آخـــر الــمــواضــيــع

النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: مهم ..سلسلة: كيف يبني طالب العلم مكتبته ..للخضير

  1. #1
    عضو ذهبي
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    الدولة
    الجزائر ـ بومرداس ـ
    المشاركات
    3,920

    افتراضي مهم ..سلسلة: كيف يبني طالب العلم مكتبته ..للخضير


    سلسلة: كيف يبني طالب العلم مكتبته [الحلقة الأولى]


    سلسلة: كيف يبني طالب العلم مكتبته
    الحلقة: (1)
    مقدمة عن بداية التدوين والتصنيف والمكتبات - كتب التفسير وعلوم القرآن

    الشيخ/ عبد الكريم الخضير


    المقدم: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
    مستمعينا الكرام، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، أهلاً ومرحباً بكم على الهواء مباشرة من هنا، من استودهاتنا من إذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية، ثلاث دقائق بعد الرابعة عصراً من هذا اليوم الأحد الثامن من شهر ربيع الآخر من عام (1424) للهجرة النبوية المباركة، أهلاً ومرحباً بكم في كل مكان، ونحن نتحدث في هذا البرنامج معكم على الهواء حول موضوع مهم وهو:
    كيف يبني طالب العلم مكتبته؟
    متى بدأ التدوين والتصنيف.
    ما هي عناية المسلمين بالمكتبات الرسمية والشعبية والجماعية والفردية.
    ونقدم أيضاً نماذج لما يقتنيه طالب العلم من كتب في شتى العلوم.
    سوف نتعرض -بإذن الله- إلى مواضيع هامة، حول هذا الموضوع، وهو مكتبة طالب العلم.
    مع في الأستوديو وعلى الهواء مباشرة، صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير، عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.
    أشكر لفضيلته قبول دعوتنا، فأهلاً ومرحباً بكم فضيلة الشيخ.
    حياكم الله وبارك فيكم، وفي الأخوة المستمعين.
    المقدم: أقول: يا شيخ نحن عندما أعلنا الحقيقة عن هذا الموضوع الناس في شوق إلى معرفة جوانب عديدة خصوصاً أنه يتعلق بطلب العلم الشرعي، العلم المهم الذي به يحمي الإنسان نفسه من كل زلل، أرى أنه من المهم أن نبدأ بمقدمة حول هذا الموضوع، نتحدث فيها عن بداية التدوين والتصنيف، متى بدأ هذا العمل؟
    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
    المقصود بالتصنيف والمصنفات والكتب والمكتبات سوى القرآن الكريم المحفوظ من التغيير والتبديل، الذي أنزله الله على نبيه محمد -عليه الصلاة والسلام-، وتكفل بحفظه، فلسنا بصدد الحديث عن القرآن، وكيفية نزوله، وكتابته في عهد النبي –عليه الصلاة والسلام-، وفي عهد أبي بكر، وفي عهد عثمان والحاجة الداعية إلى ذلك، إنما المقصود بالحديث ما سوى القرآن، ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: ((لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن، ومن كتب شيئاً غير القرآن فليمحه)) جاء النهي عن الكتابة في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- في أول الأمر خشية أن يعتمد الناس عليها، وينسوا الحفظ الذي هو أولى ما ينبغي أن يهتم به طالب العلم، أو أهم المهمات فيما يعتني به طالب العلم، فإذا اعتمد على الكتابة نسي الحفظ، وضعف الحفظ، ومن أهل العلم من يرى أن النهي متجه إلى كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة، لئلا يختلط القرآن بغيره، فلما دون القرآن، كتب القرآن في الصحف، وأمن ذلك، وزال خشية اللبس، أذن في الكتابة إذناً عاماً.
    ثبت أيضاً في الحديث الصحيح أن النبي -عليه الصلاة والسلام- أمر بالكتابة ((اكتبوا لأبي شاة)) وقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: "ما كان أحد أكثر مني حديثاً عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب" ولعل هذا على حسب وهمه -رضي الله عنه وأرضاه-، وأنه كان يتوقع أن عبد الله بن عمرو أكثر منه؛ لأن المكتوب الذي يُرى ليس كالمحفوظ، المحفوظ موجود في الأذهان، لا وجود له في الأعيان، فلا يمكن بيان حجمه، ما دام موجوداً في الأذهان، أو كانت مقولة أبي هريرة قبل الهجرة النبوية، لما طلب منه أن يبسط رداءه فبسطه، ثم ضمه بعد أن دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ينسَ شيئاً قط، فصار بذلك أحفظ الصحابة، وأجمع الصحابة، وأكثرهم رواية، ولا يقاربه ولا يدانيه أحد منهم، ولجمعه هذا الكم الهائل من السنة، وهو صحابي جليل، دعا النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يحببه إلى الناس، ويحبب الناس إليه، ولذا لا يبغضه إلا منافق، نسأل الله السلامة والعافية، ولا يطعن فيه، وفي حفظه، وفي علمه إلا من يطعن في الدين، في السنة على وجه الخصوص؛ لأنه لم نرَ أحداً طعن في المقلين من صحابة النبي -عليه الصلاة والسلام-؛ لأن الطعن في المقل الذي لا يروي إلا حديث أو حديثين، هذا ليس له من الأثر ما لأثر الطعن في المكثر، فنسف مثل أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- نسف لقدر كبير من السنة، ومن ثم من الدين، أبيض بن حمال الذي لا يروي إلا حديثاً واحداً ما وجدنا أحداً يطعن فيه؛ لأن تتبع مثل هؤلاء متعب، بينما الطعن في واحد يحمل السنة، أو جل السنة هذا يريح الخصم، والله المستعان.
    المقصود أن الكتابة أُذن فيها بعد المنع، وأجمع العلماء على جوازها، ولا شك أن للكتابة أثر في الحفظ، الإنسان الذي يعتمد على الحفظ دون الكتابة تستمر حافظته قوية، ويستذكر متى شاء، والناس يتفاوتون في هذا الباب، لما أذن بالكتابة صار الناس يكتبون كتابات فردية في المائة الأولى، ثم لما جاء عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الثانية أمر ابن شهاب الزهري بتدوين السنة، وهنا جاء التدوين الرسمي للسنة، فصنفت المصنفات في السنة، ثم أخذت تزيد قليلاً قليلاً إلى أن جُمع ما في الصدور، ما تفرق في البلدان، فصارت المؤلفات، هذا بالنسبة للسنة.
    المقدم: يعني ما كتب عن الصحابة كانت كتابات فردية؟
    كتابات فردية، كل يكتب لنفسه، ثم بعد ذلك أمر عمر بن عبد العزيز محمد بن مسلم بن شهاب الزهري بالكتابة الرسمية، ثم تتابع الناس في التأليف والتصنيف، فألفت المصنفات والموطئات والمسانيد والجوامع والسنن وغيرها من فنون الحديث الشريف، هذا بالنسبة لعلم الحديث.
    علم اللغة بعد أن فتحت البلدان، واختلط العرب بغيرهم، وخيف أن وجدت مظاهر اللحن، احتيج إلى التدوين في اللغة، العلوم الأخرى كلها سبب التدوين فيها الحاجة الماسة إليها، ثم بعد أن جُمعت الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين، ودون فقه الصحابة، وفقه التابعين، بعد ذلك احتاجوا إلى مسائل وحوادث نازلة، فاضطر الناس إلى أن يقيسوا على ما جاء في الكتاب والسنة، وما جاء عن الصحابة والتابعين، وتوسعوا في هذا الباب، فاحتيج إلى تدوين المسائل الفقهية في كتب الفقه على شتى المذاهب، المذاهب الأربعة المتبوعة وغيرها، ثم احتيج أيضاً إلى علوم تخدم الكتاب والسنة، تخدم أيضاً ما ثبت عن السلف في أبواب الدين، احتيج إلى ما يسمى بعلوم أصول الفقه، ومصطلح الحديث، وعلوم القرآن وغيرها من العلوم التي تخدم الأصلين الكتاب والسنة، فدُونت المصنفات وتشعبت، وكثرت كثرة بحيث يستحيل الإحاطة بها، وبالتدريج ما من عالم إلا ولديه مكتبة، وما من عالم إلا وله مصنفات إلا ما ندر، إلا ما ضاع منها.
    المقدم: هذا بالنسبة إلى ما يتعلق بالنسبة باللغة العربية وما بعدها أيضاً..؟
    نعم وما بعدها من العلوم، كل العلوم احتيج إليها ألفت الكتب الاصطلاحية التي تعين على فهم الكتاب والسنة، كما ذكرنا في علوم القرآن، ومصطلح الحديث، وأصول الفقه، ظهرت الفرق المخالفة للمنهج السليم الصافي المستمد من الكتاب والسنة، فظهرت الطوائف والبدع بعد أن ترجمت الكتب فاحتيج إلى التصنيف في العقائد، والرد على هؤلاء المخالفين.
    المقدم: لكن نستطيع أن نقول: أن هذا التصنيف هو البداية الحقيقية لعناية المسلمين بالمكتبات على شتى...؟
    لا، هذه بداية التصنيف، أما لما كثرت هذه المصنفات، واحتاج الناس إليها، ممن يطلب هذا العلم بدأت العناية بالمكتبات الفردية والجماعية، الرسمية والشعبية.
    المقدم: يعني نستطيع نبين هذه المكتبات أشهرها وأين هي؟
    على كل حال كثرة الكتب التي أشرنا إليها لا يمكن الإحاطة بها، وجدت محاولات قديمة وحديثة لجمع أسماء الكتب والمصنفات، صنف ابن النديم كتابه (الفهرست) فجمع أسماء كتب ومدونات كثيرة جداً، لا يتجاوز مبلغ علمنا بها حدود عناوينها، لا نعرف عنها إلا العناوين، ثم بعد ذلك ألف حاجي خليفة كتابه الشهير (كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون) فذكر فيه الألوف من أسماء الكتب التي وصلت إلى علمه، ثم ذُيل عليه بذيول، والكل لا يفي بالمقصود، وإن أسقط بعض الواجب، (كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون) كتاب نافع في هذا الباب، مع ذيوله، على أوهام فيه، ما يسلم من أوهام.
    وفي تراجم أهل العلم ذكر منهم من عني بجمع الكتب، وهم كثير جداً، هذا أخ للقاضي الفاضل الكاتب المشهور جمع من الكتب ما يملأ البيوت حتى كان عنده من صحاح الجوهري ستة عشر نسخة، الوزير القفطي المتوفي سنة (646هـ) اشتهر بحبه الشديد للكتب، وكَلَفه بجمعها، ووصف بأنه جماعة للكتب، حريص عليها جداً، كما وصفه بذلك عصرِّيه ياقوت الحموي، من كبريات خزائن الكتب القديمة التي طال صيتها خزانة الصاحب بن عباد، وخزانة القاضي الفاضل، فقد تجاوز عدد كتب كل منها مائة ألف مجلد، يعني تصور هذا الكم الهائل، يعني مطابع تضخ؟ لا، كلها كتب قلمية، مخطوطات.
    المقدم: وهذا شخص واحد الذي يملك مائة ألف كتاب؟!
    نعم شخص واحد، والآن يوجد من المعاصرين من يملك ما يقرب من هذا العدد؛ لكنها مطبوعات، يقتني كتاب عشرة مجلدات عشرين مجلد في لحظة، أما مثل هذه الكتب متى تكتب؟ متى تصحح؟ متى تقابل؟ متى تجمع؟
    المقدم: لكن يعرف مثلاً أن هذه النسخة في مكتبة فلان، وكتبها فلان معروفة؟ معروف تاريخها؟
    نعم معروفة.
    المقدم: وإذا أراد شخصاً أن يأخذ منها نسخة يأتي وينقلها نقلاً؟
    إما أن يستعير، ويأخذ منها ما يحتاج، ويفيد منها، والمتقدمين -أهل العناية بالكتب- يشددون في مسألة الإعارة.


