعشر من الهجرة وقد صدق الاستقراء هذا الخبر فما تأخر أحد من صحابة رسول الله عن هذا التاريخ، فلا تلق بالا إلى مثل هذه الدعاوي الكاذبة التي يصادمها النقل الصحيح ولا تتفق وسنة الله في الكون فما عهدنا في أعمار البشر مثل هذا الطول.
أمارات الوضع:
للوضع أمارات وقرائن تدل عليه، بعضها تكون ظاهرة واضحة وبعضها لا يدركها إلا من تمرس في علم الحديث واكتسبه ملكة في النقد يميز بها بين ما يصح أن يصدر عن الرسول, وما لا يصح، منها:
1- اعتراف واضعه بوضعه: صراحة أو حكما أما الأول فمثل ما روي عن نوح بن أبي مريم من اعترافه بوضع حديث فضائل السور.
أما الثاني فمثاله أن يحدث بحديث عن شيخ ويسأل الراوي عن مولده فيذكر تاريخا يعلم قطعا وفاة ذلك الشيخ قبله, ولا يعرف ذلك الحديث إلا عنده, أو أن يدعي سماع شيخ في بلد, ويعلم قطعا أنه لم يدخله ومدار معرفة ذلك على التاريخ فمن ثم كان لتاريخ الرجال مكانة ممتازة في فن الحديث إذ به يعرف تاريخ مواليد الرواة ووفياتهم، وأوقات طلبهم وارتحالهم، ولما ادعى مأمون بن أحمد الهروي أنه سمع من هشام بن عمار سأله الحافظ ابن حبان: متى دخلت الشام؟ قال: سنة خمسين ومائتين قال: فإن هشاما الذي تروي عنه مات سنة خمس وأربعين ومائتين ومما ينبغي أن يعلم أن الحكم بالوضع يسبب الإقرار ليس قطعيا لجواز أن يكذب في هذا الإقرار نفسه، ومهما يكن فإقراره بسبب شكا راجحا وظنا قويا بعدم ثبوت روايته فيتوقف في قبولها حتى تتبين حقيقة أمرها.
2- ركاكة اللفظ: بحيث يعلم العارف باللسان العربي الفصيح أن هذا لا يصدر من فصيح فضلا عن أفصح الفصحاء، وأبلغ البلغاء سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومحل ذلك -كما قال الحافظ ابن حجر- إن وقع التصريح بأنه من لفظ النبي، وربما تجتمع ركة اللفظ والمعنى فيكون أدل على المراد.
ومما لا يستنكر أن كل صاحب فن أدرى به من غيره والماهر في صنعته يعرف من عيوبها ما يخفى على غيره فالمحدثون لكثرة مزاولتهم للحديث وتذوقهم له تحصل لهم ملكة قوية يعرفون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ النبي وما لا يجوز، ورحم الله الربيع بن خثيم1 حيث يقول: "إن للحديث ضوءا كضوء النهار يعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكره" وقال أبو الفرج ابن الجوزي: "الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب للعلم وينفر منه قلبه غالبا" ولذلك كثيرا ما تجد أقوال العلماء: "هذا ما ينكره القلب", أو: "لا تطمئن إليه النفس", أو: "عليه ظلمات، أو متنه مظلم" إلى نحو ذلك.
وذلك مثل ما روي: "أربع لا يشبعن من أربع: أنثى من ذكر، وأرض من مطر، وعين من نظر, وأذن من خبر", وهو كلام على إطلاقه باطل مع التأمل ومثل: "إن لله ملكا من حجارة، يقال له عمارة، ينزل على حمار من حجارة كل يوم يسعر", وهو ركيك لفظا ومعنى وما أشبهه
__________
1 بضم الخاء وفتح الثاء المثلثة وسكون الياء آخره ميم ابن عائذ بن عبد الله الثوري أبو يزيد الكوفي ثقة عابد مخضرم وتابعي جليل مات سنة إحدى وقيل: ثلاث وستين.
بسجع الكهان الذي نفر منه الرسول.
3- ركاكة المعنى: وإن لم يكن اللفظ ركيكا كأن يكون مخالفا للعقل ضرورة أو استدلالا، ولا يمكن تأويله كالأخبار عن الجمع بين الضدين، أو النقيضين، أو نفي الصانع للكون وهو الله أو حدوثه، أو قدم العالم؛ لأنه لا يجوز ورود الشرع على خلاف مقتضى العقل، قال الإمام ابن الجوزي: "ما أحسن قول القائل: كل حديث رأيته تخالفه العقول وتباينه النقول وتناقضه الأصول فاعلم أنه موضوع", وذلك كأحاديث التشبيه والتجسيم ونحوه مثل ما روي زورا أن رسول الله قال: "ليلة أسري بي إلى السماء رأيت ربي بيني وبينه حجاب من نار ورأيت كل شيء منه، حتى رأيت تاجا مخوصا من اللؤلؤ", ومثل: "رأيت ربي بعرفات على جمل أحمر", ومثل ما روي: "أن سفينة نوح طافت بالبيت سبعا وصلت عند المقام ركعتين"، وهذا من تفاهات عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقد عرف بمثل هذه الغرائب، قال الإمام الشافعي ذكر رجل لمالك -يعني الإمام- حديثا منقطعا فقال: "اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يحدثك عن أبيه عن نوح"1, ومن ركاكة المعنى كون الكلام يدعو إلى الإباحية، أي استباحة الدماء، والأعراض والأموال، وحقوق الإنسان أو يجيء على خلاف مقتضى الحكمة المتفق عليها بين ذوي العقول.
4- من القرائن اشتمال الحديث على المجازفات والمبالغات التي لا تصدر من عاقل حكيم، والتي تقلل من قيمة الأعمال العظيمة وتغري الناس على المعاصي وذلك بالإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير أو الوعد العظيم على الفعل اليسير وأكثر ما يوجد ذلك في حديث القصاص والمتصوفة، وذلك مثل ما روي كذبا: "من قال لا إله إلا الله
__________
1 تهذيب التهذيب ج6 ص179.
خلق الله تعالى طائرا له سبعون ألف لسان لكل لسان سبعون ألف لغة يستغفرون له", ومثل: "من صلى الضحى كذا كذا ركعة أعطي ثواب سبعين نبيا", ونحو ذلك.
5- المخالفة للحس والمشاهدة: حيث لا يقبل التأويل القريب المقبول وذلك مثل: "الباذنجان شفاء من كل الداء" فالحس والتجارب العلمية تكذب ذلك, ومثل: "عليكم بالعدس فإنه مبارك يرقق القلب ويكثر الدمعة وقدس فيه سبعون نبيا", والظاهر أن واضعه عداس يريد ترويج سلعته، ومثل: "لا يولد بعد المائة مولود لله فيه حاجة" وهو مخالف للمشاهدة والواقع, وأغلب أئمة العلم والدين ولدوا بعد هذا التاريخ، ومثل ما روي كذبا: "إذا عطس الرجل عند الحديث فهو صدق", وإنا لنشاهد العطاس والكذب يعمل عمله.
6- مخالفة الحديث لصريح القرآن أو السنة المتواترة، أو الصحيحة المسلمة أو الإجماع، حيث لا يقبل التأويل القريب المقبول.