    ألا يا مستعير للكتب دعني *** فإن إعارتي للكتب عارُ

    وضاع كثير من الكتب، وتشتت شمل كثير من الموسوعات بهذه الطريقة، نظير ما ذكرت من مكتبة أو خزانة الصاحب بن عباد، والقاضي الفاضل، ما يوجد عند أبي مطرف القاضي بقرطبة، جمع من الكتب في أنواع العلم ما لم يجمعه أحد من أهل عصره في الأندلس، وكان عنده ستة وراقين، ينسخون له باستمرار، بمثابة المطابع عنده، ستة أشخاص ينسخون.
    المقدم: لكن يوزعون يا شيخ؟
    لا لمكتبته.
    المقدم: يحتفظون بها؟
    نعم يحتفظون بها.
    المقدم: إذاً يمكن يكون في مكتبته أكثر من نسخة من كتاب واحد؟
    إيه؛ لكنه في آن واحد يجد كتاب عند فلان، أو في المكتبة كذا وكذا، يُحضِرُه للوراقين، إما بإعارة، أو بإجارة، فينسخون له نسخة من هذا الكتاب، إما أن يقتسمون الأجزاء، أو كل واحد ينسخ من كتاب معين.
    أقول: لا يخلو عالم أو طالب علم من مكتبة؛ لأنه لا يمكن أن يستغنى عن الكتب؛ حتى زاد هذا الاهتمام ووصل إلى حد التكاثر والتفاخر، في نفح الطيب للمقري في وصف قرطبة قال: "وهي أكثر بلاد الأندلس كتباً، وأشد الناس اعتناء بخزائن الكتب" صار ذلك عندهم من آلات التعين والرئاسة، حتى أن الرئيس منهم الذي لا تكون عنده معرفة يحتفل ويهتم في أن تكون في بيته خزانة كتب، قد يكون لا يقرأ ولا يكتب، وينتخب فيها، ليس إلا لأن يقال: فلان عنده خزانة كتب، الكتاب الفلاني لا يوجد إلا عند فلان، لا يوجد عند غيره، والكتاب التي بخط فلان قد حصل عليه فلان، وظفر به فلان، يعني صارت المسألة تفاخر وتكاثر.
    المقدم: حتى هذا وجد في هذا العصر يعني أحياناً بعض العلية علية القوم من الكبار مثلاً في بعض الدول الإسلامية تجده مثلاً يهتم بوجود مكتبة نادرة من أجل هذا.
    لا شك، أقول: أعظم من ذلك وجد تحف على هيئة كتب، تصف في خزائن بحيث يظنها الناظر أنها كتب، فأين النيات؟! والله المستعان.
    في نفح الطيب نقل قال الحضرمي: "أقمت بقرطبة ولازمت سوق كتبها مدة، أترقب فيه وقوع كتاب لي بطلبه اعتناء، إلى أن وقع، وهو بخط فصيح، وتفسير مليح، ففرحت به أشد الفرح، فجعلت أزيد في ثمنه، فيرجع إلي المنادي بالزيادة عليّ إلى أن بلغ فوق حده، فقلت له: يا هذا أرني من يزيد في هذا الكتاب، حتى بَلّغَه ما لا يساوي؟ قال: فأراني شخصاً عليه لباس الرئاسة، فدنوت منه، وقلت له: أعز الله سيدنا الفقيه، إن كان لك غرض في هذا الكتاب تركته لك، فقد بلغت به الزيادة بيننا فوق حده، قال: فقال لي: لست بفقيه، ولا أدري ما فيه، ولكني أقمت خزانة كتب، واحتفلت فيها لأتجمل بها بين أعيان البلد، وبقي فيها موضع يسع هذا الكتاب، فلما رأيت حسن الخط، وجودة التجليد استحسنته، ولم أبالي بما أزيد فيه، والحمد لله على ما أنعم به من الرزق فهو كثير"، قال الحضرمي: "فأحرجني، وحملني إلى أن قلت له: نعم لا يكون الرزق كثيراً إلى عند مثلك، يُعطى الجوز من لا له أسنان، وأنا الذي أعلم ما في هذا الكتاب، وأطلب الانتفاع به يكون الرزق عندي قليلاً، وتحول قلة ما بيدي بيني وبينه".
    على كل حال الاعتراض على القدر مذموم، يعني كون الإنسان يزيد الله في رزقه، وكون الإنسان يضيق عليه هذا قدر الله، كل إنسان مكتوب له رزقه، وأجله، إلى آخره، وليس للإنسان أن يعترض، وليس بسط الرزق خير على كل حال، وليس ضيق ذات اليد شر محض على كل حال، والله المستعان.
    على كل حال إذا وصل حد الجمع والعناية بها إلى هذا الحد صارت مما يلهي، ويشغل عن التحصيل العلمي، والعمل الصالح، فيدخل دخولاً أولياً في قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} [(1) سورة التكاثر] مجرد تكاثر، أنا عندي نسخة كذا، أنا عندي تجليد كذا، أنا عندي طبعة كذا، أنا عندي أربع نسخ، خمس نسخ من كتاب كذا، هذا وجد في المتقدمين والمتأخرين.
    المقدم: وهذا ما كنت سأسأل عنه يا شيخ في الحقيقة في أثناء الحديث، أن بعضهم يتفاخر أنه يوجد عنده نسخة أو أوائل النسخ من هذا الكتاب، كتاب لم يطبع منه إلا طبعات معدودة هذه عنده، ربما يدفع عليه مبالغ طائلة من أجل الحصول عليه، هل لهذا مردود؟
    أنا بلغني أن بعض الكتب التي يطبع منها أربع نسخ، خمس نسخ، تودع في البنوك، خشية أن يُصطى عليها، يعني هل هذا مما يوصل إلى مرضات الله -عز وجل-، نقول: العلم المطلوب الشرعي ميسر -ولله الحمد- بدءاً من القرآن {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [(17) سورة القمر] يعني تجد أرخص الكتب في المكتبات القرآن، يعني قيمته الشرائية، لا أعني قيمته المعروفة؛ لأنه لا يوجد هناك كتاب متعبد بتلاوته سوى القرآن؛ لكن قيمته الشرائية تجد أحوج الناس أو أشد الناس حاجة إلى كتاب تجده أرخص ما يباع، وهذا من السنن الإلهية، يعني أحوج ما يكون الناس إلى شيء يكون أرخص شيء، يعني ما يحتاجه الناس في مطاعمهم، في الأكل والشرب..
    المقدم: الماء مثلاً أرخص..
    أرخص، نعم، ما يحتاجه الجسم من الغذاء الأصلي الذي يقوم به البدن هو أرخص ما يوجد في الأسواق، ثم بعد ذلك الترف، الكماليات أغلى، ثم ما يزيد فوق السرف أغلى وأغلى، قس على هذا الكتب، بالنسبة للقيمة الشرائية أرخص ما يوجد مثلاً القرآن والبخاري ومسلم والأذكار ورياض الصالحين، الكتب التي يحتاجها عامة المسلمين هذه رخيصة -ولله الحمد-، لكن تأتي إلى كتب الناس ليسوا بحاجة إليها..
    المقدم: يا شيخ نسمع أنها تصل خمسين ألف إلى ستين ألف؟
    تصل تصل، القانون لابن سيناء بيع بتسعين ألف، بستين ألف..
    المقدم: السبب أنه ما يوجد إلا نسخة واحدة؟
    هو طبعة أوروبية نادرة؛ لكن إلى أين؟ القانون لابن سيناء تدري أن النووي -رحمه الله- أدخله مكتبته فأظلم قلبه، وصعب عليه الحفظ، حتى أخرجه من مكتبته، أغلى ما يوجد الآن كتب الذكريات، كتب الرحلات، يعني المسلم بحاجة إلى مثل هذه؟! نعم من حيث العبرة والمتعة والاستجمام يحتاج إلى مثل هذه الأمور؛ لكن ليس إلى هذا الحد، ما تصل إلى هذا الحد، هذه مبالغة، يدخل في حيز السرف؛ لكن لو إنسان احتاج إلى صحيح البخاري، ولم يجد نسخة إلا بثمن مرتفع، نقول: لا سرف في الخير.
    على كل حال إذا وصل الجمع والنهم بالكتب إلى هذا الحد صار عائقاً عن التحصيل، ولا يعرف هذا إلا من جرب، تحتاج الكتاب وعندك منه عشر نسخ، يغطي بعضها عن بعض، ويصد بعضها عن بعض، قد لا تحصل على نسخة، يقول ابن خلدون: "كثرة التصانيف مشغلة عن التحصيل" على الإنسان أن يكون متوسطاً في أموره كلها، ما يحتاجه من الكتب يقتنيه، ما ينفعه عند المراجعة يقتنيه، أما أن يجمع كل كتاب يسمع عنه، يحتاجه أو لا يحتاجه، ليقال: أن عنده من كل كتاب نسخة، مصيبة هذه؛ لأن الفائدة من جمع الكتب تحصيل العلم الشرعي، والعلم الشرعي من أمور الآخرة المحضة التي لا يجوز التشريك فيها، فإذا دخلت النوايا مثل هذه المقاصد، يقال: عند فلان مكتبة أو عنده أكبر مكتبة خاصة، أو عنده أندر مكتبة، هذه حقيقة مُرة، وإن وجدت بين طلاب العلم، هذه حقيقة مرة، وقدح ظاهر في الإخلاص، وإن وجدت عند بعض المتعلمين، نسأل الله السلامة والعافية.
    المقدم: وجد يا شيخ مكتبات رسمية أيضاً في....
    وجد مكتبات رسمية رعتها الدول الإسلامية، يعني في بغداد.
    المقدم: دار الحكمة؟
    دور، دور، يعني في قرطبة وحدها أكثر من سبعين مكتبة رسمية، في بغداد، في بلاد الحرمين، في مصر، وفي غيرها من بلدان المسلمين، في المغرب، في المشرق في الهند.
    المقدم: تكون مفتوحة لطلبة العلم؟
    تكون مفتوحة طوال اليوم، يستفيد منها الناس، على كل حال موجودة -والحمد لله- العناية بالكتب إلى وقتنا هذا، العناية الرسمية والشعبية، الآن بعض المساجد فيها كتب مثل المكتبات متكاملة، يستفيد منها طلاب العلم، الجامعات الآن ترعى مكتبات نادرة تضم شتى العلوم والمعارف، أيضاً غير الجامعات المكتبات العامة عندنا، عندنا في هذه البلاد المباركة الشيء الكثير في بلاد الحرمين، وفي نجد، وفي الأحساء، وفي الشمال مكتبات عامة، أيضاً مكتبات شعبية أسسها الأفراد، مكتبات متكاملة، فضلاً عن المكتبات الخاصة في دور العلماء وطلاب العلم.
    المقدم: يعني أنتم لما أشرتم إلى المكتبات المتعلقة بالمساجد يا شيخ، وهي خطوة مهمة بدأت تظهر بحمد الله، يعني لا بد أن نشير إلى شيء من هذا، يعني مكتبة جامع شيخ الإسلام ابن تيمية في الرياض، باعتبارها مكتبة كبيرة، ولها صيت قوي، وتدعم من قبل وزارة الشؤون الإسلامية دعماً قوياً، بدأ عدد كبير في الحقيقة من المساجد والجوامع يحذون حذو هذه المكتبة التي أفادت طلبة العلم كثيراً؟
    نعم لا شك أن الرياض صار الآن مترامي الأطراف، ويصعب على طالب العلم الذي في غرب الرياض، أو في شرقه، أن يرتاد المكتبات التي في وسط الرياض، أو في شماله، فوجدت هذه الفكرة، وسبق إليها إخواننا في جامع شيخ الإسلام في مكتبة ابن القيم.
    المقدم: وأنت زرت هذه المكتبة؟
    إيه أكثر من مرة، وأطلعونا على شيء يسر، من كثرة الرواد، والمنتفعين بهذه المكتبة، وهي تضم كتب كثيرة جداً، وأنا لدي فكرة في إنشاء مكتبة في شرق الرياض تضاهيها -إن شاء الله- وبعد العصور المتقدمة والاعتماد على المخطوطات والكتب القلمية ظهرت الطباعة، ولنستصحب منع الكتابة في أول الأمر لأثر الكتابة على الحفظ، ظهرت الطباعة في أوروبا، والأستانة، ثم في سوريا وبيروت، ثم في مصر وغيرها من بلدان المسلمين، وخشي العلماء في هذه الحقبة على التحصيل العلمي من التأثر لسهولة الحصول على الكتب لما كانت الخشية في أول الأمر من الكتابة من أن تؤثر على الحفظ، الآن خشي من الطباعة أن تؤثر على التحصيل كيف؟ التجربة أثبتت أنه كلما سهل الحصول على الكتابة أو على المعلومة ضعفت الإفادة، هذا شيء مجرب، خشي العلماء على التحصيل من جراء الطباعة، فأفتى علماء الأزهر بتحريم طباعة الكتب الشرعية.
    المقدم: عجيب قديم هذا؟
    إيه أول ما بدأت الطباعة، وأذنوا بطباعة كتب التواريخ والأدب واللغة وغيرها، الكتب الشرعية لا تجوز طباعتها، كان العالم أو طالب العلم في السابق إذا احتاج إلى كتاب اضطر إلى نسخه ومعاناة الكتابة -هذا شيء جربناه وجربه غيرنا- أفضل من القراءة مراراً، أنت إذا احتجت إلى كتاب لا بد أن تكتب الكتاب، تستعيره وتنسخه، أو تستعيره وتقرأه، وتدون ما يهمك منه، هل هذا مثل أن تذهب إلى مكتبة وتشتري كتاب وترصه مع إخوانه في الأدراج؟ لا، أنا أقول: كتابة كتاب عن قراءته عشر مرات، لا أبالغ إذا قلت: هذا.
    المقدم: ولكن هذا ممكن في الكتب اليسيرة والصغيرة التي...؟
    كل شيء بحسبه، كل شيء بقدره.
    المقدم: يعني يمكن فتح الباري يكتب يا شيخ؟
    بعد الطباعة ما يمكن، لكن قبل الطباعة ممكن.
    المقدم: كُتب؟
    كتب مراراً، كيف وجد؟
    المقدم: ونسخ مراراً.
    شخص ما أدركناه وأدركنا أحد أولاده، يقول: إن أباه يكتب كل يوم نسخة من النونية، وهي خمسة آلاف وثمانمائة وعشرين بيت، وكل نسخة يبيعها بريال، وهو يقتات من هذا النسخ، نعم إذا لم يكن لديه الأهلية للتحصيل، ومجرد وراق هذا لا يستفيد؛ لكن إذا كان من أهل العلم ولديه أرضية، ولديه أهلية للتحصيل، واحتاج إلى هذا الكتاب لما فيه من علم ونسخه لا شك أن مثل هذا يقع موقعه في القلب، بعد أن اضطر الناس، الإقرار بالواقع، الأمر الواقع، الذي فرض نفسه من الطباعة أفتى الناس بجواز طباعة الكتب الشرعية، وطبعت وتدولت؛ لكن أثرها على التحصيل ظاهر، يعني بلا شك أن الطباعة نعمة، الحواسب الآلية التي يأتي الحديث عنها أيضاً نعمة؛ لكن لا تكون على حساب التحصيل، يعني لا يعتمد الإنسان اعتماد كلي، ويقول: أنا اقتنيت فتح الباري وبعدين؟ اقتنيت تفسير بن كثير، تفسير القرطبي، تفسير الطبري، وبعدين؟
    المقدم: بعض طلبة العلم عنده تفسير ابن كثير ولم يقرأه أبداً، وهو من كبار طلبة العلم؟
    نعم موجود، طبعت الكتب الشرعية، وأجمع الناس على جوازها، والإفادة منها، وأثره على التحصيل ظاهر، قد يقول بعض الناس ممن لا يدرك حقيقة الأمر -أنا حقيقة عانيت من قراءة الكتب، ومن نسخ الكتب، وتدوين الفوائد وغيرها- لكن قد يقول قائل: إيش في الطباعة؟ الآن نِعم، تيسرت لنا هذه النعم، نقول: تيسرت والحمد لله، ونقر بأنها نعمة، الحواسيب نعمة؛ لكن نستفيد منها بقدر ما يعيننا على تحصيل العلم منها، ولا نعتمد عليها اعتماد كلي.
    بعد الطباعة تجاوزنا مرحلة الطباعة، وفرضت نفسها، واقتنى الناس الكتب، ورصوها في الخزائن، وبعض الناس اقتنى ألوف مؤلفة من الكتب، مات لم يطلع على شيء منها، إلا العناوين، يأتي يرتبها وينظفها هذا قبل هذا، وهذا بعد هذا، هذه العناية مفيدة لشيء واحد، وهي أن السوس والأرضة يعني تؤمن -بإذن الله- من تقليبها من يمين إلى شمال، من درج إلى درج، لكن التحصيل العلمي أين؟ ما فيه، قد يقول قائل: إن معرفة الكتب ومعرفة الطبعات فن؟ نعم فن؛ لكنه ليس بفن غاية، فن وسيلة لغيره.
    جاءت الحواسب الآلية التي جمعت من العلوم والمعارف على أقراص صغيرة ما لم يحلم به عالم أو متعلم، أشياء مذهلة، يعني لا نبالغ إذا قلنا: أن بعض العلماء من المتقدمين قبل الطباعة مثل الحواسب في حفظه، يعني من يحفظ سبعمائة ألف حديث، أكبر برنامج للسنة فيه خمسمائة وثلاثة وعشرين ألف حديث.
    المقدم: يعني رأس هذا الشيخ أحسن من هذه البرامج؟