ومن أمثلة المخالف للقرآن حديث: "ولد الزنا لا يدخل الجنة إلى سبعة أبناء", فإنه معارض لقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} 1.
ومثال ما هو مخالف للسنة المتواترة ما روي -كذبا- عن النبي: "إذا حدثتم بحديث يوافق الحق فخذوا به حدثت به أو لم أحدث", وهو مناقض لقول النبي: "من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار".
ومثال ما هو مخالف للسنة الثابتة المشهورة الأحاديث التي وضعت في مدح العزوبة فهي مخالفة لما ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- قولا وفعلا، فقد تزوج،
__________
1 الأنعام: 164.
ورغب في الزواج وجعله من سنته.
ومثال المخالف للإجماع حديث: "من قضى صلوات من الفرائض في آخر جمعة من رمضان كان ذلك جابرا لكل صلاة فاتته في عصره إلى سبعين سنة", فإن هذا وما شاكله باطل كذب لمخالفته للإجماع على أن شيئا من العبادات لا يسقط فائتة سنة فضلا عن سبعين سنة ولا تغتر بما يوجد من هذا وأمثاله في بعض كتب الفقه أو كتب الأوراد, وكن منه على حذر شديد.
7- من الأمارات الدالة على الوضع أن يكون الحديث مخالفا لسنن الله الكونية وذلك مثل حديث "عوج بن عوق" فإن فيه من طوله ثلاثة آلاف ذراع وأن الطوفان لم يصل إلى كعبه ومثل ما ورد في صفة الجبارين العماليق من وصف أجسادهم وقوتهم وأن أحدهم جاء ليجني ثمار بستانه فوجد النقباء الاثني عشر فأخذهم في كمه، ومن ذلك المعمرون الذين ادعوا الصحبة في القرن الثالث وما بعده فكل ذلك خلاف سنن الله في الفطرة.
8- ومن القرائن أن يكون الحديث مشتملا على سماجات وسفاسف يصان عنها الفضلاء فضلا عن سيد الأنبياء وذلك مثل ما روي -زورا- عن النبي -صلى الله عليه وسلم: "الديك الأبيض حبيبي وحبيب حبيبي جبريل" , ومثل: "اتخذوا الحمام المقاصيص فإنها تلهي الجن عن صبيانكم", ومثل: "الهريسة تشد الظهر".
9- ومنها أن يكون الحديث في فضائل عليّ والراوي رافضي1 أو في الإرجاء والراوي مرجئ2 أو في القدر والراوي قدري3, ولذلك
__________
1 هم فرقة من غلاة الشيعة يرفضون إمامة الشيخين ويكفرونهما وغيرهما من الصحابة.
2 المرجئة: هم الذين يرجئون أي يؤخرون العمل عن الإيمان ويقولون: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
3 القدرية: هم الذين يقولون بأن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية.
أمثله كثيرة منها حديث علي -رضي الله عنه: "عبدت الله مع رسول الله قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة خمس سنين أو سبع", وفي رواته "حبة" واه في الحديث غال في التشيع وبهذا أعله العلماء وحكموا بوضعه.
"آثار الوضع السيئة":
1- من آثار الوضع السيئة في الحديث أن ترعرعت في ظله فرق سياسية ومذهبية ما كان لها أن تقوم على قدميها لو لم يكن لها هذا السند من الأحاديث، فالشيعة لولا ما وضعوه لما كان لمذهبهم هذا الانتشار والبقاء، وكذا المرجئة، والقدرية، والخوارج، وأضرابهم, لولا ما وضع في تأييدهم لما لقيت مذاهبهم قبولا من الناس ولا سيما العامة الذين لا معرفة لهم بالأحاديث ونقدها.
ولا ننسى ما كان لقيام هذه المذاهب من أكبر الأثر في تفريق وحدة المسلمين وتمزيق شملهم ومعاداة بعضهم لبعض حتى ذهبت ريحهم, وأضعفتهم أمام عدوهم، ولا يزال آثار ذلك باقية إلى اليوم, وعلى ما بذل من التقريب بين المذاهب والآراء في القديم والحديث, فقد عز توحيد الصفوف، وتعذر التوفيق وبقي الانقسام.
2- قد فتحت هذه الموضوعات لأعداء الدين من القساوسة والمتعصبين من المستشرقين منفذا ينفذون منه إلى الطعن في الإسلام وفي رسوله، وجل اعتمادهم على الروايات الباطلة والإسرائيليات الزائفة التي ذكرها المفسرون والمؤرخون ومن على شاكلتهم ممن
ليسوا من أهل الحديث الذين يميزون بين غثه وسمينه، وقد أمكنهم بمثل هذه الأباطيل أن يجعلوا حجابا بين الإسلام وبين من يريد أن يعتنقه من الغربيين، كما أمكنهم أن يدخلوا حظيرتهم بعض الذين لم يتسلحوا بمعرفة حقيقة الدين وحقيقة هذه الروايات الدخيلة على الإسلام فساروا على نهجهم في الاستخفاف بالدين والغض من شأن الأحاديث النبوية، وردت هذه الفرى باسم العلم حينا وحرية البحث حينا آخر، وقد قام بعض علماء الأزهر الشريف وغيرهم بجهاد مشكور في هذا الباب إلا أنه جهاد مهما بلغ فهو جهد المقل وكنا نود من القائمين على شئون الأزهر العتيد أن تكون لهم خطوات إيجابية في هذا بنشر الكتب والرسائل القيمة في هذا الباب.
وإرسال رجال من المتضلعين في الدين، والعارفين برد هذه الطعون إلى بلاد الغرب وتأليف جماعة من شأنها العمل على دحض هذه الأباطيل والكشف عن زيفها، بشتى الطرق والوسائل.
3- من الآثار السيئة الضرر بالعقيدة كأحاديث التجسيم والتشبيه, فقد ضل بسببها قوم حتى زعموا أن الله جسم من الأجسام، وكحديث: "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفع", فقد تعلق به بعض الجهال الأغبياء فنفضوا قلوبهم من الثقة بالله، وانصرفوا إلى بعض الجمادات والمخلوقات يرجون النفع أو دفع الضر فوقعوا في الضلال المبين.
4- من الآثار السيئة تكثير البدع وتنفيق سوقها فكثير من البدع تجد منشأها من الأحاديث الموضوعة، وذلك مثل بدعة الخرقة عند الصوفية على الهيئة المتعارفة عندهم فقد اعتمدوا فيها على
أحاديث أنكرها أهل العلم قاطبة، وكذا بدعة التواجد والرقص عند السماع, وكذا بدعة صلاة الرغائب، وصلاة نصف شعبان بطريقة غير مشروعة وصلوات الأيام والليالي وصيام أيام مخصوصة من رجب كلها أساسها الأحاديث المكذوبة, وكذا بدعة النوح والبكاء يوم عاشوراء وبدعة الفرح والسرور فيه، فقد وضع محبو الحسين -رضي الله عنه- أحاديث الحزن، ووضع أعداؤهم أحاديث الفرح1, وقد بلغ من المبتدعة أن زادوا في حديث: "كل بدعة ضلالة ... ": "إلا بدعة في عبادة", وقد كذبوا فكل بدعة أيا كان نوعها ضلالة.