    أحسن من هذا، وليس آلة جامدة صماء، إذا صحب الخبر ما خرج، يفيد، يجمع طرق، يقدم ويؤخر، ويرتب ويستنبط، ويعلم ويعمل، صار طالب العلم إذا احتاج إلى أي معلومة في فن من الفنون بعد هذه الحواسب ما عليه إلا أن يضغط زر، يصل بواسطته إلى ما يريد بأسرع وقت، وهذا أيضاً على حساب التحصيل العلمي؛ لأن العلم متين لا يستطاع براحة الجسم، كما قال يحي بن أبي كثير، يحي بن أبي كثير كما ذكر الإمام مسلم في صحيحه في أثناء أحاديث المواقيت، قال يحي بن أبي كثير: "لا يستطاع العلم براحة الجسم" لو كان العلم استطاع براحة الجسم ما أدرك الفقراء شيء، صار الناس كلهم علماء، العلم لا يخفى ما ورد فيه من النصوص في الحث عليه، وبيان منزلة أهل العلم، ورفعهم درجات، صار كل الناس علماء لو كان العلم يستطاع براحة الجسم؛ لكن لا بد من معاناة، لا بد من سهر، لا بد من عكوف على الكتب، لا بد من مزاحمة الشيوخ والزملاء، لا بد من مباحثة العلم ومدارسته.
    المقدم: يعني يلاحظ مثلاً لو جاء طالب علم يخرج حديث عن طريق الحاسب الآلي يحصل على المعلومة بسرعة، لو رجع إلى الكتب تجد أنه يستفيد -كما يقال– في طريقه، في طريق المرور على هذا الحديث مئات الفوائد من أجل أن يصل إليه؟
    الآن يحتاج الطالب إلى بحث مسألة في كتاب، فيقلب هذا الكتاب فيقف على عشرات المسائل كثير منها أهم من مسألته التي يبحث عنها؛ لكن يضغط زر يطلب مسألة، تخرج المسألة من أولها إلى آخرها بمصادرها، ثم ماذا؟ هل يحفظها طالب العلم بهذه الطريقة؟ لا يمكن؛ لأن الشيء الذي يأتي بسهولة لا يمكن أن يستوعب بسهولة أو يحفظ بسهولة، بل يفقد بسهولة؛ فيحي بن أبي كثير لما قال: "لا يستطاع العلم براحة الجسم" لا شك أنه من خلال معاصرة ومعايشة للعلم، ولما رأى عليه شيوخه وزملائه وأقرانه من معاناة، تصور قبل وجود هذه النعم من الكهرباء وغيرها، التي لا يختلف الليل على النهار بالنسبة للضوء -والله المستعان-، كانوا يكتبون على ضوء القمر، بهذا حصلوا العلم، ونحن نريد بحاسب واحد، وشخص متلفلف بغطائه على فراشه يربط حاسبه ويتعلم، أو جالس في ملحق، أو في استراحة مع زملاء، يتبادلون الأحاديث وأطراف الأحاديث وعندهم أنهم يطلبون العلم؛ فالعلم لا بد له من معاناة.
    يحي بن أبي كثير نعود إلى كلمته؛ لأنها نفيسة، وجعلها الإمام مسلم بين أحاديث المواقيت مواقيت الصلاة- علشان إيش؟ هذا مناسبته أعجز الشراح أن يوجدوا مناسبة لكلام يحي بن أبي كثير الذي أودعه مسلم هنا، الإمام مسلم أعجبه سياق هذه الأحاديث، المتون والأسانيد بهذه الطريقة، وأراد أن ينبه أنه لا يمكن أن يصل الإنسان إلى مثل هذه العلوم، بهذه الطريقة، بهذا السبك العجيب براحة الجسم، فأتى بهذا من شعور أو من لا شعور، نعم هذه الوسائل نعمة إن استفيد منها واستعين بها على الوجه المناسب، ولم يعتمد عليها وإلا فهي عائق عن التحصيل، من وجوه الانتفاع بهذه الحواسب إذا ضاق الوقت على خطيب أو محاضر، وأراد أن يتثبت من حديث أو أثر أو نقل أو غير ذلك، بحيث لا يستطيع الرجوع إليه لضيق الوقت، نعم له ذلك، استفاد منه، كذلك من أراد اختبار عمله، بحث هذه المسألة من جميع ما وقف عليه من كتب، وجميع ما قيل فيها، وإن كان حديث جميع ما وقف عليه -ما أمكنه- من الطرق، ثم أراد أن يختبر نفسه هل هناك زيادة، فهذه الزيادة التي يأخذها من هذا الحاسب تقع في قلبه موقع، بحيث تثبت، مثل ما لو بحثها في كتاب، أما أن تكون هذه الآلات وسائل للتحصيل ابتداء، عوضاً عن القراءة والمطالعة والحفظ، وحضور الدروس، ومجالس العلم فلا.
    المقدم: شيخ استأذنك في الحقيقة معنا اتصال هاتفي من الشيخ يوسف الخلاوي.
    شيخ يوسف: السلام عليكم.
    المتصل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
    المقدم: نحن نتحدث مع فضيلة الدكتور عبد الكريم الخضير حول مكتبة طالب العلم، بصفتكم أيضاً تشرفون على موقع مهم على شبكة الإنترنت، هو موقع ثمرات المطابع، هذا الموقع الذي يهتم بالكتب، ويدل عدداً من طلبة العلم على هذه الكتب، كان أيضاً توقيت الاتصال والشيخ يتحدث عن الاستفادة من هذه التقنية الحديثة في مجال طلب العلم، لعلكم تحدثوننا عن هذا الجانب بالنسبة لما يتعلق بالاستفادة -من طلبة العلم- من الإنترنت؟
    المتصل: بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أولاً: أقدم شكري الجزيل على هذا البرنامج، ثم على مثل هذه الموضوعات المهمة والقيمة، حقيقة الاستفادة من التقنية الحديثة لبناء طالب العلم لا بد أن ننتبه أنها تختلف كثيراً عن الاستفادة من هذه التقنية لمجرد الثقافة أو مطالعة الأخبار أو نحو ذلك من مجالات الفوائد العلمية الأخرى، طالب العلم عنده معايير تختلف بالتثبت في معرفة هذه الكتب مثلاً الموجودة ونحو ذلك، لذلك للأسف الشديد مع ما يمكن أن نجنيه من فوائد عن طريق التقنية إلا أنها أضافت إلى هذه الفوائد جملة من المظاهر السيئة التي ينبغي أن ننتبه لها؛ لكنني سأركز الآن على شيء من الفوائد، من هذه الفوائد:
    معرفة الكتب الجديدة واقتنائها إذا كانت نسخاً سليمة مصححة، وهذا موجود الآن بفضل الله، ويزداد يوماً بعد يوم بكثرة، خاصة إذا كانت طالب العلم فقيراً، لا يستطيع أن يقتني كثيراً من الكتب الكبار مع أهميتها، فيمكن أن يجدها متاحة؛ لكن كما قلت: بشرط هذه الإتاحة في مكان معروف، في موقع معروف، يشترط الشروط العلمية المعتبرة للتوثيق، هذه من أهم الفوائد.
    من الفوائد الأخرى: المشاركة والتنادي إلى العمل الجماعي في كثير من الأعمال العلمية، مثل البحث عن الخطيات، أو اقتناء النسخ الصحيحة القديمة..
    المقدم: هذه تقومون بها يا شيخ في موقعكم؟ تهتمون بهذا الجانب؟
    الموقع حتى الآن مختص بالإعلام بالكتب الجديدة، وتقديم قراءات علمية فيها؛ لكن هناك حاجة ماسة للتخصص في مجال الأشياء القديمة، في الكتب القديمة، ونحو ذلك.
    المقدم: لكن نستطيع يا شيخ يوسف نقول من خلال موقعكم: أننا لا نقصد مستوى الدخول على الكتب الشرعية أنه مستوى عالي أم لا نستطيع؟ هل هناك مؤشر عندكم، كتب الحديث أكثر، كتب الفقه...؟
    نعم هناك مؤشرات، وفي الغالب الكتب الشرعية لها حضور قوي جداً، بالإضافة للكتب التي تهتم بالوقائع المعاصرة، يعني لو أردنا أن نقارن فنجدها في أول السلم من حيث العناية والمتابعة من قبل الناس، وهذا له جمهور، وذاك له جمهور آخر؛ لكن لا زال حضور الكتب الشرعية كبيراً، وأنبه هنا إلى قضية وهو أنه في عامة المعارض التي أحضرها للكتب، لا شك أن حضور الكتب الشرعية هو الأول، بالرغم مما قد يذاع في بعض المصادر من أن كتاب كذا كان من أهم الكتب المقتناة أو كذا، لكن دون مبالغة أقول: يعني في أي معرض يحضره الإنسان سيجد أن مثل تفسير ابن كثير بالرغم من كثرة طبعاته هو رقم واحد، وصحيح البخاري هو أيضاً رقم واحد، وهذا يدل على تعلق الناس وحاجتهم إلى مثل هذه الكتب.
    المقدم: جزاك الله خيراً شيخ يوسف، أشكر لك مداخلتك الطيبة، وأتمنى لك التوفيق.. شكراً لكم.
    المقدم: نعود مرة أخرى معنا في الأستوديو فضيلة الشيخ/ عبد الكريم، وقد استمعتم إلى حديث الشيخ يوسف لكم تعليق أو نستمر يا شيخ؟
    أخونا الشيخ يوسف معروف بالعناية بالكتب أولاً، ثم بهذه الآلات، ويفيد منها على الوجه المطلوب، ولا شك أن هذه الآلات مثل ما قلت مراراً أنها نعم، يستفيد منها على الوجه المطلوب، يستفيد منها طالب العلم بعد أن يتأسس، وبعد أن يتأصل، ويكون نفسه تكويناً علمياً على الجادة المعروفة عند أهل العلم بالطرق المتبعة، فيستفيد من هذه لا شك، وقلنا: أنه ممكن أن يختبر عمله، وما نقصه من علم في بعض الجوانب، لا بأس، أو إذا ضاق عليه الوقت، وأراد أن يتثبت من مسألة فلا بأس.
    المقدم: نأتي إلى الموضوع الأهم في حديثنا، وهو ما ينتظره عدد كبير من الأخوة، وأن نذكر نماذج لما يقتنيه طالب العلم من كتب، إذا أذنتم لنا أن نبدأ بالتفسير وعلوم القرآن يا شيخ، هل يمكن لنا أن نقول لطالب العلم مجموعة من النماذج لما يقتنيه طالب العلم من هذه الكتب؟
    في المقدمة التي قدمناها ذكرنا أن الكتب كثيرة جداً، لا تمكن الإحاطة بها، وأن الإكثار منها على حساب التحصيل، وأنه عائق عن التحصيل؛ لكن على طالب العلم أن ينتقي ما يفيده، ويعنى بهذه الكتب بطبعاتها المتميزة المعروفة لدى أهل العناية، ويسأل قبل أن يقتني عن الطبعة المناسبة، فكم من كتاب طبع مراراً، وهو مشتمل على التحريف والتصحيف والنقص والزيادة أحياناً من بعض النساخ، أو إدخال بعض الحواشي من كتاب مما تزفه هذه المطابع التي لا تعتني بالإخراج العلمي الصحيح، على طالب العلم في البداية أن يعتني بهذا الأمر، لئلا يضطر إلى أن يشتري الكتاب مرة ثانية وثالثة ورابعة؛ لأنه وجد في هذا من الخلل كذا، ووجد في هذا كذا.
    المقدم: استأذنكم يا شيخ يبدو أن معنا اتصال فاعذرنا على المقاطعة، معي فضيلة الدكتور عبد المحسن العسكر، السلام عليكم.
    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
    المقدم: حياكم الله يا دكتور، معنا فضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم الخضير، نحن نتحدث عن مكتبة طالب العلم، لعلكم تابعتم شيء مما تفضل به فضيلة الدكتور إذا كان لكم تعليق؟
    المتصل: إيه نعم.
    المقدم: تفضل يا شيخ.
    المتصل: أولاً: أشكر بادئ الرأي إذاعة القرآن لبرامجها الثمينة، وطرحها المميز الطيب، وهذا الموضوع الذي يحاور فيه الأستاذ القدير المذيع الناجح فهد السنيدي، يحاور فيه فضيلة شيخنا المتفنن الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير عن الكتاب شؤونه وشجونه، وأقول: قد طرق فضيلة الشيخ جوانب عدة من الموضوع، وغني عن البيان أن نفصح عن قيمة الكتاب، الكتاب في الحقيقة هي لذة العالم، وأنيس الجليس، وسلوة الغريب، أقول: إن العلماء لا يملكون ثروة؛ ولكن ثروة العالم مكتبته وريحانته كتابه، وقد قرأت في كتاب (تقييد العلم) للخطيب البغدادي -رحمه الله- قوله: "ومع ما في الكتب من المنافع العميمة، والمفاخر العظيمة، فهي أكرم مال، وأنفس جمال، والكتاب آمن جليس، وأشر أنيس، وأسلم نديم، وأنصح كريم" ثم روى الخطيب -رحمه الله- عن سعيد بن جبير عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في تفسير قول الله تعالى: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا} [(82) سورة الكهف] قال: "اختلف أهل التأويل في ذلك الكنـز، فقال بعضهم: كان صفحاً فيها علم مدفون، قال: ما كان ذلك ذهباً ولا فضة، قال: صحفاً وعلماً، وعلق الحسن بن صالح بقوله: "وأي كنز أفضل من العلم؟!".
    الذي أريد أن أقول فيه القول، وأدلي فيه بدلوي مع فضيلة الدكتور، هو العلاقة ما بين طالب العلم والكتب القديمة، أو الكتب في طبعاتها الأولى، فكلنا يعلم أن الثورة الطباعية لنشر الكتب في عالمنا الإسلامي والعربي إنما كان قبل قرن ونصف تقريباً، أنا لا أريد بداية الطباعة؛ ولكن أريد الانفجار الطباعي، الذي قام في منتصف القرن السابق، والذي قام بهذا العمل الطباعي وقام على مثل تلك الكتب، وتصحيحها في ذلك الزمان علماء كبار، بل كانوا من فحول العلماء لهم نصيب في نشر العلم، ولهم مصنفات، وكانوا علماء في اللغة والفقه والأصول، كان في مصر مثلاً الشيخ محمد العدوي، والشيخ طه محمود، والشيخ نصر البريني، والشيخ إبراهيم الدسوقي، والشيخ إبراهيم الفيومي، والشيخ محمد الغمراوي، والشيخ محمد الحسيني، والشيخ محمد الإلبيسي، والشيخ سيد بن علي المصرفي، وكان في العراق ممن قام على نشر كتب السلف وعلومهم الشيخ محمود شكري بن عبد الله الألوسي، وكانت في الشام الشيخ محمد جمال الدين القاسمي، أقول: إن هؤلاء العلماء وأضرابهم، وبين يدي قائمة من هؤلاء، هم في الحقيقة الذين أخرجوا للناس الكتب، ونشروا فيهم آثار السلف، في الحديث واللغة والفقه والتاريخ والأدب وغير ذلك من فنون الإسلام، لا يمتري أحد في أن ما أخرج هؤلاء أصح نصاً، فهؤلاء أعلم من غيرهم، وأدرى بأسانيد المصنفين؛ لأنهم علماء، كان الواحد منهم يعكف على الكتاب الواحد سنين عدداً، يدقق ويتحرى ويصحح، هذا (تاج العروس) في طبعته الأولى، وبأجزائه العشرة الضخام، أخرجه رجل واحد، (لسان العرب) بأجزائه العشرين، نشره وصححه رجل واحد، هو الشيخ محمد الحسيني، (إتحاف السادة المتقين في شرح إحياء علوم الدين) أخرجه الشيخ محمد الزهري الغمراوي، وهو في عشرة مجلدات كبار، وهذا مسند الإمام أحمد بأجزائه الستة، وهو معروف، طبعه رجل واحد هو محمد الغمراوي، وشرح البخاري للقسطلاني وأجزاؤه عشرة، قام على طبعه رجل واحد، هو الشيخ إبراهيم الدسوقي.