5- من الآثار السيئة التهاون بالأعمال الصالحة والتكاسل عنها, وعدم التحرج من ارتكاب الآثام, وذلك كالأحاديث التي ترتب الثواب الكثير جدا على العمل القليل، وكالأحاديث التي تغري الفساق والمجان مثل: "سفهاء مكة حشو الجنة", ومثل: "الكريم حبيب الله وإن كان فاسقا والفاسق السخي أحب إلى الله من عابد بخيل", وهما كذبان قطعا ومناقضان للقرآن والسنة المستفيضة.
6- من المفاسد تعطيل الناس عن العمل النافع بإيهامهم أن العمل في وقت كذا أو السفر في يوم كذا مضر أو شؤم ونحو ذلك مثل ما روي كذبا: "من أحب كريمتيه أو حبيبتيه فلا يكتبن بعد العصر", فقد يغتر به بعض من لا يعرف فيفوت على نفسه خيرا كثيرا بعدم الكتابة بعده, ومثل ما روي كذبا: "يوم الأربعاء يوم نحس مستمر", فقد يتشاءم باعتقاده بعض الناس فيعرضون عن أسفارهم وقضاء حاجاتهم فيه، فيفوتهم الخير الديني أو الدنيوي.
7- من أسوأ الآثار أن كثيرين ممن ليسوا من أهل الحديث والمتفرغين
__________
1 منهاج السنة ج2 ص248.
له لم ينتبهوا إلى بعض الموضوعات واغتروا بها وأوردوها في كتبهم ورسائلهم واحتجاجاتهم ومناظراتهم, وما من علم إلا ونجد في كتبه موضوعات وإسرائيليات منها ما هو بالغ الخطورة على الإسلام ورسوله، ففي بعض كتب الفقه موضوعات، وفي كتب الوعظ والتصوف والأخلاق، بل وفي بعض كتب النحو والصرف واللغة والأدب ولا سيما "المعالم"1 التي عرضت لكثير من الفنون كصبح الأعشى، ونهاية الأرب، وفي بعض كتب الحديث موضوعات إلا أنها -والحق يقال- قليلة جدا بالنسبة لغيرها من كتب العلوم الأخرى، وقد تلقى جمهور الناس، وعامتهم هذه الموضوعات وتقبلوها على أنها صحيحة، وأذاعوها، وقد ساعد على ذلك أن مؤلفي هذه الكتب علماء أجلاء في فنونهم وإن كانوا ليسوا من أهل العلم بالحديث، كما ساعد على انتشارها ضعف دراسة السنة والأحاديث، وعدم العناية بعلم الرجال والنقد بعد العصور الأولى عصور الحديث الذهبية.
وقد تنبيه علماؤنا الأوائل -أثابهم الله- إلى خطر ما في هذه الكتب فألغوا كتب التخاريج التي تميز الصحيح من الضعيف والحق من الباطل, ولو أن كتب التخاريج طبعت من هذه الكتب لكان من وراء ذلك الخير الكثير لقارئ هذه الكتب العلمية, ولكنها نشرت بدون هذه التخاريج فتسممت بها العقول والأفكار وليس أمامنا الآن إلا الجهاد العلمي في بيان هذه الموضوعات والتنبيه إليها, وهذا ما سأعالجه باختصار وإيجاز.
__________
1 المعالم: جمع معلمة وهي كلمة عربية تقوم مقام كلمة "موسوعات" الغير العربية.
الموضوعات وكتب العلوم:
"الموضوع وكتب التفسير":
التفسير في اللغة: بمعنى الكشف والتوضيح.
وفي الاصطلاح: علم يعرف به أحوال القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله بقدر الطاقة البشرية, والتفسير نوعان:
1- تفسير المأثور.
2- تفسير بالرأي والاجتهاد.
وقد ألفت كتب في التفسير بالمأثور وكتب في التفسير بالرأي والاجتهاد, وكتب هذا النوع الثاني لا تخلو من تفسير بالمأثور أيا كان منحاها؛ لأن التفسير بالرأي والاجتهاد لا يكون مقبولا إلا إذا اعتمد فيه على ما صح من المنقول فيما لا يعلم إلا من طريق النقل كأسباب النزول والناسخ والمنسوخ، وتفصيل المجمل وتقييد المطلق وإزالة المشكل وبيان الفضائل ونحوها مما تكلفت به السنة, فهذا التفسير قل أن ينفرد عن الأول.
"التفسير بالمأثور أسبق في الوجود من التفسير بالرأي":
وقد كان التفسير بالمأثور قسما من أقسام الحديث, وأغلب الذين ألفوا في الحديث لم تخل كتبهم من كتاب التفسير، ولما كان الحديث قد دخله الوضع, فلا جرم إن دخل أيضا التفسير بالمأثور. ومن ثم اشتملت كتب التفسير سواء منها ما كان مختصا بالمأثور أو شاملا له وللتفسير بالرأي على قطعة كبير من الموضوعات, وقد قدمنا في أسباب الوضع الكثير من الأسباب, ويمكننا أن نزيد في التفسير سببا آخر مهما, وهو النقل من مسلمة أهل الكتاب، والأخذ عنهم فيما لا تعلق له بأصول الدين، والحلال والحرام وأحكام الشريعة كالقصص وأخبار الأمم الماضية، وقد أشار إلى هذا ابن خلدون في مقدمته, فقال أثناء تكلمه عن التفسير بالمأثور:
"وقد جمع المتقدمون في ذلك وأوعوا إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين، والمقبول والمردود، والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم, وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية, وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوف إليه النفوس البشرية في أسباب الكائنات وبدء الخليقة وأسرار الوجود, فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم, وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليفة, وما يرجع إلى الحدثان والملاحم، وهؤلاء مثل كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام وأمثالهم امتلأت كتب التفاسير بالمنقولات عندهم, وفي أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم، وليست مما يرجع إلى الأحكام فيتحرى فيها الصحة التي يجب العمل بها، ويتساهل المفسرون في مثل ذلك وملئوا كتب التفسير بهذه المنقولات وأصلها كما قلنا عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية ولا تحقيق عندهم إلا أنه بعد صيتهم لما كانوا عليه من المقامات في الدين وأهله فتلقيت بالقبول1.
وقد تعرض المحدثون لنقد رواة التفسير بالمأثور وبينوا الطرق الصحيحة من الضعيفة2 كما تعرضوا لنقد هذه المروايات إجمالا، فالإمام أحمد يقول: "ثلاثة ليس لهما أصل: التفسير والملاحم والمغازي", لأن الغالب أنها ليس لها أسانيد صحيحة متصلة, وإنما هي منقطعات أو مراسيل وقد تحمل بعض الصحابة والتابعين هذه الإسرائيليات عن مسلمة أهل الكتاب ورووها ليعلم ما فيها, ولم ينبهوا على كذبها اعتمادا
__________
1 مقدمة ابن خلدون, بحث التفسير.
2 الإتقان ج3 ص188، 189 ط القديمة.