    كان من أولئك العلماء المتقدمين، من وضع مدرسة يعلم أصول النشر، كما فعل الشيخ سيد بن علي المرصفي المصري -رحمه الله-، فإنه تخرج لديه في النشر والتحقيق ثلة من كبار العلماء، منهم الشيخ أحمد محمد شاكر، وأخوه الشيخ محمود شاكر، والشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، هؤلاء كانوا علماء، وهم الذين نشروا صيت العلم في ذلك الزمان، وما زلنا نقرأ في كتبهم وفيما أخرجوه لنا، ولكننا مع تقادم الأيام، وتجدد معطيات الحضارة، وإعجاب الناس بالجديد، فقد توجه كثير من الناشرين إلى إعادة طباعة تلك الكتب، وربما يكون من أسباب إعادة الطبع قلة تلك الطبعات الأولى، أو انعدامها، وأما ما أعيد طبعه محققاً تحقيقاً علمياً على أيدي عالمة أمينة...... ولكني أتحدث عما طبع مجدداً دون تحقيق، أو ما كتب عليه أسماء غير معروفة بدعوى التحقيق، ولا تجد في تلك الكتب إلا مجرد الحرف الجديد، وإلا اللون البراق للورق، وحدث بما شئت عن الأغلاط والتحريف الأعوج، وضرر ذلك على العلماء وعلى العلم فادح، وعلى هذا فإنني من على هذا المنبر الكريم، وعبر هذا البرنامج الأمثل، أوجه نصيحة إلى إخواني وأصحابي طلاب العلم، وأسترشد بفضيلة شيخنا الشيخ عبد الكريم في هذا المجال، أرشد إخواني أن يعنوا بالطبعات القديمة للكتب، وألا يستدبروها اغتراراً بالصف الجديد، والورق اللامع.
    وأنا أذكر الآن أن بعض مشايخنا في الجامعة أيام الطلب في كلية اللغة العربية، كانوا يوصوننا باعتماد كتاب سيبويه في طبعة بولاق الأولى، دون الرجوع إلى الطبعة المحققة، قالوا: لأن طبعة بولاق أصح، والذي قام عليها عالم من العلماء السابقين، وكل أو جل ما طبعته مطبعة بولاق صحيح في الجملة.
    وصيتي أيضاً إلى الناشرين، وأصحاب المطابع، ألا يتعجلوا بطباعة أي من الكتب التي طبعت قديماً، إلا أن يكون في الطبع مزيد فائدة، مثل أن تجمع عدة نسخ للكتاب، أو أن يكون في المطبوع قديماً خلل أو نقص، وإلا يكن الأمر كذلك فأرى أن يصور الكتاب في طبعته القديمة وينشر على ما هو، ففي الطبعات خير، وصوابها أكثر من صواب الطبعات الحديثة، وغلطها أقل من غلط الطبعات المعاصرة، إنني أسمع من بعض الناس لوماً لأولئك الذين يشترون الكتب في طبعاتها الأولى بدعوى أن أسعارها غالية؛ ولكن تبين لنا معشر الباحثين وطلاب العلم أن في تلك الطبعات خير، وأنها طبعت على أصول صحيحة، وأن الذي قام عليها علماء، كما أسلفت، هذا ما لدي، وأشكر لكم ما أدليتم، وما أذنتم به، وشكراً لكم جميعاً.
    المقدم: شكراً لكم، كان هذا هو الدكتور/ عبد المحسن العسكر، شكر الله له، وأعود لكم فضيلة الشيخ عبد الكريم، إذا كان لكم تعليق على ما ذكره الشيخ عبد المحسن قبل قليل.
    جزا الله عنا فضيلة أخينا الدكتور عبد المحسن العسكر على ما أبداه، والعناية بما ذكره معروفة، وذكرناها في دروس ومناسبات كثيرة جداً، وما زلنا نوصي طلاب العلم أن يقتنوا الطبعات القديمة؛ لأنها أصح في الجملة، لا يماري في هذا أحد، اللهم إلا الكتب التي جمعت لها النسخ، وانبرى لتحقيقها البارع من طلاب العلم، فهذا مثل ما أشار الشيخ عبد المحسن، لا نختلف معه في شيء، وهذا رأيي، وهذه وجهة نظري من قديم، ورددتها وكررتها ومكتبتي جلها من هذا النوع، ووصيتي لطلابي أيضاً بهذا، والشيخ عبد المحسن يعرف هذا، وغيره ممن له معرفة بنا وبطريقتنا وحضور دروسنا.
    على كل حال أنا خشيت من الملل من كثرة ما أوصي بالكتب القديمة، والطبعات القديمة؛ لأنه مثل ما أشار فضيلة الشيخ الذين يتولون الطباعة في الزمن الأول علماء، أما الذين يتولون الطباعة، وأرباب المطابع في الغالب لا أقول: الجميع تجار يهمهم الكسب، فلا يبحثون عن نوادر الرجال لتحقيق الكتب وإخراجها، كم من كتاب طبع فيه من النقص والخلل الشيء الكثير، يعني الآن نسأل كثيراً عن فتح الباري على سبيل المثال، أفضل الطبعات نقول: طبعة بولاق،
    المقدم: وصور منها؟
    وصورت؛ لكن مع الأسف أن التصوير ندر أيضاً، رغم أن الكتاب طبع مراراً بعد ذلك؛ لكن لا يغني عن طبعة بولاق أي طبعة، من أراد أن يكتفي بالسلفية الأولى التي طبعت في حياة الشيخ الأولى في عام (1380هـ) الشيخ عبد العزيز بن باز تولى تصحيح جزأين، وبعض الثالث بنفسه، وترك الباقي للطابع محب الدين الخطيب على أن يعتمد على طبعة بولاق؛ لأنها نسخة صحيحة ومتقنة، متى يطبع فتح الباري بالمستوى التي طبع في بولاق مهما قيل عن الطبعات الجديدة أنها قوبلت وقدمت وعلق عليها وخرجت، لا يمكن، حتى السلفية الثانية والثالثة فيها من الخلل الكبير ما لا يوجد في السلفية الأولى لماذا؟ لبعد البون بين الشيخ محب الدين الخطيب وبين أولاده، ومن تولى الطباعة بعده؛ فالشيخ محب الدين الخطيب تولى الطبعة الأولى بنفسه بينما الطبعة الثانية والثالثة تولاها غيره، ولا شك أن للعالم بصمات فيما تولاه، والكتب القديمة عندنا ترتيب للمطابع معروف، وأولويات للاقتناء، هذا يطول بسطه، هذا يطغى على الموضوع الأول، حديث ذو شجون، وأثرناه مراراً، وفي المناسبات، وفي دروس، وألمحنا له في البرنامج المعروف شرح التجريد مراراً أيضاً في بعض الكتب، وما يمر علينا كتاب ننقل منه إلا أن نذكر طبعته المهمة.
    المقدم: لعلنا نستمر في ذكر مكتبة طالب العلم فيما يتعلق بالتفسير وعلوم القرآن؟
    نعم، طالب العلم يحتاج من كتب التفسير ما يعينه على فهم كتاب الله -عز وجل-، وما يعينه على تدبر كتاب الله، وما يعينه على الاستنباط من كتاب الله، فهناك كتب مختصرات مناسبة للمبتدئين، وإن كان في بعضها بعض المخالفات التي يجب التنبيه عليها هناك تفسير مناسب لطبقات المجتمع كله تفسير إنشائي مستمد من كتب التفسير الموثوقة هو تفسير الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، هذا مناسب للمتعلم وغير المتعلم، للمتخصص في العلوم الشرعية وفي غيرها، للطبيب للمهندس للمثقف للتاجر لرب الأسرة لربة البيت وهكذا، كل يستفيد منه؛ لأنه صيغ بأسلوب العصر، هناك تفسير أيضاً مختصر جداً وغير منتشر بين طلاب العلم -مع الأسف- وهو يفيد كثيراً، تفسير الشيخ فيصل بن مبارك (توفيق الرحمن لدروس القرآن) هذا الكتاب رغم اختصاره مطبوع قديماً، وطبع حديثاً وطبع في أربعة أجزاء، وهو مستمد ومختصر من الطبري والبغوي وابن كثير، وهذا كتاب نافع في بابه لمن لا يسعفه الوقت بالرجوع إلى الأصول القديمة، لا سيما الثلاثة المذكورة، هناك أيضاً تفسير مناسب ومختصر جداً هو تفسير الجلالين، جلال الدين المحلي، وجلال الدين السيوطي، وهو أشبه ما يكون بالمتن، متن علمي متين بحاجة إلى مطالعة حواشيه، ويحتاج أيضاً إلى من ينبه على ما فيه من ملحوظات من أهل العلم، وإلا فالكتاب من أنفع ما ينفع طالب العلم؛ لأنه مختصر جداً.
    المقدم: سبق لكم وأخرجتم بعض الملاحظات على هذا التفسير يا شيخ؟
    شرحنا بعض هذا الكتاب في دروس المسجد، ونشر منه ما يتعلق بسورة الفاتحة في أربعة أشرطة لكن رأيناه على طريقتنا هذه يطول جداً يطول إذا كانت الفاتحة أربعة أشرطة فماذا عن البقرة مثلاً؟
    على كل حال الشيخ عبد الرزاق العفيفي له على الربع الأخير تعليقات نافعة، على ربعه الأخير لما كان مقرراً على المعاهد العلمية، التفسير في غاية الاختصار، شخص من طلاب العلم في اليمن قبل قرن أو أكثر احتاج إلى أن يقرأ في هذا التفسير فأشكل عليه هل يقرأه بطهارة أو بدون طهارة، فقيل له: الحكم للغالب هل الغالب التفسير أم القرآن؟ ذهب يعد الأحرف، عد حروف القرآن وحروف التفسير فوجدها إلى سورة المزمل واحدة ما تزيد حرف، ثم من المدثر إلى آخر القرآن زاد في التفسير قليلاً، فانحلت عنه هذه المشكلة، على كل حال هذا التفسير رغم أهميته ومتانته إلى أن فيه شيء من المخالفات العقدية.
    وهناك تفسير أوسع منه بل أشهر، وهو تفسير البيضاوي، أوسع من الجلالين، وهو أيضاً كتاب متين متقن يستفيد منه طالب العلم لا سيما ما يتعلق بالصناعة اللفظية، عليه حواشي عديدة، وللعلماء به عناية عجيبة، يعني بلغت الحواشي عليه أكثر من مائة وعشرين حاشية، ويندر أن يأتي نسخة من تركيا أو من سوريا وليس عليه حواشي قلمية؛ فالكتاب وضع له قبول، هناك تفسير مختصر جداً يسمى: (التسهيل) تفسير بن جزي الكلبي، وهذا تفسير مختصر ومحرر ومتقن ومضبوط، وهناك أيضاً تفسير النسفي، وهذه كلها مختصرات، لكن تفسير الشيخ بن سعدي لا يستغني عنه أحد، تفسير الشيخ فيصل بن مبارك أيضاً يحتاجه طالب العلم، لا سيما عند ضيق الوقت، تفسير الجلالين أيضاً مهم بالنسبة لطالب العلم، تفسير البيضاوي وما عليه من حواشي نقتصر على بعضها كحاشية زاد التي يتفق المترجمون على أنها أفضل الحواشي، هناك حاشية الشهاب، هناك حاشية القونوي وهناك حاشية بن التمجيد، وحاشية الكزروني، حواشي كثيرة منها المطبوع ومنها المخطوط، هناك كتب في التفسير أطول من هذه، يتصدرها تفسير الإمام الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-، وهو مناسب لكافة المتعلمين، قد يمله غير المتخصص في السنة لكثرة ما يسوقه من آثار بالأسانيد، وما فيه من تكرار، ولذا انبرى لاختصاره جمع من أهل العلم، من أفضل المختصرات اختصار الشيخ أحمد شاكر (عمدة التفسير عن الحافظ بن كثير) ومنها (تيسير العلي القدير) للشيخ محمد نسيب الرفاعي -رحمة الله على الجميع-.
    هذه مختصرات جيدة لتفسير الحافظ ابن كثير على أن الأصل لا يغني عنه شيء، لكن من كان يمل ذكر الأسانيد لأن هذه أمور قد لا يستفيد منها كثير من قراء التفسير، أيضاً هناك تفسير البغوي هو تفسير أثري سلفي لا يخلو من ملاحظات يسيرة جداً؛ لكنه في الجملة أثنى عليه شيخ الإسلام وأئمة الإسلام، وواقع الكتاب لا شك يشهد بهذا، تفسير الخازن وهو مختصر من البغوي مع إضافات، وله شهرة وانتشار بغير هذه البلاد صاحبه يذكر أقوال بعض المتصوفة، وله عناية بذكر ما يتعلق بالمرققات بالرقائق، تفسير الزمخشري (الكشاف) على ما فيه من اعتزاليات يقرأه طالب العلم بحذر، ويقرأ ما كتب عليه من حواشي تبين هذه الاعتزاليات.
    المقدم: خدم مؤخراً يعني بينت هذه الأشياء فيه؟
    فيه من الحواشي تبين اعتزاله، ابن المنير وغيره بين ذلك، كثير من أهل العلم تصدوا له، على كل حال هو يفيد في بابه في اللغة، يستفاد منه في الناحية اللغوية، تفسير الخطيب الشربيني هو كاد يجمع بين البيضاوي والزمخشري، أطول هذه الكتب تفسير إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري الذي هو أعظم تفسير على الإطلاق، ويجمع تفاسير السلف بالأسانيد، والكتاب مطبوع مراراً، طبع أولاً في المطبعة الميمنية، ثم في بولاق، ثم حققه محمود شاكر، حقق إلى سورة إبراهيم في ستة عشر جزءاً، أكمل فيما بعد ذلك، ثم حققه الدكتور عبد الله التركي، على كل حال طبعة الشيخ أحمد شاكر أنا قرأتها بكاملها، من أنفس ما يقتنيه طالب العلم، ولو كانت ناقصة، فإذا أضيفت إلى طبعة بولاق التي هي الأصل، واعتمد عليها الشيخ أحمد شاكر اعتماد مع ما وجده من نسخ، لكن طبعة بولاق لا يعدلها شيء، ثم طبعة الشيخ أحمد شاكر اعتمدت على هذه بدقة طبعة الشيخ عبد الله التركي اقتنيتها مؤخراً، ولا أستطيع الحكم عليها، كلام الشيخ عبد المحسن اختصر علينا كثير في العناية بالطبعات القديمة، وإلا كانت النية أن أبين طبعة كل كتاب معه في أثناء ذكره لكن أظن الوقت ما يسعفنا.
    هناك أيضاً من له عناية باللغة عليه يعتني بتفسير البحر المحيط لأبي حيان، البحر المحيط كتاب يكاد يكون كتاب لغة، وله مختصرات النهر الماد من البحر، فيه أيضاً الدر اللقيط من البحر المحيط، المقصود أن هذا كتاب ينفع فيما يتعلق بالناحية اللغوية في القرآن، وهناك تفسير الرازي تفسير كبير على اسمه (التفسير الكبير) للفخر الرازي، هذا التفسير طالب العلم المبتديء والمتوسط الذي لم يتأهل للنقد لا ينبغي أن ينظر في هذا التفسير البتة؛ لأن مؤلفه بارع قد يمرر كثير من الشبه على أحد المتعلمين، بل قد لا يدرك بعض المتأهلين بعض الشبه والسياقات التي يسوقها في تقرير بعض الشبه، واتهم في ذلك، حتى قيل: أنه يسوق الشبه نقداً، ويجيب عنها نسيئة، يضعف عند ردها، هناك شبه لا يرتضيها، وليست من مذهبه، يعني أعظم من مذهبه، فوق مذهبه، ثم بعد ذلك يسوقها ويجليها بقوة، ثم يضعف عن ردها، ولذا لا ينصح طالب العلم بقراءة هذا التفسير حتى يتأهل، أما إذا تأهل فالتفسير فيه فوائد، وقد قيل فيه: "إنه فيه كل شيء إلا التفسير" لكن هذا جور، فيه تفسير.
    هناك تفسير ابن عطية أثنى عليه شيخ الإسلام هو مطبوع متداول محقق، وهو كتاب نافع، وهناك تفسير الألوسي أيضاً تفسير مطول اسمه (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني) لأبي الثناء محمود الألوسي الجد، ليس محمود شكري جده، هذا التفسير جمع فيه ما هب ودب، ونقل فيه النقول المتبيانة، فيقول: قال شيخ الإسلام بن تيمية، ويقول: قال الإمام المحقق بن القيم، ويقول: قال محيي الدين بن عربي -قدس سره- خلط، المقصود أن فيه فوائد يستفيد منه طالب العلم، لا سيما المتأهل، وفيه أيضاً عناية بالتفسير الإشاري، تفسير الصوفية، التفسير الإشاري، على كل حال الطالب المتأهل لا خوف عليه، على أنه ينبغي أن يجعل طالب العلم في مكتبته ختم لتبرأ ذمته، ختم يكتب فيه هذا الكتاب فيه مخالفات عقدية، هذا الكتاب فيه كذا، هذا الكتاب فيه كذا، ليبرأ من عهدة وجوده، ممن يؤثره بعده، أو يطلع عليه بمكتبته ويتأثر بمثل هذه الكتب يختم على الكتاب، هناك كتب ألفت في جوانب من القرآن مثل: أحكام القرآن أولاه أهل العلم عناية من ذلك أحكام القرآن للشافعي جمع من كلام الشافعي، أحكام القرآن لابن العربي، كتاب لطيف ونفيس، طبع في أربعة أجزاء.
    المقدم: أي ابن العربي يا شيخ؟
    أبو بكر ابن العربي المالكي، لا نعني بذلك ما يسمونه محيي الدين بن عربي صاحب الفصوص والفتوحات له تفسير منسوب إليه، وهو تفسير رد على مذهبه في وحدة الوجود، ولذلك ما يشار إليه، ولا ينبغي أن يقتنيه طالب العلم.