على ظهور كذبها ووضوحه فإذا وجدت بعض هذه الإسرائيليات الباطلة مرويا عن بعض الصحابة كابن عباس، وابن عمرو بن العاص، فلا تغتر بها ولا تظن أن لها أصلا في ديننا, وإنما أمرها أنها من معارف أهل الكتاب الذين أسلموا حملها عنهم بعض الصحابة والتابعين بحسن نية لقد كان أئمة الحديث ونقاده على حق حينما قالوا: إن كلام الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه له حكم المرفوع بشرط أن لا يكون هذا الصحابي معروفا بالأخذ عن أهل الكتاب ورواية الإسرائيليات, فإن كان معروفا بذلك فليس لها حكم المرفوع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قطعا: ومن ثم يتبين لنا جليا أن هذه القصص الباطلة التي تروى في أخبار الأنبياء والأمم الماضية لا تمت إلى الإسلام ولا سند لها متصلا إلى المعصوم -صلى الله عليه وسلم- وإنما هي موضوعات وإسرائيليات.
قال الإمام ابن تيمية: "وفي التفسير من هذه الموضوعات قطعة كبيرة مثل الحديث الذي يرويه الثعلبي والواحدي، والزمخشري في فضائل القرآن -يعني سوره- فإنه موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث والثعلبي في نفسه كان فيه خير ودين وكان حاطب ليل ينقل ما وجد من كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع والواحدي كان أبصر منه بالعربية لكن هو أبعد من السلامة واتباع السلف والبغوي تفسير مختصر من الثعلبي لكن صانه عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة، والموضوعات في كتب التفسير كثيرة منها الأحاديث الكثيرة الصريحة في الجهر بالتسمية وحديث على الطويل في تصدقه بخاتمه في الصلاة, فإنه موضوع باتفاق أهل العلم ومثل ما روي في قوله تعالى: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} إنه علي، {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} أذنك يا علي إلى آخر ما قال1.
وفي الحق إن كتب التفسير اشتملت على زيف كثير في فضائل السور
__________
1 أصول التفسير لابن تيمية ص32 ط السلفية.
وفي أسباب النزول, وفيما يتعلق بتيين مبهم، أو تفصيل مجمل، أو بأحوال الأمم السابقة، وقصص الأنبياء وأحوال المعاد وبدء الوجود وأسرار الوجود وكتب التفسير من عهد ابن جرير وابن مردويه لا يكاد يخلو تفسير منها من موضوعات, وإن اختلفت في ذلك قلة وكثرة إذ استثنيا تفسير ابن كثير وتفسير الألوسي وتفسير المنار وبعض التفاسير المعاصرة التي تنبه مؤلفوها إلى هذه الموضوعات، وابن جرير على جلالة قدره قد اشتمل تفسيره على بعضها إلا أنها قليلة جدا, وقد أدى خدمة تشكر بذكر الأسانيد مما يتيح للباحث النظر في الأسانيد ونقدها والحافظ السيوطي قد ذكر في كتابه "الدر المنثور في التفسير بالمأثور" ما الله أعلم بصحته بل ذكر بعض الموضوعات ومنها ما وافق على وضعه في كتبه الأخرى "كاللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة", ولعل ذلك سهو منه أو اكتفى بذكر السند والتخريج عن التنصيص على الوضع، وكتاب الثعلبي مليء بالموضوعات وتفسير الزمخشري وهو "الكشاف" مع خلوه غالبا من القصص الإسرائيلي قد ذكر بعض الموضوعات في الفضائل والقراءات، وأسباب النزول ونحوها، وتفسير النسفي كتفسير الزمخشري إلا أنه لم يخرج الحديث الموضوع في فضائل السور, وتفسير البيضاوي متابع للكشاف في كثير مما ذكره, وتفسير الخازن مع إكثاره من ذكر القصص، وأخبار الأمم الماضية إلا أنه يكر على بعضها بالإبطال مثل ما صنع في قصة هاروت وماروت، والغرانيق، وقصة داود وسليمان على ما يرويها القصاص، وإن كان غفل عن موضوعات لا يدركها إلا جهابذة الحديث ونقاده وتفسير الفخر الرازي، وأبي السعود قد نبه صاحباهما إلى بعض الروايات الباطلة ورداها وبخاصة من جهة العقل والنظر إلا أنهما قد خفيت عليهما بعض الموضوعات مما لا يدركه إلا حفاظ الحديث, ومما ينبغي أن يعلم أن بعض المفسرين كان لهم جهاد مشكور في رد المفتريات كابن كثير والفخر الرازي، والألوسي، والشيخ
محمد عبده في دروسه وتفسيره، وبعض رسائله، وفارس هذا الحلبة هو الحافظ ابن كثير فقد جاء تفسيره مصفى من الموضوعات والإسرائيليات وكان له فضل التنصيص على بطلانها، وكيف تسربت إلى الإسلام؟ ومن أين أتت وإذا كان ذكر شيئا منها في كتابه فللتنبيه عليها لا للاستشهاد بها والاستدلال، ولا عجب فهو حافظ وله بصر بالنقد بل هو من مدرسة معروفة بأصالة النقد, وهي مدرسة الإمام ابن تيمية, ولو أن المفسرين رزقوا هذه الملكة في النقد لما وقعوا في ذكر الموضوعات والإسرائيليات.
"حديث موضوع باتفاق الحفاظ":
ومن الموضوعات في فضائل السور الحديث الطويل المروي عن أبي بن كعب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في فضائل القرآن سورة, وقد خطأ المحدثون من ذكره من المفسرين في كتبهم كالثعلبي، والواحدي، والزمخشري، والبيضاوي وأبي السعود لكن من أبرز سنده كالأولين, فهو أبسط لغدره إذ أحال ناظره على الكشف على سنده، وأما من لم يبرز سنده ورواه بصفة الجزم فخطؤه أفحش كالآخرين1.
روي عن المؤمل بن إسماعيل قال: حدثني شيخ به فقلت للشيخ: من حدثك بهذا؟ قال: حدثني شيخ بالمدائن وهي حي، فصرت إليه، فقلت: من حدثك بهذا؟ قال: حدثني شيخ بواسط، وهو حي، فصرت إليه، فقال: حدثني شيخ بالبصرة، فصرت إليه، فقال: حدثني شيخ بعبادان، فصرت إليه، فأخذني فأدخلني بيتا فإذا فيه قوم من المتصوفة، ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ حدثني، فقلت: يا شيخ من حدثك؟ فقال: لم
__________
1 بعض العلماء يرى أنه ما دام ذكر السند, فقد خرج من التبعة وعلى من تبلغه الرواية البحث في سندها حتى يتوصل إلى معرفة درجة الحديث من الصحة أو الحسن أو الضعف، وقد وقع هذا لجماعة من كبار الأئمة ومن هؤلاء -كما في فتح المغيث للسخاوي- الطبراني، وابن مندة، والحكيم الترمذي، وأبو الليث السمرقندي، وقد كان علماء عصرهم يعرفون الأسانيد بالنظر فيها فتبرأ ذمتهم من العهدة بذكر السند قال السخاوي: ولا تبرأ في هذه الأعصار بالاقتصار على إيراد الروايات الباطلة بذكر مسانيدها من غير بيانه, لعدم الأمن من المحذور به، أقول: وهو الحق ومن لم يبين فهو آثم.
يحدثني أحد، ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن1.
وهي شنشنة عرفناها من أبي عصمة نوح بن أبي مريم، وميسرة بن عبد ربه!
وهؤلاء المتصوفة الجهلة هم الذين عناهم يحيى بن سعيد القطان حينما قال: "لم نر أهل الخير في شيء أكذب منهم في الحديث", رواه مسلم في مقدمة صحيحه, وهم الذين عناهم أبو عاصم النبيل حينما قال: "ما رأيت الصالحين يكذبون في شيء أكثر من الحديث".
واعتبروا صالحين وأهل خير باعتبار ظاهرهم وإلا فهم أهل شر وجهل وإشاعة للكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
ومما ينبغي أن يعلم أنه قد وردت أحاديث كثيرة صحيحة وحسنة في فضائل بعض السور، وقد تكفل ببيانها الحافظ السيوطي في كتاب "الإتقان", وقد ذكر في "التدريب" أنه ألف كتابا في ذلك سماه "خمائل الزهر في فضائل السور".
ومن الموضوعات التي اشتملت عليها بعض كتب التفسير قصة "الغرانيق" وهي ما زعموا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قرأ سورة النجم، وبلغ إلى قوله: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} ألقى الشيطان على لسانه: "تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترنجى", فقال المشركون: "ما ذكر محمد آلهتنا بخير قبل اليوم" فسجدوا، وسجد.
"بطلان هذه القصة":
وهذه القصة غير ثابتة من جهة العقل، ولا من جهة النقل، وطعن غير واحد من أئمة المعقول والمنقول كالإمام محمد بن إسحاق بن
__________
1 التدريب ص189.
خزيمة إمام الأئمة، فإنه لما سئل عنها قال: هي من وضع الزنادقة، وكالبيهقي، والقاضي عياض والقاضي أبو بكر بن العربي، والإمام أبو منصور الماتوريدي، وقد بين ابن كثير في تفسيره أنها لم تأت من طريق مسند صحيح، وكلها مرسلات، ومنقطعات والذين انتصروا لها وقالوا: إن لها أصلا كالحافظ ابن حجر أولوا ما روي على أن الذي نطق هو الشيطان أثناء سكوت الرسول, فخيل إلى المشركين أن الناطق بها الرسول وهو تكلف لا داعي إليه فالحق والصواب أنها موضوعة مكذوبة1.
ومن الموضوعات قصة "هاروت وماروت", وأنهما كانا ملكين نزلا إلى الأرض فهويا امرأة تسمى "الزهرة", واقترفا معها الإثم، أما هي فمسخت الكوكب المعروف باسمها وأما هما فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا، والمحققون من العلماء على أنها لا أصل لها, وإنما هي من الإسرائيليات المكذوبة ألصقت بالإسلام زورا قصد الإساءة إليه.
وكذلك ما روي في قصة يوسف عليه السلام في همه بامرأة العزيز وأنه حل تكة سراويله, وما روي في قصة داود مع أوريا, ومحاولته قتله في الحرب ليخلو له الجو فيتزوج بامرأته وما روي في فتنة سليمان من قصة الخاتم, وضياعه, وذهاب ملكه, وتسلط الشيطان على ملكه بل وعلى نسائه، حتى رد الله عليه خاتمه, فعاد له ملكه, وما روي في قصة أيوب ومرضه مرضا شديدا حتى تنكر له الناس، ورمى على كناسة بني إسرائيل تسرح الهوام والحشرات في جسمه, فكل ذلك قصص خرافة تخالفه العقول وتناقضه النقول الصحيحة.
__________
1 قد زيفتها مما لا مزيد عليه في كتابي "السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة", ج1 ص375-387.
ومن المختلق الموضوع أيضا ما روي في قصة السيدة زينب بنت جحش وزواج النبي بها وأن ذلك كان عن حب وهوى, وفسروا قوله تعالى: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} 1 بأن المراد به حبها وهي قصة مكذوبة رواتها معروفون بالكذب ورواية الغرائب والمناكير، والقرآن نفسه يكذب هذا فقد بين أن السبب في تزويج الله نبيه إياها هو إبطال ما تواضع عليه الناس في الجاهلية من إنزال زوجة الابن المتبنى منزلة زوجة الابن الصلبي في التحريم, وصدق الله: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} 1.
وأيضا فزينب بنت عمة النبي -صلى الله عليه وسلم، وهو الذي زوجها من زيد, وقد كان ذلك على كره منها، فلو كان يهواها -كما زعموا- لتزوجها, ولا سيما أنه لم تكن هناك أية حوائل قط بل زينب كانت تتمنى ذلك لو أراد النبي فالقصة تحمل في ثناياها دليل بطلانها، وإذا كانت القصة غير ثابتة من جهة النقل، ويستنكرها العقل، وما عرف عن النبي في تاريخه الطويل من العفة وطهارة الذيل، والترفع عن سفاسف الأمور يناقضها، فلم يبق إلا أنها من افتراءات الزنادقة، كي يشوهوا سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام2.
ومن ذلك ما يذكره بعض المفسرين في بدء الخلق وأسرار الوجود، وتعليل بعض الظواهر الكونية كالرعد والبرق، والزلازل ونحوها مما لا يشهد له عقل ولا نقل صحيح، ويصادم الحقائق العلمية المسلمة، فكل ذلك لا أصل له في الإسلام, وإنما هو من صنع الزنادقة الخبثاء لكي يظهروا الإسلام بمظهر الدين المشتمل على ما يخالف الحقائق العلمية
__________
1 سورة الأحزاب: 37.
2 قد زيفت كل ذلك وبينت حقيقة أمرها في كتابي "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" فليرجع إليه من يشاء الوقوف على الرد.
تنفيرا للناس منه.
ومن ذلك ما ذكره بعضهم في تفسير قوله تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} بأنه الحوت الذي على ظهره الأرض وفي تفسير {ق} من أنه جبل محيط بالدنيا، والسماء واضعة أكنافها عليه وما ذكروه من أن الأرض على صخرة والصخرة على قرن ثور، فإذا حرك الثور قرنه تحركت الصخرة, فكل هذا وأشباهه من خرافات بني إسرائيل وأباطيلهم دست على الإسلام زورا وقد امتلأت بعض كتب التفسير بمثل هذه الخرافات والإسرائيليات, فلا تلق إليها بالا واطرحها دبر أذنيك فإنها لا تساوي المداد الذي كتبت به.
ومعذرة أيها القارئ إذا كنت لم أطل في الرد واستقراء هذه الأباطيل المبثوثة في كتب التفاسير والتواريخ والأدب, وقد فصلت القول في هذا في كتابي "الوضع في الحديث" ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين وأطنبت في الردود1 من منذ ثلث قرن أو يزيد.
__________
1 هو مخطوط وسيطبع عما قريب إن شاء الله تعالى.
الموضوعات وكتب الفقه والأصول:
وكما اشتملت بعض كتب التفسير على الموضوعات اشتملت بعض كتبه الفقه على أحاديث ضعيفة ومنكرة، وموضوعة، ولما كان بعض الفقهاء ولا سيما المتأخرين منهم بضاعتهم في فن الحديث، ومعرفة صحيحه من سقيمه قليلة، فقد اغتروا ببعض الأحاديث التي لا يصح الاحتجاج بها وأوردوها في كتبهم أضف إلى ذلك أنك قلما تجد في كتب المتأخرين من الفقهاء حديثا مذكورا بسنده كاملا, وليتهم إذ حذفوا الأسانيد غزوا الأحاديث إلى مخرجيها مع بيان درجتها من الصحة أو الحسن أو الضعف، أما كتب المتقدمين والأئمة الكبار, فلا تكاد تجد فيها موضوعا كما وأنها تحرص على ذكر الأحاديث بأسانيدها أو على الأقل
عزوها وبيان درجتها من الصحة أو الضعف.
ومن قبل أدرك أئمة الحديث ما في كتب الفقه من صحيح وغيره, فألفوا كتب التخاريج1 منهم الحافظ الزيلعي الحنفي المتوفى 762هـ، فقد ألف كتاب "نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية", وهي من كتب الحنفية, والحافظ ابن حجر ألف كتابا سماه "التلخيص الحبير، في تخريج أحاديث الرافعي الكبير", وهو من كتب الشافعية, ومثل ذلك فعل بعض الأئمة في تخريج كتب الأصول فجزاهم الله خيرا.
فمن ذلك حديث أخرجه الدارقطني عن سلمان قال: رآني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد سال من أنفي الدم فقال: "أحدث وضوءا" ففي سنده عمرو بن خالد الواسطي كان يضع الحديث2. وحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم "قاء ولم يتوضأ", قال الزيلعي: غريب جدا، وقال الحافظ ابن حجر: لم أجده. وحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم", قال البخاري: حديث باطل وذكره ابن الجوزي في الموضوعات3, ومما وقع في كتب الأصول حديث: "ما جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق فخذوه وإن خالف فردوه", وهو موضوع وضعته الزنادقة، وحديث: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة", وهو بهذا اللفظ لا يعرف عند المحدثين وهو أقرب إلى قواعد الفقهاء4.
والخلاصة أنه لا ينبغي لباحث أو مستدل أن يعتمد على كتب الفقه
__________
1 التخريج: عزو الأحاديث إلى من ذكرها في كتابه من الأئمة وبيان درجتها من الصحة أو الحسن أو الضعف.
2 نصب الراية ج1 ص41.
3 المرجع السابق ص212.
4 وإنما الحديث المعروف هو قوله -صلى الله عليه وسلم- في مبايعة النساء: "إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة" رواه النسائي.
في الأحاديث إلا إذا عزاه إلى مخرجه أو بينت درجته من الصحة أو الحسن أو الضعف وقد ينفر من هذا بعض المقلدة ولكنه الحق الذي لا محيص عنه.
"الموضوع وكتب الوعظ، والتصوف، والأخلاق":
وكذلك كتب الوعظ والتصوف والأخلاق ذكرت فيها بعض الأحاديث الضعاف والموضوعة, ومن هذه "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي, و"قوت القلوب" لأبي طالب المكي، و"غنية الطالبين" للجيلاني ونحوها, وكتاب الإحياء من أجل كتب الوعظ والأخلاق والتربية لولا ما شابه من ذكر أحاديث ضعيفة وموضوعة, ومما ذكر في هذا الكتاب من الموضوعات ما ذكره في فضل العقل وشرفه وأقسامه, وقد حكم عليها النقاد بالوضع حتى قالوا: "لم يثبت في فضل العقل شيء", وليس معنى هذا أن الإسلام لا يكرم العقل ولا يقر بشرفه, ولكن لا يكون ذلك عن طريق الكذب على الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وذكر كثيرا من الموضوعات والضعاف في أبواب صلوات أيام الأسبوع ولياليه. قال الإمام العراقي: "ليس يصح في أيام الأسبوع ولياليه شيء", وفي الكتاب طامات وأحاديث باطلة كثيرة.
وقد أحسن الإمام العراقي صنعا حينما خرج أحاديث الإحياء وبين صحيحها من ضعيفها ولذلك أنصح كل من يقرأ الإحياء ألا يعتمد على ما يذكره من أحاديث، إلا بعد الاطلاع على تخريج العراقي, وإلا وقع في إثم الكذب وهو لا يشعر. وكتاب الغنية للجيلاني أشد خطرا من الإحياء، وكتاب "قوت القلوب" أقل الثلاثة موضوعا، وكتاب: "تنبيه الغافلين" للسمرقندي يجب الحذر مما فيه من موضوعات وإسرائيليات وكذا كتاب "بستان العارفين" له، ومما ينبغي الحذر منه كتاب "نزهة المجالس", فقد أفسد عقول العامة بما فيه من خرافات وأكاذيب، ولما ألف الصفوري هذا الكتاب عارضه برهان الدين الناجي محدث دمشق، وبين كثرة ما فيه من موضوع, وقد جمع منه رسالة وأرسلها إلى الإمام السيوطي بمصر فوافقه على كثير منها بالوضع والاختلاق.
ومن الكتب التي وقع فيها الموضوع كتاب "عوارف المعارف": للسهروردي المتوفى سنة 632هـ.
فقد ذكر في فضائل التواجد والرقص عند سماع الغناء ورمي الخرقة أحاديث مكذوبة قبح الله من وضعها، وله كتاب في "صفة التصوف" روى فيه مرويات باطلة، وقد أفتى الإمام النووي ببطلانها1.
ومن الكتب التي وقع فيها الموضوع كتاب "الحلية" لأبي نعيم, ومع أنه من الحفاظ فقد تساهل في ذكره أحاديث بأسانيدها من غير تنبيه على وضعها، ولعله ممن يرى أن ذكر السند يعفى من التبعة.
هذا وإني أرى لزاما عليّ في هذا المقام أن أسدي النصح -والدين النصيحة- لإخواننا الوعاظ والمرشدين والأئمة، والخطباء, والمؤلفين والمحاضرين أن لا يعتمدوا على هذه الكتب وأشباهها في الثقة بالأحاديث والاعتماد عليها فيما ذكرته، ومؤلفوها مع جلالتهم إلا أنهم ليسوا من أئمة الحديث، الناقدين له، العارفين بصحيحه ومعلوله، وفي كتب السنن المعتمدة متسع، كالكتب الستة والموطأ، و"مسند" الإمام أحمد، و"الترغيب والترهيب" للمنذري و"رياض الصالحين" للإمام النووي مع التحري والتخير من الكتب التي لم يلتزم مؤلفوها فيها الصحة، إنهم إن فعلوا ذلك فقد أرضوا الله ورسوله، ورفعوا منار الحق، وأزهقوا الباطل.
__________
1 نذكر الموضوعات للفتني ص198.
الموضوع وكتب العلوم الأخرى:
"كتب السير والمواليد والتاريخ":
ولا تخلو كتب العلوم الأخرى من موضوعات وإسرائيليات لا تمت إلى الإسلام، ولا تنبع منه وذلك ككتب السير والمناقب، وكتب التواريخ، وذلك كتاريخ "الأمم والملوك" للمسعودي، و"تاريخ الخلفاء" للسيوطي، فلا تفتر بكل ما يوجد فيها من أحاديث وقصص، وكذلك كتب السير والمواليد، قد دخلها التزيد والاختلاق، وقد سئل الإمام ابن حجر الهيثمي: هل تجوز قراءة سيرة "البكري"؟ فأجاب: لا تجوز قراءتها؛ لأن غالبها باطل وكذب.
وعلى هذا: فلا يصح الاعتماد على كتب السير والمواليد في الأحاديث إلا بعد التأكد من صحتها والبحث عنها.
"كتب علم الكلام والعقائد":
وكذلك كتب "علم الكلام والعقائد" لا يعتمد عليها في الأحاديث فيجب البحث عنها، ومعرفة درجتها من الصحة، أو الحسن، أو الضعف قبل الاستدلال بها.
"كتب النحو والقواعد":
وكذلك كتب النحو والقواعد كثيرا ما يذكرون كلمات على أنها أحاديث، ولا أصل لها ولا ثبوت، وذلك مثل ما يذكرونه في حروف الشرط, وهو قول عمر: "نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه", قال البهاء السبكي في "عروس الأفراح": لم أر هذا الكلام في شيء من كتب الحديث لا مرفوعا ولا موقوفا لا عن النبي ولا عن عمر وكذا قال: الزين العراقي، ومثل ما ذكره ابن هشام في المغني: "أنا أفصح من
نطق بالضاد بيد أني من قريش، واسترضعت في بني سعد بن بكر" قال السيوطي نقلا عن الحافظ ابن كثير: إنه لا أصل له. والتعبير بالضاد عن اللغة العربية مستحدث.
"كتب الأدب واللغة":
وكذلك كتب الأدب واللغة تذكر الكثير من الأحاديث بلا سند ولا تخريج, فمن ذلك ما ذكره الجوهري في صحاحه من حديث: "إن القصيرة قد تطيل "أي تلد ولدا طويلا"", وهو ليس بحديث وقد عده صاحب القاموس من أوهامه، وما ذكره صاحب مختار الصحاح في مادة "عك", وهو حديث: "طوبى لمن رأى عكة", وهو لا أصل له عند المحدثين.
أما كتب الأدب القديمة فقد أسرفت في ذكر الأحاديث التي لا أصل لها, وذلك مثل قصة قس بن ساعدة الأيادي وسماع النبي له وهو يخطب على جمل أورق, وقد عدها ابن الجوزي في الموضوعات إذ في سندها محمد بن الحجاج اللخمي، كذاب خبيث أحاديثه موضوعة, والكلبي وهو كذاب وأبو صالح وهو واه1, وقد اغتر بهذه القصة ولم يتنبه لوضعها معظم المؤلفين في الأدب قديما وحديثا ولا تزال تدرس للطلاب في كلياتنا الجامعية ومعاهدنا العلمية.
أقول: وهذه القصة رويت أيضا من طرق أخرى، وبأسانيد لا يصل رجالها إلى درجة الكذب والوضع، وترتفع بالقصة عن درجة الوضع.
وقد أسرف صاحب "نهاية الأرب" في ذكر أحاديث موضوعة وقصصا إسرائيليا كثيرا مثل ما ذكره في فضل صخرة بيت المقدس, وقد قال الحفاظ الناقدون: "كل ما روي في صخرة بيت المقدس فهو موضوع مفترى ولم يصح في فضل بيت المقدس إلا ثلاثة أحاديث".
__________
1 اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ج1 ص95.
ومثل ما ذكره في فضيلة الزهد وبغض الدنيا وما ذكره في قصص الأنبياء والأمم السابقة مما نقله عن الثعلبي، وفيه من المنكر والإسرائيليات شيء كثير.
وقصارى القول -بعد هذا المطاف في كتب العلوم أن المعول عليه في ثبوت الأحاديث والاحتجاج أو الاستشهاد بها هي كتب الأئمة الحذاق الناقدين العارفين بالجرح والتعديل وبخاصة كتب الذين التزموا تخريج الأحاديث الصحاح، والحسان، أما كتب العلوم الأخرى فلا يعول عليها في هذا، بل فيها أحاديث ضعيفة، وموضوعة، وإسرائيليات كثيرة يجب الحذر منها، وعدم روايتها إلا مقترنا ببيان حالها.
ومعذرة مرة أخرى إذا كنت أوجزت في هذا الفصل فقد أطلت القول في كتابي الذي نبهت إليه آنفا.
"جهاد العلماء في مقاومة حركة الوضع وتنقية السنة والأحاديث":
لقد قيض الله سبحانه وتعالى لحفظ الأحاديث والسنن، وتمييز صحيحها من ضعيفها، وجيدها من زائفها علماء كثيرين في كل عصر ومصر تجردوا وانقطعوا لهذا العمل الجليل، ومن يوم أن ظهرت حركة الوضع في الحديث، وهؤلاء العلماء في جهاد مستمر مضن في مقاومة هذه الموضوعات وتنقية السنة منها، ولما قيل لعبد الله بن المبارك: هذه الأحاديث الموضوعة قال: "تعيش لها الجهابذة" وذكر الذهبي في "طبقات الحفاظ" أن الرشيد أخذ زنديقا ليقتله فقال: أين أنت من ألف حديث وضعتها؟ فقال: أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري1 وابن المبارك2 ينخلانها فيخرجانها حرفا حرفا؟ وقال ابن
__________
1 هو شيخ الإسلام إبراهيم بن محمد بن الحارث الكوفي توفي سنة 185 أو 186.
2 هو الإمام الحافظ المجاهد عبد الله بن المبارك المردزي ثقة ثبت عالم جواد مجاهد جمعت فيه خصال الخبر توفي سنة إحدى وثمانين ومائة.
المبارك: "لو هم رجل في السحر أن يكذب في الحديث لأصبح والناس يقولون: كذاب", ففي هذه النقول وغيرها ما يدل على يقظة أهل الحديث ورجاله للموضوعات، والعمل على إبطالها، وعلى تعقبهم الوضاعين، ورد كيدهم في نحرهم، وقد كان من فضل الله على الأمة الإسلامية أن رزقها من الحفاظ البارعين والنقاد البصيرين ما لا يحصون كثرة، وقد اتخذ جهاد المحدثين مظاهر شتى وأنواعا متعددة.
1- المبادرة بجمع الأحاديث وتدوينها تدوينا عاما في وقت مبكر, وكان ذلك على رأس المائة الأولى في عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه, فقد كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم المتوفى سنة 120هـ, وإلى محمد بن شهاب الزهري المتوفى سنة 124هـ وغيرهما من علماء الأمصار: أن انظروا ما كان من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاجمعوه فإني خفت دروس العلم، وذهاب العلماء، فسارع العلماء إلى الاستجابة بدافع من دينهم، ووازع من أنفسهم، وأقبلوا على الجمع إقبالا منقطع النظير، بحيث لم يكد ينتهي القرن الثالث حتى كانت الأحاديث والسنن مجموعة في كتب الحديث المعتمدة مثل موطأ الإمام مالك؛ ومسند الإمام أحمد وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، والترمذي والنسائي، وابن ماجه، وصحيح محمد بن إسحاق بن خزيمة، وتهذيب الآثار لابن جرير الطبري، وغيرهما من الكتب، وقد أطنبت في هذا في كتابي "أعلام المحدثين"1 فليرجع إليه من يشاء الاستزادة, وبهذا حالوا بين الوضاعين، وبين الإفساد في الأحاديث، وصارت كتب الحديث، ودواوينه المعتمدة موردا للمجتهدين والمستدلين، ومرجعا لمعرفة الصحيح من الحسن، من الضعيف.
__________
1 من ص18-27, وقد مضى على تأليفه نحو عشرين عاما.
2- الجرح والتعديل: وقد صاحبت حركة الجمع تجريح الرواة وتعديلهم، وتشريحهم تشريحا دقيقا لوجه الله والحقيقة، وقد كان للجرح والتعديل أكبر الأثر في تنقية السنن والأحاديث مما عسى أن يعلق بها من الموضوعات، والإسرائيليات، وقد بلغ العلماء المحدثون في نقد الأسانيد مبلغا لم تبلغ شأوه أمة من الأمم، وتركوا لنا في ذلك ثروة ضخمة في كتب الرجال منها ما هو في الثقات من الرواة، ومنها ما هو في الضعفاء، والوضاعين، ومنها ما هم فيما هو أعم منها.
ومن هذه الكتب "الضعفاء والمتروكون" لابن حبان، و"الكامل" لابن عدي، و"الضعفاء" للعقيلي، وكتب الطبقات، لطبقات ابن سعد، وتواريخ البخاري الثلاثة: الكبير، والأوسط، والصغير، ومن عيون الكتب "ميزان الاعتدال" للذهبي، و"لسان الميزان" و"تهذيب التهذيب" وهما للحافظ ابن حجر وغيرها كثير.
وكذلك عنوا بنقد المتون عناية متئدة، متبصرة، فلم يفرطوا، أو يفرطوا في نقدها، ووضعوا لنقد الأسانيد والمتون قواعد، وهي أرقى وأدق ما عرف الناقدون في القديم، والحديث، وقد أسهبت القول في هذا في مقدمة كتابي "أعلام المحدثين"1, و"دفاع عن السنة", فليرجع إليهما من يشاء.
وبهذا النقد الأصيل ميزوا بين الصحيح والمعلول والمقبول والمردود من الأسانيد والمتون.
3- كما اتخذ هذا الجهاد مظهرا آخرا من مظاهر دفاع المحدثين عن الأحاديث, وذلك عن طريق تأليف الكتب التي تنص فيها على الأحاديث الموضوعة ونقدها سندا ومتنا وهذه نوعان:
"النوع الأول": كتب خاصة بالموضوعات وهي كثيرة منها:
__________
1 أعلام المحدثين ص35، و"دفاع عن السنة" من ص46-51.
1- كتاب الأباطيل للجوزقاني, وهو الحافظ الحسن بن إبراهيم المتوفى سنة 543 ثلاث وأربعين وخمسمائة, وهو كتاب صغير على تساهل فيه.
2- الموضوعات لابن الجوزي, وهو الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي المتوفى سنة "597هـ" سبع وتسعين وخمسمائة, وقد أخذ عليه المحدثون تساهله في إيراد ما لا يستحق أن يكون موضوعا وعلى الناظر فيه أن يدقق ويحقق حتى يظهر له الصواب فيما عد من تساهله إذ أنه قد خولف في أحاديث قد يكون الحق معه فيها، ومما أخطأ فيه حديث ذكره وهو في صحيح مسلم1.
3- اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للسيوطي الحافظ المتوفى سنة "911" اختصر فيه كتاب الموضوعات لابن الجوزي وتعقبه في بعض الأحاديث وهو مطبوع.
4- "الدر الملتقط في تبيين الغلط" للعلامة رضي الدين أبي الفضل حسن بن محمد الصغاني "م650" وفي بعض ما ذكره ما ينتقد عليه.
5- كتاب "تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الموضوعة" للعلامة علي بن محمد بن عراق "م963", وهو قيم لخص فيه الكتب التي تقدمت عصره وله فيه تعقيبات مفيدة, وكان مخطوطا في مكتبة الجامع الأزهر الشريف ثم طبع.
6- و"تذكرة الموضوعات" للحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي المتوفى في سنة "507" وفيه ما ليس بموضوع وهو مطبوع.
__________
1 وهو ما رواه من طريق أبي عامر العقدي عن أفلح بن سعيد عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إن طالت بك مدة أوشك أن ترى قوما يغدون في سخط الله ويروحون في لعنته، في أيديهم مثل أذناب البقر" "التدريب/ 182".
7- "تذكرة الموضوعات" للفتني محمد بن طاهر "م986", وفيه ما ليس بموضوع وهو مطبوع.
8- "الموضوعات" للشيخ علي القاري الحنفي "م1014", وهو حسن مع اختصاره وهو مطبوع.
9- "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للعلامة محمد بن علي الشوكاني "م1250", وعليه فيه مؤاخذات في ذكر ما ليس بموضوع وهو مطبوع.
"النوع الثاني": كتب غير خاصة بالموضوعات وهي قسمان:
أ- كتب الأحاديث المشهورة1 منها:
1- "المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة" للسخاوي المتوفى "902" ميز فيه بين الأحاديث المشتهرة على الألسنة وقد نص فيه على كثير من الأحاديث الموضوعة وما لا أصل له وهو مطبوع.
2- "تمييز الطيب من الخبيث" اختصره مؤلفه ابن الديبع الشيباني من "المقاصد الحسنة" السابق وهو مطبوع.
3- "اللآلئ المنتثرة في الأحاديث المشتهرة" للسيوطي وهو مطبوع.
4- "كشف الخفاء ومزيل الإلباس" للمحدث إسماعيل بن محمد العجلوني "م1162" جمع فيه خلاصة الكتب التي تقدمته. مطبوع.
ب- "كتب التخاريج" وهي كتب قصد بها بيان درجة الأحاديث
__________
1 المراد الشهرة اللغوية لا الاصطلاحية؛ لأن الأولى هي التي تشمل الموضوع.
وبيان مخرجيها وفيها التنصيص على الموضوع وما لا أصل له منها.
1- "نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية" للحافظ جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي المتوفى "762" خرج فيه أحاديث الهداية, وقد أجاد فيه وراعى الدقة والإنصاف. وهو مطبوع.
وقد اختصره الحافظ ابن حجر في كتاب "الدراية في تلخيص نصب الراية".
2- "التلخيص الحبير في تخريج أحاديث شرح الرافعي الكبير" للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني "م852", وشرح الرافعي هو على وجيز الإمام الغزالي في فقه الشافعية، مطبوع بالهند.
3- "المغني عن حمل الأسفار في الأسفار" للحافظ عبد الرحيم بن الحسين العراقي المتوفى "806" خرج فيه أحاديث الإحياء وبين درجة كل حديث أو أثر من الصحة أو الحسن أو الضعف وبين ما فيه من موضوع، وما لا أصل له، وهما تخريجان، كبير وصغير والمطبوع مع الإحياء هو الصغير.
4- تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري ومؤلفه الحافظ الزيلعي السابق, وقد نص فيه على المطبوع, وما لا أصل له، وقد اختصره الحافظ ابن حجر في كتابه "الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف", وهو مطبوع مع الكشاف في بعض طبعاته.