    هناك أحكام القرآن لابن العربي، كتاب لطيف، وفيه نكات وطرائف ونوادر، حصلت لابن العربي مع شيوخه وبعض أقرنه وفي رحلاته، المقصود أن طالب العلم يستفيد من هذا الكتاب، هناك أيضاً أحكام القرآن للجصاص استنباطه أحكام القرآن من وجهة نظر الحنفية، كتاب ماتع وجامع ونافع، لكن لا يسلم من لوثة اعتزال صاحبه، هناك أحكام القرآن للكيا للطبري الهراسي أيضاً، كتاب نافع، وفيه لطائف وفوائد، وإن كان لكن هذا لا يعنينا في هذا الباب، وإن الطبري له موقف من الحنابلة، وقصة مشهورة، والله المستعان.
    هناك الجامع هو بحق جامع لأحكام القرآن للقرطبي كل الصيد في جوف الفر، هذا التفسير جامع على اسمه وطبع مراراً، لكن أجود طبعاته طبعة دار الكتب المصرية ليست الأولى الطبعة الثانية، وهناك ثانية أكثر من مرة، طبع ثانية الكتاب يشكل في طبعته الجزء الأول طبع يمكن خمس مرات، الجزء الثاني من الثاني إلى الثاني عشر طبعت ثلاث مرات، ثم من الثالث عشر إلى العشرين طبعت مرتين أولى وثانية فقط، ثم من واحد إلى عشرين هذه الطبعة الأخيرة بدار الكتب المصرية التي قوبلت على نسخ كثيرة بعض الأجزاء قوبل على ثلاثة عشر نسخة، فالكتاب عني به من ناحية الطباعة عني به عناية فائقة، وفيه إحالات السابقة واللاحقة، وهذه ميزة كتاب كبير عشرين مجلد، فإذا قال: تقدم الطابع يقول: انظر الجزء كذا صفحة كذا، إذا قال: سيأتي، يقول: انظر صفحة كذا الجزء كذا، هذه ميزة الطبعة الثانية، الطبعة الأولى ليس فيها هذا بل الطبعة الأولى المجلدات الثلاثة الأولى ليس فيها إحالات، ولا فيها تعليقات، وليس فيها آيات أيضاً، بينما الطبعة الأخيرة كاملة من كل وجه، المقصود أن هذا الكتاب بحر محيط فيما يتعلق بأحكام القرآن، ويمكن أن يؤخذ منه فقه المالكية، يعني ما ينسبه إلى المذاهب الأخرى قد يقع فيه شيء من خطأ في النسبة، لا من حيث أن هذا القول لا يوجد في هذا المذهب، لكن قد لا يكون هو المعتمد في المذهب؛ فعلى طالب العلم أن يعنى به عناية كبيرة، هناك كتب في إعراب القرآن، وكتب في علوم القرآن كثيرة جداً، كل فن من الفنون يحتاج إلى حلقة.
    المقدم: ائذن لي آخذ اتصال معنا فضيلة الشيخ الدكتور عبد العزيز العويد، حياكم الله فضيلة الشيخ.
    المتصل: أهلاً وسهلاً، ومسىّ الله شيخنا الشيخ عبد الكريم بالخير، والأستاذ فهد والأخوة العاملين في البرنامج، نسأل الله -عز وجل- أن يكتب الأجر والمثوبة.
    المقدم: تفضل يا شيخ.
    المتصل: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين وبعد:
    حقيقة أحسن الأخوة الاختيار، وأضاف على حسن الاختيار اختيار العالم المتخصص في هذا المجال، فجزى الله الجميع خيراً، وكتب لهم الأجر والمثوبة.
    أنا لا أستطيع أن أقول: إني أقدم شيئاً، أو أريد أن أقدم شيئاً، إنما هي استفسارات وسؤالات علمية أوجهها لفضيلة الشيخ، وأطمح منه متفضلاً مشكوراً أن يضع نقاطها على الحروف.
    المسألة الأولى: هي طريقة طلب العلم الشرعي -فضيلة الشيخ- ألا ترى أنها تهمش دور الكتاب اليوم في حياة الطالب باعتماد التعليم سواء في المسجد أو في الكلية المتخصصة بالعلم الشرعي، الكتاب أو على المذكرة، فنريد من فضيلتك وقفة حول هذا المنهج، وما هي الطريقة الصحيحة؟
    المسألة الثانية: في المكتبات هي: المكتبة الالكترونية الأقراص، يعيش طلاب العلم بين معظم لها على حساب الكتاب المقروء، ومهمش أيضاً لها، ثمت رأي ثالث يرى أنها تفيد في تقريب المعلومة، وسهولة الحصول عليها، مع الحاجة الشديدة للكتاب، نريد القول الصواب في الموقف الصحيح لطالب العلم منها كمكتبة.
    المسألة الثالثة: التي أريد أن أطرح هي: اليوم تنتشر المكاتب في بيوتات طلبة العلم وبشكل كبير؛ ولكن هذه المكتبات مع كونها قيمة يلحظ أنها تموت بموت أصحابها، لإهمال الورثة، ولعدم حاجتهم إليها، ولعدم اعتنائهم، ولأنها تمثل مالاً زهيداً بالنسبة لمال المورث، ألا يرى فضيلتكم أن أعظم وسيلة لحفظها هو التوعية بإيقاف هذه المكاتب بعد الوفاة، وخاصة أنها لا تمثل نسبة عالية من مال صاحبها، مع ما لا يخفى من ابتغاء الأجر في العلم الذي ينتفع به، والصدقة الجارية، وهو من بقاء هذه الكتب محفوظة باقية، ومكتبات مستديمة ثابتة.
    المقدم: فضيلة الدكتور ليتك تبقى معنا نستمع لعل أيضاً يكون هناك استفسار لفضيلة الدكتور.
    تفضل فضيلة الشيخ، بالنسبة لطريقة طلب العلم.
    نقدم الإجابة على أسئلة الشيخ، وإلا...؟
    شكراً لفضيلة أخينا الدكتور عبد العزيز على هذه الأسئلة والاستفسارات، أما بالنسبة لطريقة تحصيل العلم الشرعي، وإتيان هذا الباب المهم، أو الأمر العظيم من بابه، والجادة المطروقة عند أهل العلم، هذه بينت مراراً في مناسبات كثيرة؛ لكن مع الأسف الشديد أن بعض من يزاول التعليم النظامي يحيل بعض الطلبة على شيء من كتابات المعاصرين، أو يكتفي الطلبة مما ينقلونه من كلامه في مذكرات، وهذا لا شك إماتة.
    المقدم: سيكون لنا موضوع حول هذا -إن شاء الله-، يعني نعد الأخوة أن يكون لنا تخصيص موضوع حول هذا، يكون أوسع.
    لا شك أن تربية طالب العلم سواء كان في التعليم النظامي أو غير النظامي على كتب المتقدمين، تعويدهم على أساليب المتقدمين، التعامل مع كتب المتقدمين، وفهم كلام المتقدمين، لا شك أن هذا هو المهم؛ لأن طالب العلم يتخرج على هذه المذكرات، لا يستطيع أن يراجع الكتب القديمة، يعين في قرية ليس عنده ما يحل عنده إشكال، فيريد أن يراجع مسألة لا يستطيع أن يفهم، لا يعلم من الفقه لا بالقوة ولا بالفعل، يعني لا يستطيع أن يراجع الكتب، وليس لديه حصيلة.
    المتصل: وهذا واضح يا شيخ التربية العلمية في الكليات الشرعية أن طلبة العلم لا يعرفون أن للكتب الأولوية في تخصصاتهم، فضلاً عن منهجها وطريقتها واسم مؤلفها.
    نحن عتبنا على بعض المنظمين للدورات العلمية أن قرروا في هذه الدورات كتب معاصرين، ووكلوا شرحها إلى أصحابها، نقول: يا أخوة كتب المعاصرين كتبت بلغة العصر، بلهجة العصر، يفهمها طالب العلم، وهو في بيته، دعوا هؤلاء العلماء قبل أن تتمنوا وجودهم وحصولهم يشرحوا ويبينوا لطلابهم كلام المتقدمين الباقي، طالب العلم ينفرد في قرية، وينزوي إما قاضي وإلا معلم وإلا خطيب وإلا داعية يستطيع أن يحلل كلام أهل العلم؛ لأنه عود عليها، ومرن عليها، ووضحت له، وشرحت له، هذه لا شك أنها خلل، يعني إحالة طلاب العلم في التعليم، سواء كان النظامي أو الحر في المساجد والبيوت وغيرها، إحالتهم إلى المذكرات أو ما يكتبه المعاصرون، رغم أهميتها، نعم يستفاد منها، لكن العمدة تكون كتب المتقدمين، وما أجمل ما يقرأ في فتح القدير مثلاً على الطلاب، ويوضح كيف يستفاد من هذا الكتاب العظيم؟ يقرأ سبل السلام، ويعلق عليه الشيخ بما آتاه الله من علم، ويوضح ويحلل، ويحرر المسائل، ويرجح، فيربط الطلاب بكتب المتقدمين التي هي سوف تبقى عنده، أيضاً حصيلة الطالب من هذه المذكرات آخر عهده بهذه المذكرة الامتحان، ولذلك نعاني من جمع هذه المذكرات من الأبواب وامتهانها عند الامتحانات، الطالب ما عنده استعداد يشيل العشرين ثلاثين ورقة أين يوديها؟ إذا طلع من الامتحان؟
    المتصل: وليس لها قيمة كقيمة الكتاب؟
    ليس لها قيمة، يعني رغم جلالة مؤلفيها، وحرصهم عليها، وعنايتهم بها، لكن الأصل الكتاب، والجامعة وغيرها من الجامعات يؤكدون على هذا الجانب، وفي لقاءات مع المسئولين في الجامعة يحذرون أشد الحذر من اعتماد المذكرات، طيب كيف يتخرج طالب علم متخصص في العلوم الشرعية على مذكرات؟ كيف ينفع الجيل القادم وعمدته مذكرات؟ المقصود أنه لا بد من العناية بكتب المتقدمين، وهذه المسألة الأولى.
    المقدم: أما الكتب الالكترونية تحدثنا عنها.
    والمكتبة الالكترونية تحدثنا عنها، وأخذنا فيها، وفيه أيضاً في مناسبات كثيرة، والرأي الوسط هو المعتمد يعني لا نقول إنها لا يمكن أن يستفاد منها، ولا نقول: أنه يعتمد عليها، يستفاد منها بقدر الإمكان، الكتاب هو الأصل، يبقى أن الوسيلة الوحيدة للتحصيل قراءة الكتاب على الشيخ، لا يستغنى بالكتاب، وهذا يأتي التنبيه عليه إن كان الوقت يسعف؛ لأن عندي وصايا في آخر الوقت؛ لأن المسألة طالت، وبقي كتب حديث وتفسير، وكتب كثيرة.
    المقدم: ما يتعلق بوقف المكتبات ونختم بها؟
    المكتبات حقيقة مر علينا أمور من معاناة الورثة، يعني شخص توفي -رحمه الله- في بعض القرى، فما كان من أولاده إلا أن خلعوا باب المكتبة وبنوها بالطين، لما تحدثوا مع أحد المختصين، وبينت لهم أهميتها، فتحوا الباب فوجدوها قد أكلتها الأرضة، ذكر أن قاضي من قضاة الخليج توفي -رحمه الله-، ذكر أن لديه مكتبة فذهبنا إليها لنشتريها، ففوجئنا أنهم انتقلوا من البيت الأول إلى البيت الثاني بيت الطين إلى فلة جديدة، فقال أولاده أن النساء قالوا: هذه كتب تجمع علينا الحشرات والصراصير ورميناها في الزبالة، وقس على هذا كثير، يعني مخطوطات وجدت في الزبالة.
    المتصل: توفي أحد طلبة العلم -عليه رحمة الله- وعنده مكتبة تقريباً عشرة في عشرة أمتار، فرحل أولاده بيت آخر، وما تكلفوا أنفسهم عناء الكتب، فأوصوا الناس أن الباب مفتوح من يريد أن يأخذ فليأخذ منها ما يريد.
    الشيخ: أدهى من ذلك واحد من أهل العلم المعروفين توفي قبل أربعين سنة، توفي فجمعت مكتبته في دورة مياة، لكنها ملغاة، يعني ما هي مستعملة في السطح، فتلفت من السيول والأمطار، هذه مآسي مآسي.
    المتصل: يرى معه أن الإيقاف هو من أعظم أمور الاستفادة منها.
    ما في شك الإيقاف هو الوسيلة الوحيدة التي يستفاد منه، وعرفنا أن الجامعات لها عناية بالكتب، ولديهم من المختصين ما لديهم، مع أن عندي ملاحظة على أن يتولى هذه المكتبات العامة أناس من هواة الكتب من أصحاب الكتب من أهل الكتب، لا يكفي أن يكون متخصص مكتبات، مع الأسف الشديد أنا حضرت محاورات في مكتبات مركزية كبيرة بين أمين المكتبة وبين المستعير، أمين المكتبة يقول: لا هذه النسخة لا تعار، وهذه النسخة لا بأس خذها، فإذا بالنسخة المتاحة للإعارة هي الأصلية، والنسخة التي لا تعار طبعة دار الكتب العلمية من الطبعات الجديدة، مكتوب عليها لا تعار، وشيء كثير، شيء يعتصر عليه القلب، لكن مسألة التخصص لا بد منه، يجمع إلى هؤلاء ويوضع عندهم الناس اللي هواة الكتب.
    المتصل: شكر الله لكم.
    المقدم: جزاكم الله خير، شكراً شكراً فضيلة الدكتور.
    المقدم: نعود لاستكمال بقية الكتب خصوصاً الأخوة في حرص الحقيقة وشغف في استكمالها.
    هناك كتب إعراب القرآن للعكبري والنحاس، والمتأخرين أيضاً لهم مساهمة جيدة في هذا الباب، وعندي أن كتب إعراب القرآن ينبغي أن يستفاد منها، يفاد منها في فهم القرآن، وفي إتقان اللغة، اتقان النحو والصرف؛ فطالب العلم إذا عني بكتب إعراب القرآن استفاد فوائد عظيمة، أتقن اللغة من جهة، وفهم القرآن، وخير ما يمرن عليه طلاب العلم في اللغة، وهذا اقتراح نوجهه إلى المختصين في هذا الباب، أن يعربوا القرآن يعني درس نحو مثلاً أو في نهاية الفصل يكلف الطلاب بإعراب الفاتحة، ثم بعد ذلك يقابل إعرابهم بكتب إعراب القرآن، ويصور ويسدد، ويمكن أن يقوم به كل شخص فردي كل فرد بمفرده، يقوم بهذا العمل يعرب الفاتحة ثم بعد ذلك يعرض ما كتبه على كتب إعراب القرآن، ويستفيد فوائد عظيمة، هناك كتب علوم القرآن مقدمة التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية في غاية الأهمية، فيها توجيهات، وأمور لا توجد في غيرها، منظومة الزمزمي، منظومة مختصرة، وعليها شروح، الإتقان في علوم القرآن للسيوطي أيضاً كتاب جامع، والبرهان للزركشي كتاب حافل، مناهل العرفان للزرقاني أيضاً هذا كتاب مرتب ومنظم مع الرغم بأنه ناقص، القواعد الحسان في تفسير القرآن للشيخ عبد الرحمن بن سعدي من خير ما يستفيد منه طالب العلم في هذا المجال المقصود أن الكتب كثيرة، ولسنا بصدد سرد قوائم كتب أو أسماء كتب؛ لأن هذه تكفل به أناس.
    المقدم: نأخذ يا شيخ فن آخر يمكن ما دام لم يتبق معنا الوقت فنأخذ نبذ يسيرة مثل العقيدة -أحسن الله إليك- ممكن تشير لطلبة العلم بعض الكتب؟
    العقيدة لما ظهرت الفرق والطوائف واحتاج الناس إلى تدوين ما يتعلق بالعقيدة المستمدة من الكتاب والسنة ألف العلماء المتقدمون كتب العقائد سموها كتب السنة في الأسانيد، وجمعوها من الكتاب والسنة، ومن أقاويل الصحابة والتابعين، التي هي العمدة في هذا الباب، وليس للمتأخر أن يخرج عن هذه المصادر في هذا الباب، فهناك كتب كثيرة السنة للإمام أحمد أو لعبد الله بن الإمام أحمد، هناك الإبانة أيضاً، كتب كثيرة؛ لكن مما ينبغي أن يعنى به طالب العلم بالنسبة لكتب العقيدة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية الذي أحاط بما قاله السلف في هذا الباب، وجمع ما كتبوه، وما ذكر، وما نقل عنهم، وحرره وضبطه وأتقنه في كتب كثيرة كالواسطية والحموية والتدمرية شيخ الإسلام، أيضاً مجموع الفتاوى فيه بحوث كثيرة جداً في هذا الباب، له أيضاً كتب مطولة في هذا الباب، له درء تعارض العقل والنقل، الذي ما في الوجود له نظير ثان، كما يقول ابن القيم، له نقض التأسيس:


    وكذلك التأسيس أصبح نقله *** أعجوبة للعالم الرباني

    له أيضاً: منهاج السنة في الرد على المخالفين من الرافضة، المقصود أن كتب شيخ الإسلام لا يستغني عنها طالب علم، له أيضاً اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أهل الجحيم، المقصود أن كتب شيخ الإسلام لا يحاط بها في هذه العجالة.
    كتب ابن القيم أيضاً في هذا الباب الصواعق، النونية وغيرها من كتبه التي خدمت في هذا المجال، مؤلفات أئمة الدعوة، الشيخ الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وعلى رأسها كتاب التوحيد، كشف الشبهات، الأصول الثلاثة، القواعد الأربع، كتب لا يستغني عنها طالب علم، أيضاً تلاميذه من أولاده وأتباعه، المدونة في الدرر السنية، لا يستغني عنها أيضاً طالب العلم، المقصود أن الكتب والوقت ضاق.
    المقدم: طيب كتب الفقه؟
    هناك كتب الفقه كتب للمتقدمين ألفها الأوائل من أصحاب المذاهب وأتباعهم من تلاميذهم ثم أيضاً وجد كتب لهذه المذاهب المتبوعة من قبل المتوسطين والمتأخرين، ولهم طرق وقواعد في ترتبيها وأولوياتها، والمذهب عندهم بالنسبة للمتقدمين والمذهب عند المتأخرين والمذهب عند المتوسطين إلى غير ذلك مما يحتاج إلى مزيد بسط، لكن لو اقتصرنا على بعض الكتب المختصرة في المذاهب وجدنا مثلاً عند الحنابلة الزاد مثلاً، أو دليل الطالب، أو عمدة الفقه، وعند الشافعية....
    المقدم: كلها تحتاج إلى ذكر مؤلفها حتى السامع يقيدها يا شيخ؟
    الوقت لا يسعفنا، مؤلف الزاد معروف شرف الدين موسى حجاوي، وبالنسبة للدليل الشيخ مرعي الحنبلي، العمدة الإمام الموفق، ثم بعد ذلك ألف بعده المقنع للطبقة الثانية، ثم الكافي للثالثة، ثم المغني للمنتهين، على كل حال كتب الفقه تحتاج إلى بسط، وهي مرتبة عند أصحابها على سائر المذاهب؛ لكن الطالب المنتهي الذي يحتاج إلى مراجع تهمه وتحرر له المسائل على طريقة هذه المذاهب، وإن كانت هذه الكتب ليست دساتير لا يحاد عنها، هي كتب بشر من خلال ترجيحاتهم، قد يكون فيها الراجح ويكون فيها المرجوح، فينظر فيها، والحكم هو الدليل، الطالب المنتهي إذا اقتنى هذه الكتب، واقتصر مع شروحها، واقتنى أيضاً المغني لابن قدامة، المجموع للنووي، بالنسبة للمالكي لو كان شرح حديث: الاستذكار لابن عبد البر، أو أحد شروح خليل على ما فيها من تعقيد لمن لم يألف مختصر خليل وشروحه، كتب الحنفية عندهم كتب من أنفسها شرح فتح القدير لابن الهمام، والكتب مشكلتها أنها كثيرة جداً، أيضاً علم شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى من الحادي والعشرين إلى آخر الفتاوى لا يستغني عنه طالب علم في هذا الباب، أيضاً المحلى لابن حزم للمنتهين من طلاب العلم، لا يمكن أن يستغنى عنه؛ لأنه فقه السلف، لولا ما فيه من شدة على الأئمة، فطالب العلم المبتدئ والمتوسط ينبغي أن لا ينظر في هذا الكتاب لئلا يكتسب من حدة المؤلف، فشد على كثير من أهل العلم، وقال في حقهم بعض العبارات التي لا تليق.
    هناك أصول الفقه، هناك السلوك والأخلاق، هناك أيضاً كتب كثيرة في اللغة، من أهم المهمات، الأدب والتاريخ، طالب العلم يحتاج إلى كتب استجمام من مجلات نافعة رحلات ذكريات.
    المقدم: هذا يا شيخ يعني يجعل التبعة عليك يعني لا تخرج إلا بوعد -إن شاء الله-.
    أسأل الله أن ييسر.
    المقدم: أنا أريد أن أختم هذه الحلقة بوصية سريعة في غضون دقيقة أو دقيقتين لطلبة العلم على أمل -إن شاء الله تعالى- أن ييسر لنا لقاء آخر معكم لاستكمال مثل هذا الموضوع، فبم ستوصي طلبة العلم؟
    طالب العلم عليه أولاً وآخراً أن يستحضر أثناء الطلب، وأثناء الاقتناء، وأثناء المطالعة أن يستحضر الإخلاص لله -عز وجل-، أثناء شراء الكتاب، وأثناء مطالعته، والإفادة منه، يستحضر هذا الإخلاص؛ لأن الهدف من القراءة تحصيل العلم الشرعي، والعلم الشرعي أشرنا سابقاً إلى أنه من علوم الآخرة المحضة، من أمور الآخرة التي لا تقبل التشريك؛ فعلى طالب العلم أن يستحضر، والنية شرود، وفي خضم هذا الكم الهائل من الكتب، ويبحث يمين ويسار، وقد يغفل عن هذا، على كل حال عليه أن يستحضر هذا، فهو الأساس وهو الأصل.
    على طالب العلم أن يهتم باقتناء الطبعات المصححة والمحققة، يعني وسبق أن أشار الدكتور عبد المحسن إلى هذا، ويسأل عما يشكل عليه في أمر الطبعات، فكم من طبعة مصحفة ومحرفة اعتمد عليها من لا يعرف ولا يفرق بين المطابع، هذا أيضاً يحتاج إلى حلقة، لكن عاد، والله المستعان، وكنت أريد الإفاضة فيه، لكن الشيخ عبد المحسن.. أيضاً لا يعتمد الطالب على كتابه، ويهمل حضور الدروس، فمن كان علمه من كتابه كان خطأه أكثر من صوابه، الطالب الذي لا يعرف الكتاب إلا في الدرس عند الشيخ لأنه نشاهد بعض الطلاب –للأسف- يضع الكتاب في المسجد، الطالب الذي لا يعرف الكتاب إلا في الدرس عند الشيخ قل أن يفلح.
    المقدم: يعني يراجع ما يقيده؟
    قبل، لا بد أن يعنى بالمطالعة قبل الحضور، والمراجعة بعد الحضور، والمذاكرة مع الزملاء، الشيخ عبد القادر بن بدران له درس مع مجموعة من الطلاب عند شيخ من الشيوخ، ماذا يقول؟ يقول: أولاً نحفظ القطعة ثم كل واحد في زاوية من المكان يشرح هذه القطعة قبل الاطلاع على الشرح يشرح، ثم بعد ذلك إذا شرح يطالعون الشرح، الصواب يقر، ويشاد به، والخطأ يصحح، وبهذا يثبت العلم، يقرئون الحواشي، يذهبون إلى الشيخ يسدد ما عندهم، ويزيد ما عندهم، على كل حال المطالعة يختلف الطلاب فيها اختلافاً كبيراً، منهم من هو صبور دؤوب، يأخذ الكتاب ولا يخلطه بغيره حتى ينتهي، ومنهم الملول الذي يخبط هذا ساعة وهذا ساعة وهذاك ساعة مثل هذا الصبور الدؤوب ما في مشكلة، هذا يقرأ الكتاب حتى ينتهي بالطريقة التي تشرح فيما بعد، الملول هذا لا بد أن يضع جدول بحيث لا يرتبك، يضع جدول ثابت بعد صلاة الصبح له قراءة في كتاب كذا، بعد انتشار الشمس كذا، بعد كذا، جدول يلزم به نفسه، ويعتمد عليه.
    أيضاً أثناء المطالعة يستحضر الطالب يفرغ نفسه من المشاغل، ويصحب أقلام ملونة يدون فيها المسائل، كثير من المخطوطات المكتوب عليها في المطبوعات القديمة قف، تأمل، للأمور المهمة، بعض شيوخنا له طريقة في كتبه، وجدت بعد موته يضع نقطة حمراء أحياناً، يضع نقطة حمراء، وأحياناً سوداء، وأحياناً زرقاء، وأحياناً خضراء، الحمراء لما يريد أن يراجعه فيحفظه، الزرقاء لما يريد أن يراجعه، ويكرر النظر فيه، الخضراء لما يريد أن ينقله إلى مذكراته، وكل طالب علم ينبغي أن يكون لديه مذكرة، المقصود أنه لا بد من التمييز بين ما يقرأ، والكلام في هذا يطول، والله تعالى أعلم.
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
    شكر الله لكم، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لكل خير.
    مستعميّ الكرام بهذا أصل وإياكم إلى ختام هذا البث الحي المباشر معكم على الهواء من استديوهاتنا في إذاعة القرآن الكريم، كان معنا فضيلة الشيخ الدكتور/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير، تحدثنا وإياه عن مكتبة طالب العلم، أعدكم بإذن الله تعالى -وأسأل الله ييسر ذلك- أن يكون هناك أن يكون هناك أكثر من لقاء لتخصيص جزء أكبر لهذا الموضوع.
    أشكر لكم أنتم مستمعي طيب المتابعة، وأعتذر للإخوة الذين اعتذرنا عن استقبال مكالمتهم نظراً لضيق الوقت وللرغبة في تغطية أكبر عدد من المعلومات.
    ألقاكم -بإذن الله تعالى- في حلقة قادمة، معكم على الهواء محدثكم فهد بن عبد العزيز السنيدي.
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    إن شئتم أن يتجسّد العلم ،لا بُد من العقيدة فالتوحيد عليه مدار الحياة .{ أَصْلُهَا ثَابِتٌ } [لا إله إلاّ الله ثابتة في القلب ]والقلب محلّ العقيدة { وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء{24} تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا }معنى هذا الجانب العملي أي امتدّت عروق التوحيد في كل أماكن ونواحي القلب وتمكنت منه فلم تبق مكانا لمن يعيش معها من غير ذلك [أي ممّا يفسد القلب]

    [السبيل إلى العمـــل بالعلمـ : لشيخنا العيد شريفي ]

    www.forums.el-houda.org/

    http://www.salafie.net/vb/

  2. #2
    عضو ذهبي
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    الدولة
    الجزائر ـ بومرداس ـ
    المشاركات
    3,920

    افتراضي رد: مهم ..سلسلة: كيف يبني طالب العلم مكتبته ..للخضير


    سلسلة: كيف يبني طالب العلم مكتبته
    الحلقة: (2)
    كتب السنة والحديث وشروحها (الكتب الستة)

    الشيخ/ عبد الكريم الخضير



    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
    مستمعيّ الكرام: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، أهلاً ومرحباً بكم إلى لقاء جديد متجدد في برنامجكم معكم على الهواء، ست دقائق تقريباً بعد الرابعة في استديوهاتنا في إذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية.
    أهلاً بكم مستمعي الكرام في كل مكان أشكر لكم تواصلكم واتصالاتكم العديدة، بعد أن أنهينا لقائنا السابق في برنامجكم هذا معكم على الهواء مع فضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير حول موضوع: (كيف يبني طالب العلم مكتبته).
    وردتنا اتصالات عديدة تطالب بضرورة إكمال الموضوع لأهميته واستجابة لهذه الطلبات يسرني في هذه الحلقة أن أستكمل الموضوع مع ضيفنا فضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، فأهلاً ومرحباً بكم شيخ عبد الكريم.
    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم وفي الأخوة المستمعين.
    المقدم: كنا قد تحدثنا في اللقاء السابق عن مكتبة طالب العلم كما أشرت قبل قليل، تحدثنا في اللقاء السابق عن بداية التدوين، وعن بعض المكتبات العامة والخاصة التي اشتهرت في العالم الإسلامي في الماضي، وأشرنا أيضاً إلى جزء يسير مما يتعلق ببناء طالب العلم لمكتبته في التفسير وعلوم القرآن.
    بقي لنا مواضيع عديدة حول بناء مكتبة طالب العلم، أستأذنكم بأن نبدأ فضيلة الشيخ بالحديث عن السنة النبوية، عن الحديث كيف يبني طالب العلم مكتبته في هذا العلم المهم؟
    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
    فعلم السنة النبوية من أهم ما ينبغي أن يعنى به طالب العلم؛ لأنها هي المبينة للقرآن المفسرة له، فلتكن همة طالب العلم مصروفة لحفظ ما صح عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، وفهمه بمطالعة ما اعتمد عند أهل العلم من شروح، وإلا فالشروح لا يمكن الإحاطة بها، أخذنا على سبيل المثال صحيح الإمام البخاري، شروحه بالمئات، فبما يعتني طالب العلم من هذه الشروح؟ وهل يغني بعضها عن بعض؟ قديماً قيل: "لا يخلو كتاب من فائدة" فإذا أمكن لطالب العلم أن يجمع أكبر قدر ممكن من هذه الشروح لتكون مراجع له عند الإعواز والحاجة، فهذا هو المطلوب، لكن قد لا يتيسر ذلك لضعف القدرة المادية مثلاً، أو ضيق المكان، أو غير ذلك من الظروف التي تضطر بعض طلاب العلم على عدم استكمال ما ينبغي استكماله من الشروح، فضلاً عن الإحاطة بجميع ما دون في هذا الباب، فلا شك أن هذه الكتب إذا أردنا الاستغناء التام ببعضها عن بعض يمكن أن نقول: لا يمكن الاستغناء التام ببعضها عن بعض، بدليل أنه لا يمكن أن تستغني عن فتح الباري مثلاً أو غيره من شروح الصحيح، ولا يمكن أن تستغني عن عمدة القارئ عن غيره من الشروح، وهكذا..
    المقدم: كل واحد منها في جانب؟
    نعم كل كتاب من هذه الشروح له مزية، لا توجد في غيره؛ لكن إذا أراد الطالب أن يقتصر على شرح واحد ينظر له في ما يحقق الهدف في الجملة، يعني في الغالب، دون الإحاطة بجميع ما يحتاجه هذا الكتاب، فمثلاً صحيح البخاري وهو أولى ما يعنى به طالب العلم؛ لأنه أصح ما كتب في السنة، بل أصح ما دونه البشر، وهو أصح كتاب بعد كتاب الله -عز وجل-، شُرح بشروح كثيرة جداً، ولا غرابة في أن يشرح بمئات الشروح، لا غرابة، أشرنا في الحلقة السابقة أن تفسير البيضاوي عليه أكثر من مائة وعشرين حاشية، هذا المدون المعروف، منها ما هو كامل، ومنها ما هو ناقص، ومنها ما هو مختصر، ومنها ما هو مطول، هناك حواشي قلمية لا يمكن الإحاطة بها على تفسير البيضاوي، وقل مثل هذا في التفاسير الأخرى، إذاً فماذا عن صحيح الإمام البخاري؟ شُرح بمئات الشروح، والمعدود منها الآن أكثر من مائة سرداً، هذه المدونة، وهناك الشروح المطولة والمختصرة والتامة والناقصة النفيسة، وهناك شروح أيضاً فيها غث كثير، المقصود أننا اخترنا أهم هذه الشروح لتكون بين يدي طالب العلم، فمن ذلك:
    أول هذه الشروح: شرح الخطابي: أبي سليمان حمد بن محمد البستي، هذا أقدم الشروح.
    المقدم: ويسمى كذا (شرح الخطابي) أو له اسم يا شيخ؟
    اسمه (أعلام الحديث) طبع باسم أعلام الحديث؛ لأن أكثر النسخ الخطية على هذا، وكانت شهرته عند أهل العلم (أعلام السنن) في مقابل (معالم السنن) في شرح سنن أبي داود له، هذا الكتاب مختصر جداً، يعني لو طبع بالحرف الذي طبع فيه فتح الباري ما جاء مجلد واحد، فهو طبع محققاً في أربعة مجلدات؛ لكن لو طبع على الطباعة السابقة الطباعات القديمة ما يجي مجلد.
    المقدم: والمحقق الموجود مخدوم خدمة....؟
    رسالة علمية.
    المقدم: بالاسم الذي هو أعلام الحديث؟
    أيضاً طبع محققاً تحقيقاً أقل من مستوى هذا الذي أشرنا إليه، وهو لأحد الأمراء من آل سعود، طبع في جامعة أم القرى، هذا التحقيق رسالة علمية، هناك طبعة قبل هذه الرسالة في المغرب في مجلدين؛ لكنها نادرة، هذه الطبعة نادرة جداً، يمكن الاستفادة من شرح الخطابي؛ لأن الشراح ينقلون عنه كثيراً، وإن كانت زبده أودعت في الشروح التي جاءت بعده، يعني إذا كان الطالب يعنى بالجمع فمن خير ما يقتنى هذا الكتاب، وإن كان أراد الاكتفاء فيكتفي عنه بغيره من الشروح التي تليه.
    هناك أيضاً شرح الحافظ بن رجب -رحمه الله تعالى- واسمه (فتح الباري) وابن رجب -رحمه الله تعالى- كعادته يشرح السنة بالسنة، فيشرح السنة بأقوال الصحابة والتابعين، وسلف هذه الأمة، المقصود أن هذا الشرح فيه نفس السلف الصالح، عمدته كلام السلف، وهذه ميزة الحافظ ابن رجب، ويعنى بها عناية فائقة يمتاز بها عن غيره في جميع مؤلفاته.
    المقدم: ومطبوع الكتاب؟
    مطبوع مرتين، وعلى كل حال الكتاب ليس بكامل، فيه خروم كثيرة، هو أولاً إلى كتاب الجنائز في الجملة، وفي ما وجد منه خروم كبيرة جداً، يعني بين حديث النعمان بن بشير في كتاب الإيمان في الشبهات إلى الحديث الذي يليه في الطهارة، أكثر من مائتي حديث مخروم، وكم في شرح هذه الأحاديث من علم عظيم من علم السلف؟! فالحافظ بن رجب -رحمه الله تعالى- يعنى بعلم السلف، وبأقوال السلف، وينكب جانباً عن أقوال المتأخرين واصطلاحاتهم، من طالع هذا الكتاب، وطالع أيضاً شرح الأربعين له، عرف قدر هذا الرجل، وله رسالة في الباب اسمها: (فضل علم السلف على الخلف) رسالة نفيسة، لا يستغني عنها طالب علم، رسالة في غاية الجودة، الكتاب مطبوع مرتين إحداهما: بتحقيق ثمانية أصدرتها دار الغرباء، طبعة جيدة في الجملة، فيها مقابلة نسخ، وفيها تعليقات، وفيها ترقيم، طبعة جيدة، أنا قرأتها كلها، الملاحظات عليها يسيرة.
    طبعة ثانية وهي للشيخ طارق عوض الله، هذا من خيار طلاب العلم؛ من المجودين؛ لكن لا يوجد له أثر في هذا الكتاب إلا النشر، يعني لو أتحفنا بشيء من علمه في تعليقاته على هذا الكتاب فيفيد طالب العلم؛ لأن له عناية بالرواية، وله عناية بعلل الحديث، وسبق أن نشر جامع العلوم والحكم، ومثله نشره أيضاً لسبل السلام، يعني بتصحيح الكتاب؛ لكن لمساته والتعليقات التي تفيد طالب العلم ليست على مستوى علمه الذي نعرفه عنه، أنا قابلته شخصياً، عرفته من قرب، وهو من خيار من يتصدى لنشر الكتب في العصر الحديث، على كل حال أنا عنايتي بتحقيق الثمانية لأنها خرجت أولاً، فوقعت موقعها وقرأتها، وراجعت طبعة الشيخ طارق جيدة في الجملة.
    هناك أيضاً شرح الكرماني اسمه (الكواكب الدراري) وهذا الشرح شرح ماتع نفيس، فيه فوائد كثيرة جداً، وفيه لطائف وطرائف كثير، منها يتعلق بتراجم الرواة، فيذكر في ترجمة الراوي أطرف ما يذكر من أخباره، لينشط القاريء، على أوهام في الكتاب؛ لأنه يقول: أنه أخذ علم هذا الكتاب من الكتب، ومعروف أن الذي علمه من كتبه ليس علمه كمن زاحم أهل العلم، وهنا أبيات ذكرها بعضهم:


    يظن الغمر أن الكتب تهدى *** أخا فهم لإدراك العلومِ
    وما يدري الجهول بأن فيها *** غوامض حيرت عقل الفهيمِ
    إذا رمت العلوم بغير شيخ ***ضللت عن الطريق المستقيمِ
    وتلتبس الأمور عليك حتى *** تكون أضل من توم الحكيمِ


    وقالوا عن ابن حزم: أنه أخذ علمه من الكتب، ولذا خف عنده الأدب بالنسبة لأهل العلم كما ينبغي، وإلا فالرجل من أهل العلم معروف، على ما عنده من خلل في العقيدة، ولسانه أرسله في بعض أفاضل هذه الأمة وخيارها، وعلى كل حال هذه من عيوبه، فيقول أهل العلم: أن وضعه الاجتماعي أيضاً بين وزارة وبين تضييق وإهانة وإحراق كتب، بعد الأبهة، وعلى كل حال، له وعليه ابن حزم، وليس هذا مجال بسط مثل هذا الكلام.
    (الكواكب الدراري) هذا من أولى ما يبتدئ به طالب العلم القراءة؛ لأنه يحث الطالب، ويحفزه على القراءة، أولاً: الكتاب ليس بطويل طويلاً مملاً..
    المقدم: أربع مجلدات دار الغرباء تقول يا شيخ أو غيرها؟
    أيوه.
    المقدم: الكواكب الدراري طبع في كم يا شيخ؟
    طبع في خمسة وعشرين جزء، وهي أجزاء صغيرة جداً، يعني هو اثني عشر مجلد، وحروفه كبيرة، مناسب جداً للقراءة، على أوهام فيه، أحياناً تقع منه الأوهام بحيث يكون رد هذه الأوهام في الكتاب المشروح، الرد في الكتاب المشروح، حتى قال الحافظ ابن حجر: "وهذا جهل بالكتاب الذي يشرحه" أحياناً هو يفهم فهم ينبئ عن فهم، ويحمل الخطأ للإمام البخاري، وأحياناً -وهذا نادر- يسيئ الأدب مع الإمام البخاري، لكن هذه نادرة جداً، تعقبه الشراح، الشراح كلهم اعتمدوا عليه، ممن جاء بعده لم يستعنِ عنه، اعتمدوا عليه، وأفادوا منه فائدة كبيرة، وكشف لهم عن كثير من الأمور، بل فتح لهم الطريق؛ لكنهم تعقبوه، بعضهم تعصب عليه، وبعضهم ينصفه، على كل حال الكتاب نافع وماتع على الأوهام التي ذكرناها فيه، فلو قدر أن تنشر هذه الأوهام، وهي عندنا مدونة على الكتاب كله، الردود عليه من الشروح الأخرى مع الكتاب لأن الكتاب غاية في النفاسة؛ لكن الإشكال أن طالب العلم المبتدئ يقرأ الكتاب، وهو لا يعرف أن هذه أوهام، تقع منه موقع القلب الفارغ.
    فعلى كل حال هذا الكتاب نفيس وماتع، ويشد القاريء، أيضاً وفق بطبعة جميلة جداً، وحرف جميل، فالكتاب ينصح به، ويرجع إليه.
    المقدم: أفضل الطبعات؟
    الطبعة المصرية، المطبعة المصرية هذه طبعت مجموعة من الكتب أبدعت في طباعتها، يعني طبعت هذا الكتاب، وطبعت تفسير الرازي، وطبعت شرح النووي، وطبعت مجموعة من الكتب، لكن لو طبعوا تفسير الطبري، أو تفسير ابن كثير، وفتح الباري لكانوا وفقوا في ذلك، على كل حال هذا اهتمامهم، وأيضاً هذه الكتب فيها فوائد -إن شاء الله-.
    أيضاً هناك شرح العيني (عمدة القارئ) كتاب مرتب على الفنون، لبدر الدين العيني.
    المقدم: على الفنون، أم على الأحاديث؟
    على الأحاديث ترتيب الإمام البخاري، لكن شرح كل حديث يرتبه، يبدأ بالمناسبة، ثم الرواة، ثم اللغة، ثم المعاني، ثم البيان والبديع، والأسئلة، المقصود ترتيبه بديع، وهذا في ربع الكتاب الأول، أما في الربع الثاني فأقل، والنصف الأخير مختصر جداً، وهذا كتاب في الجملة نافع يعني بترتيبه، لا تتعب في البحث عما تريده مع طول الكتاب، الكتاب مطبوع في تركيا في أحد عشر مجلد كبار، ثم طبع في المطبعة المنيرية في خمسة وعشرين جزءاً، ثم طبع بعد ذلك في مطبعة الحلبي في عشرين، والطبعة المنيرية نفيسة، المطبعة التركية جيدة في الجملة؛ لكن التعامل معها فيه شيء من الصعوبة لتداخل المباحث، أما المنيرية فصل المباحث بعضها عن بعض، فصلوها وحرفهم في الغالب جميل، ترتيبهم بديع في الطباعة.
    شرح العيني هذا اعتمد على الشروح المتقدمة، حيث كانت مقدمته مأخوذة بحروفها من مقدمة النووي على البخاري، يعني في حدود أحد عشرة أو اثني عشر صفحة بحروفها من شرح البخاري للنووي، القطعة التي شرحها، هو شرح بدء الوحي والإيمان فقط، وهذه القطعة طبعت في المطبعة المنيرية، مع مجموعة أسموها (شروح البخاري للنووي والقسطلاني وصديق لبدء الوحي والإيمان من صحيح البخاري).
    هذه المقدمة استلها العيني من شرح النووي، ثم بعد ذلك أخذ يشرح الأحاديث، ويفيض في الشرح، وينقل عن الحافظ بن حجر كثيراً؛ لكنه لا يسميه، بل يبهمه فيقول: قال بعضهم، ثم يتعقبه كثيراً أحياناً...
    المقدم: وهو معاصر له يا شيخ؟
    إيه هو من الأقران، إذا انتهى مجلد من شرح الحافظ ابن حجر استعير بعلم الحافظ ابن حجر للعيني، واطلع عليه، ونقل منه الصفحة والصفحتين، فتصدر للرد عليه، وبينهما ما بين الأقران من المنافسة، وهناك كتاب في الباب اسمه (مبتكرات اللآليء والدرر في المحاكمة بين العيني وابن حجر) أيضاً ابن حجر له كتاب (انتقاض الاعتراض) يذكر كلامه، ثم يذكر كلام العيني وتعقبه عليه، ثم ينقضه، وأجاب عن كثير من الإشكالات التي أوردها العيني، والتعقبات؛ لكنه أبقى أشياء بيض لها ولم يتيسر له إكمالها، و(مبتكرات اللآليء والدرر) فيه محاكمات كثيرة بين الشيخين بإنصاف.
    المقدم: ولمن هي؟
    للبصيري، شخص معاصر؛ لكن أيضاً بقيت هناك أشياء ما تطرق لها لا ابن حجر نفسه، ولا البصيري في المبتكرات، بقيت، أمور تحتاج إلى محاكمة بين الشيخين، تحتاج إلى مزيد من العناية، عندنا بعض المدونات فيه شيء منها.
    شرح العيني قلنا: أنه طبع ثلاث مرات ثلاث طبعات، أعني الطبعات التي يمكن أن يستفيد منها طالب العلم، طبعة تركيا، ثم المنيرية، ثم الحلبية، أما الطبعات الأخيرة طبعات المطابع التجارية المتأخرة كما سبق أن أشرنا في الحلقة السابقة مع مداخلة الدكتور عبد المحسن عسكر، أشرنا إلى أن تولي هذه المطابع الحديثة للكتب الكبيرة التي تحتاج إلى لجان متخصصة لتصحيحها وتصويبها يقع فيها الخطأ الكثير يقع فيها أوهام، ولذا من كانت عنده طبعات قديمة، أو مصورات على هذه الطبعات القديمة فليستمسك بها، لا سيما الكتب الكبيرة التي ما جمع لها نسخ واعتني بها، وقرن بين هذه النسخ، يعني الكلام السابق ليس على إطلاقه، يعني قد يتيسر يوجد نسخة صحيحة من الكتاب يعتمد المتقدمون على نسخ في المطابع القديمة، يعتمدون على نسخ حسب تيسرها لهم، وهم مع ذلك لا يشيرون إلى فروق النسخ، ثم يتيسر للمتأخر إن وقف على نسخة المؤلف أو نسخة قوبلت على نسخة المؤلف، أو لأحد تلاميذ المؤلف، أو ما قرب من عصره، وفيها عناية ومقروءة من قبل أهل العلم، ثم يطبع الكتاب عنها تكون له ميزة.
    شرح الحافظ ابن حجر، واسمه (فتح الباري) كما هو معروف، وهو أشهر من نار على علم، عني به العلماء عناية فائقة، طبع في المرة الأولى في بولاق سنة (1300هـ)، ثم بعد ذلك طبعه صديق حسن خان في الهند في ثلاثين جزءاً، وهي طبعة نفيسة ونادرة، إلا أن الاستفادة منها من قبل أوساط المتعلمين في غاية الصعوبة، لعدم تعلمهم وتمرنهم على الخط الفارسي، هو باللغة العربية؛ لكن الخط الفارسي متعب بالنسبة لآحاد المتعلمين، ثم بعد ذلك طبع طبعات كثيرة في المطبعة الخيرية، وهي طبعة جيدة، وهي ليست مثل بولاق؛ لكنها طيبة ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها إذا لم يتيسر له طبعة بولاق، ثم بعد ذلك طبع بالمطبعة البهية، ثم طبع في المطبعة السلفية، وهي عناية الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى-.
    نتكلم عن الفتح...
    المقدم: قبل أن نتكلم عن الفتح، عموماً معنا اتصال إن رأيت أن نأخذ اتصال لأنه قد يكون يعلق على جزئية من هذه إذا أذنت لي؟
    طيب.
    المقدم: معي الشيخ صالح بن مقبل العصيمي، شيخ صالح السلام عليكم.
    المتصل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
    المقدم: أهلاً بك شيخ صالح، نحن نتحدث مع شيخنا الدكتور عبد الكريم الخضير حول مجموعة من كتب السنة وجاءنا اتصالك خلال هذا الحديث.
    المتصل: جزاك الله خير يا شيخ.
    الشيخ: حياك الله وبارك فيك.
    المتصل: كيف حالكم؟
    الشيخ: بخير الله يحفظك، جزاك الله خيراً.
    المتصل: أقول: تحدثت كثيراً عن فتح الباري وعن الإشكالية التي حدثت من خلال وضع نصوص البخاري في الفتح غير التي اعتمدها الحافظ ابن حجر، فهل هناك إمكانية، طبعاً أولاً الحافظ قد لا يكون هناك وضع النسخ أو أحاديث معينة، هو لم يضعها في الفتح، فهل هناك إمكانية أن يعاد الفتح مع نصوص الإمام البخاري، بحيث تكون النصوص موافقة للشرح؟
    المقدم: هذا سؤالك شيخ صالح؟
    المتصل: نعم، وفيه سؤال ثاني خارج عن مسألة كتب السنة، وهي في مسألة التاريخ حيث أنه لا يوجد الآن ملخص يحكي سيرة التاريخ الإسلامي، نقول: بعد عصر الدولة الأموية، إنما هي كلها إما في تفاصيل دقيقة للأحداث، ولكن مثلاً لا يوجد مثل دولة السلاجقة أو الأتراك أو النشأة فقط، وما حقيقة هذه الدول؟ هل هناك إمكانية أو هناك كتاب معين طبع أو موجود ولكنه قد نفذت طبعاته يناقش هذه القضايا فضيلة شيخنا؟.
    المقدم: طيب طيب شكراً شيخ صالح، نعلق يا شيخ على ما تفضل به الشيخ صالح بالنسبة لنصوص البخاري التي اعتمدها ابن حجر؟
    الشيخ: أما بالنسبة للتاريخ فسيأتي الحديث عنه -إن شاء الله تعالى- إن كان في الوقت بقية، أما ما يتعلق بفتح الباري فمثل ما ذكرنا طبعت الطبعة الأولى في بولاق، وهي مجردة من المتن، على ما أراد الحافظ ابن حجر، المتن وضعه الطابع في الحاشية لا علاقة له بالشرح، وهكذا جاءت الطبعة الخيرية بعدها، والهندية كلها المتن مفصول فصل تام عن الشرح، وأيضاً البهية كذلك، والحلبية وطبع في الحلبية في سبعة عشر جزءاً، المتن مفصول عن الشرح أول من أدخل المتن في الشرح محمد فؤاد عبد الباقي في الطبعة السلفية الأولى التي عني الشيخ -رحمة الله عليه- الشيخ عبد العزيز بن باز في الجزء الأول والثاني وشيء من الثالث، أدخلوا المتن في الشرح، الحافظ ابن حجر في المقدمة أشار إلى أنه سوف يدرج المتن في الشرح، سوف يذكر المتن ثم عدل عنه في مقدمة المجلد الأول، فقال: رأى أن إدخال المتن في الشرح يطيل الكتاب، والمتن معروف ومتداول ومشهور بين طلاب العلم كلهم، فلا يحتاج إليه، يعني هل يتصور شخص يكتفي بفتح الباري عن صحيح البخاري، ولو كان الصحيح في الشرح إذاً الحافظ ابن حجر وجهة نظره أن المتن لا يدخل في الشرح، وهذا الذي استقر عليه رأيه، ومع هذا اعتمد الحافظ ابن حجر على رواية أبي ذر، وأشار إلى ما عداها عند الحاجة.
    التصرف في الكتاب من قبل من أدخل المتن في الشرح على غير مراد المصنف، ولذا لم يوفقوا في اختيار متن وافق الشرح، فتجد الحافظ يشرح يقول: قوله وتنظر المتن ما تجد؛ لأنه اعتمد على رواية معينة، وهذا من شؤم التصرف في كتب العلماء، المؤلف ما أراد أن يدخل المتن تدخل المتن ليش لماذا؟ الأمر الثاني ليتك لما أدخلت المتن تدخل متن يوافق الشرح، رواية أبي ذر.
    طبع بعد ذلك في المطبعة السلفية في السلفية الأولى الطبعة عني فيها الشيخ -رحمة الله عليه- الشيخ ابن باز في المجلد الأول، قابلها على نسخ خطية وقف عليها، وجيء بها، وأحضرت لديه؛ فالمجلد الأول والثاني وعلق على المخالفات العقدية، وعلق على بعض المسائل الحديثية والاصطلاحية، لكنها قليلة، نبه على جميع المسائل العقدية التي خالف فيها ابن حجر في المجلد الأول والثاني وأوائل الثالث، ثم انشغل -رحمة الله عليه- لما تولى رئاسة الجامعة الإسلامية بالنيابة عن شيخه الشيخ محمد بن إبراهيم -رحم الله الجميع- فقال لمحب الدين الخطيب صاحب المطبعة السلفية أطبعوا على بولاق؛ لأنه من خلال المقابلة وجد أن بولاق ما فيها إشكال، طبعة نفيسة، لكن لنا أمنية في طبعة بولاق قبل أن ننسى أن يصنع بها كما صنع في صحيح الطبعة السلطانية ترقم، يوضع أمام كل حديث بداية شرحه رقمه وأطرافه ورقمه في التحفة والإحالة على الشروح الأخرى لتكن ويصور على الورق الشموع الجديد، يصير أنفس من الأصل ما هو المانع؟ ويتداول بين الناس كان امتلاك النسخة السلطانية من فتح الباري حلم لدى طلاب العلم لماذا؟ لأنها مطبوعة سنة (1311هـ) الأمر الثاني كلها مكتوب عليها وقف في كل صفحة من الكتاب، وقف لله تعالى لا يباع ولا يهب ولا يورث، في كل صفحة، الصفحة الأولى مكتوب عليها وقف لله تعالى، والتي تليها لا يهب ولا يورث ولا يملك في كل صفحة من الكتاب، فهذا الأمر حقيقة خدم الكتاب ونشر الكتاب بين طلاب العلم، الأمنية أن تكون هذه الخدمة لفتح الباري، لماذا لا يفعل به مثل ما فعل بالصحيح؟ فترقم أحاديثه، ويحال على الأطراف وعلى الشروح الأخرى، ورقم الحديث من تغليق التعليق، وتحفة الأشراف، فيكتمل العمل، ويصور تصوير جميل بالألوان مثل الأصل، فتكون أنفس من الطبعة الأصلية، هذه أمنية فنعود إلى كلام...
    المقدم: تقول: إن الشيخ قال لهم: أطبعوا على طبعة بولاق؟
    نعم طبعة بولاق فيها أخطاء يسيرة جداً جداً، وقف عليها صديق حسن خان المعروف عندي الذي تولى إمارة هناك في بوبال، فعاد طبعه عنده في الهند في ثلاثين جزءاً، ولم تسلم أيضاً الطبعة الهندية تسمى المصارية من الأخطاء، طبع بعد ذلك الكتاب طبعات كثيرة، طبع طبعات لا تعد لأهمية الكتاب وشهرته، وإفادة طلاب العلم منه، ولا تسلم من أخطاء، وبعضها أمثل من بعض كما هو معروف.
    المقدم: لكن يا شيخ لما طبعوها كما ذكرت مثل طبعة الشيخ محب الدين الخطيب -رحمه الله- أدخل أيضاً المتن خلافاً لرواية أبي ذر؟
    أدخل متن ملفق، ليس على رواية معينة، يعني ملفق من روايات، وهذا خلاف ما يوصي به أهل الحديث، ينبغي أن يكون كتابك على رواية واحدة.
    المقدم: والآن لا يوجد كتاب على رواية أبي ذر بالنسبة لفتح الباري؟
    فتح الباري ما فيه رواية أبي ذر لفتح الباري رواية أبي ذر للصحيح، للمتن.
    المقدم: أقصد ما أحد أدخل الآن رواية أبي ذر في شرح فتح الباري مطبوعاً أبداً؟
    الشيخ عبد القادر الحمد وقف على نسخة مكتبة الحرم المدني كتب عليها رواية أبي ذر، ويأتي مثلها كثير من المغرب، لهم عناية بهذه الرواية، لكن يوجد بينها وبين ما اعتمده الحافظ شيء من الاختلاف، الشيخ -وفقه الله- لمس الحاجة الماسة لرواية أبي ذر فوقف على هذه النسخة كانت مخرومة مجلد فأكملها من الأزهر على كل حال يشكر على هذا الاهتمام، لكن يبدو أن الذين طبعوا الكتاب ما اختاروا الطبعة المناسبة من طبعة الشرح، هذه الرواية التي كتب عليها رواية أبي ذر تختلف فيها اختلاف -وإن كان يسير- بين ما أعتمده الحافظ ابن حجر وبينها، لكن الذين طبعوا الكتاب ما اختاروا الطبعة الأمثل لما أرادوا أن يدخلوا المتن في الشرح، أولاً: ليت الشيخ أفرد المتن، هذا الذي وقف عليه نشره كما هو، وعني بشرح القسطلاني، وذكر فروق الروايات والطبعات القديمة للصحيح، طبعة بولاق الأولى والثانية، أعني الأولى السلطانية، والتي تليها وإلا طبع قبل ذلك في بولاق طبعات، لكنها خالية من ذكر الروايات، أيضاً ثم ما دام الكلام في البخاري الطبعة السلطانية التي طبعها السلطان عني بها بضعة عشر من أهل العلم، طبعة صحيحة ومتقنة فيها ما يقرب من مائة خطأ، تلافاه أصحاب مطبعة بولاق الطبعة الثانية سنة (1313-1314هـ) فصححوا هذه الأخطاء، فطلعت الطبعة الثانية أصح من الأولى، لكن الذي صور الكتاب واعتنى به صحح الأخطاء.
    المقدم: طبعاً المجلدات الكبيرة؟
    الكبيرة، اللي في دار المنهاج.
    المقدم: لكن شاقة على طلبة العلم يا شيخ.
    من أي جهة؟
    المقدم: بهذه الكبر وهذا....
    ما يضر، ما يضر -إن شاء الله- ضع كرسي للكتاب إذا كنت لا تستطيع أن تحمله وعلق.
    المقدم: لكنهم طبقوا ما ذكرته أنت قبل قليل من الأمنية....؟
    أمنية، وعرضته على كثير من أكثر من عشر سنوات أو أكثر من خمسة عشر سنة وأنا أعرض الكتاب على المطابع ليخدموه هذه الخدمة، وكلهم يرحب بالفكرة، ويرى أهمية هذا العمل، ومع ذلك ما رأينا شيء، لما خرج هذا الكتاب جيء لي بنماذج من المطابع أنهم بدؤوا يشتغلون ويرتبون وكذا، على كل حال الجهود -إن شاء الله- موفقة، وما زال الناس -ولله الحمد- لهم عناية بسنة النبي -عليه الصلاة والسلام-.
    بعد طبعة بولاق أخذ عنها الطبعة الميمنية، ثم بعدها الطبعة الخيرية، كلها بفروق النسخ مأخوذة من بولاق، ثم الحلبية، الحلبية هذه صورت وصور معها مقال للشيخ أحمد شاكر عن الصحيح وعناية اليونيني به، ورواية الصحيح، صور هذا المقال للشيخ أحمد شاكر، وألصق بما صور عن الطبعة الحلبية، فاشتهر بين طلاب العلم مع الأسف الشديد أن هذه طبعة الشيخ أحمد شاكر، الشيخ أحمد شاكر لا عناية له بالصحيح، يعني ظاهرة منشورة، يعني ما له شيء عن الصحيح إلا هذا المقال، استل هذا المقال فوضع مع ما صور عن الطبعة الحلبية فروج باسم طبعة الشيخ أحمد شاكر، هذا ترويج، وإلا فالشيخ أحمد شاكر لا عناية له بهذه الطبعة على أقل الأحوال التي ذكر اسمه عليها، هذا مجرد ترويج تجاري، ومع الأسف أنه انطلى على كثير من طلاب العلم، بل على بعض أهل العلم، أهل العناية بالكتب، يقول لي: طبعة الشيخ أحمد شاكر، أقول له: يا أخي الشيخ أحمد شاكر ليس له طبعة في الصحيح، الشيخ أحمد شاكر له مقال عن الصحيح ذكر فيه عناية اليونيني بالصحيح، وذكر بعض الروايات استل هذا المقال صور بالطبعة الحلبية، فجعل مقدمة لها، وفيها هذه ورقة الشيخ أحمد شاكر.
    طبع البخاري مراراً عشرات المرات لأهميته لكن ينبغي أن يعنى طالب العلم بهذه الطبعة التي أشرنا إليها التي هي الطبعة السلطانية التي أكملت بهذه الخدمة.
    هناك أيضاً من الشروح شرح القسطلاني واسمه (إرشاد الساري) هذا يكاد أن يكون ملخص أمين من فتح الباري وعمدة القاري، مع إفادته من الشروح الأخرى هذا الكتاب لا يغني عنه غيره، لمن أراد ضبط الصحيح، ضبط رواة الصحيح، ضبط صيغ الأداء، ضبط المتون، يعني ضبط بالحرف، فيشير إلى اختلاف جميع الروايات، ولو لم يترتب عليه فائدة، لهذا الاختلاف لو لم يترتب عليها فائدة يشير إلى القسطلاني، وهذه العناية فائقة بالكتاب، إذا نظرنا إلى معاناته عن البحث عن النسخة الأصلية اليونينية، بحث عنها مدة طويلة فلم يقف عليها، وقف على الفرع، فرع اليونينية، وقف عليها، ثم بعد ذلك قابل كتابه أكثر من ستة عشر مرة، نسخته على الفرع، وعني بها، ثم بعد ذلك وقف على المجلد الثاني من الأصل من اليونينية، وجده يباع النسخة الثاني، اشتراه وقابله عليه الفرع، فوجده مطابق لا يختلف بشيء، ثم وجد المجلد الأول بعد مدة طويلة فقابله كذلك، ولذلك تجده يقول: كذا في فرع اليونينية كهي، ما يقول: كذا في اليونينية بفرعها؛ لأنه قابل كتابه على الفرع.
    المقدم: وبعدين وجد الأصل.
    نعم وبعدين وجد الأصل، أقول: الكتاب له أهمية كبرى لطالب العلم يعنى بالروايات، ومن باب الإنصاف وقفنا على فروق عند الحافظ ابن رجب لا توجد عند اليونيني ولا عند القسطلاني، فروق في الروايات، يدل على طول باعه في هذا الباب، وعنايته بالصحيح -رحمه الله-، إرشاد الساري هذا المطبوع مراراً.
    المقدم: المتقدم منهم ابن رجب يا شيخ؟
    إيه ابن رجب قبل ابن حجر وقبل هذا.
    المقدم: قد يكون هذا لتقدمه وقربه؟
    لا، عرفنا أن عناية القسطلاني يعني بالحرف، يبين الفروق، فروق الروايات، وقبله اليونيني، وهو اعتمد على اليونيني، واليونيني قبل ابن رجب، ومع ذلك ابن رجب وقف على فروق، لا توجد من اليونيني ولا على القسطلاني، فالقسطلاني هذا مطبوع مراراً، يعني إذا عرفنا أن بولاق ما طبعت عمدة القاري، ولا طبعت الكرماني، طبعت فتح الباري مرة واحدة، طبعت القسطلاني الأولى والثانية حجم كبير جداً، الثالثة والرابعة حجم متوسط، بدون حواشي، وبدون هوامش، الخامسة والسادسة والسابعة وعلى هامش القسطلاني شرح النووي على......
    يعني كم طبع في بولاق؟ سبع مرات، طبعته المطبعة الميمنية مرتين، طبع في الهند، وطبع في غيرها من أقطار الدنيا القسطلاني لماذا؟ لأهميته، على أن هذه الشروح لا تسلم من المخالفات العقدية، جل الشراح على عقيدة الأشاعرة -رحمه الله-، ضاق الوقت علنا نتجاوز البخاري إلى مسلم.
    المقدم: طيب هذه تعتبر هي أهم الشروح، يعني إذا استكملها طالب العلم فعنده كنـز عظيم؟
    بلا شك هناك شروح متأخرة كثيرة جداً، هناك (فيض الباري) لأنور الكشميري، وهناك (لامع الدراري) وهناك (كوثر المعالم) شروح لا تعد ولا تحصى للمتقدمين والمتأخرين، يعني لا تحصى شروح البخاري.
    المقدم: طيب نأخذ مسلم يا شيخ؟
    نعم هنا مسلم صحيح مسلم بن الحجاج هو ثاني كتب السنة عند جمهور أهل العلم، وإن قدمه المغاربة مع أبي علي النيسابوري على صحيح البخاري، عني به المغاربة عناية كبيرة، عنوا به أكثر من صحيح البخاري يقول الحافظ العراقي:


    أول من صنف في الصحيحِ *** محمد وخص بالترجيحِ
    ومسلم بعدُ وبعض الغرب مع *** أبي علي فضلوا ذا لو نفع


    علي النيسابوري يقول: "ما تحت أديم السماء كتاب علم أصح من كتاب مسلم" على أنه ينازع في كون كلمة أصح تنفي المساواة، مسألة طويلة الذيول مبحوثة في كتب علوم الحديث، فأقول: صحيح مسلم عني به أهل العلم، وشرحوه شروح كثيرة جداً، لكنها كلها لا تسلم من إعواز، قد يحتاج طالب العلم إلى ما يحل بعض الإشكالات، مع توافر الشروح طول هذه الشروح، المعلن لأبي عبد الله المازري كتاب لطيف في ثلاثة أجزاء وهو بداية باكورة، بداية.
    المقدم: شرح كامل لمسلم؟
    مر على مسلم كله، في الجملة يعني يفوته أشياء كثيرة جداً ما ينبه عليها لكنه الكتاب مختوم ...... هذا الكتاب باكورة يعني ينبغي أن يعنى به طالب العلم من هذا الباب؛ لأن القاضي عياض جاء فأكمله ألف كتابه إكمال المعلم وهو كتاب نفيس اعتمد عليه كثير ممن جاء بعده.
    المقدم: يعني أكمل ما مر عليه المازري بسرعة؟
    الشيخ: نعم أكمل الشرح الأول المعلم للمازري ثم إكمال المعلم للقاضي عياض وهذا الكتاب فيه شيء من البسط ثم إكمال إكمال المعلم للأبُّي وهذا الكتاب فيه فوائد وطرائف وكثير مما يحتاجه طالب العلم مما يتعلق بالكتاب، وهناك أيضاً مكمل إكمال الإكمال للسلوسي، هذه الشروح سلسلة يعني لا يغني بعضها عن بعض.
    المقدم: هل طبعت مجموعة يا شيخ؟
    الشيخ/ هي ما طبعت مجموعة طبع المعلم أخيراً بعد طبع، طبع بعدها كلها، المعلم طبع متأخراً، إكمال المعلم أيضاً طبع أخيراً، طبع قبله إكمال إكمال المعلم للأبُّي، ومعه نفس الطبعة السلوسي مكمل إكمال الإكمال، تصور طبع إكمال إكمال المعلم والمكمل قبل المعلم وإكماله، على كل حال طالب العلم ينبغي أن يعنى بهذه الكتب الأربعة، وإذا انضم إليها شرح النووي على مسلم، وهذا لا يستغني عنه طالب علم على اختصاره كتاب مبارك فيه فوائد وقواعد وضوابط وتحريرات وتحقيقات، لا يستغني عنها طالب العلم.
    المقدم: وهو كامل؟
    كامل إيه، طبع مراراً، طبع في الهند سنة (1270 و1276هـ) وطبع خمس أو ست مرات في الهند إلى سنة سبعين بعد الثلاثمائة وهو يطبع في مجلدين، طبعته المطبعة الكستلية في خمسة مجلدات، وهي من اعتمد عليها أوائل المحققين مثل الشيخ أحمد شاكر وغيره، ثم طبع في المطبعة البهية المصرية في ثمانية عشر جزءاً، في طباعة فاخرة، وهي صحيحة في الجملة، فيها أخطاء، لا تسلم من بعض الأخطاء، كأي عمل بشري لكنها طبعة جيدة.
    شرح النووي يمر في كلمات تدور كثيرة، يسأل عنها طلاب العلم، منها: (قال صاحب المطالع) (قال صاحب التحرير) ينقل بكثرة عن هذين الكتابين.
    المقدم: مطالع الأنوار؟
    (مطالع الأنوار) لابن قرقول، وصاحب التحرير، التحرير شرح صحيح مسلم لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل الأصفهاني.
    المقدم: ينقل عنهما النووي؟
    بكثرة، يقول: حكى صاحب المطالع، وقال صاحب التحرير، وقال القاضي، يعني يعتمد على من تقدم، لكنه النووي له نفس في الكتاب تحريرات وتحقيقات، لا يستغني عنها طالب علم، هناك أيضاً (المفهم فيما أشكل من تلخيص مسلم) للقرطبي.
    المقدم: للقرطبي؟
    الملخص، التخليص للقرطبي.
    المقدم: والمفهم؟
    والمفهم له، اختصر صحيح مسلم، والمقصود بالقرطبي أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي، شيخ أبي عبد الله صاحب التفسير.
    من الطرائف شخص جاءني بقول نسبه لشيخ الإسلام ابن تيمية، قلت له: المصدر؟ قال: تفسير القرطبي، قلت: كيف؟ يقول: قال: شيخنا أبو العباس هذه عبارة يكررها ابن القيم كثيراً، قال: شيخنا أبو العباس، سألت شيخنا أبا العباس، ولقد سألت شيخنا أبا العباس مراراً، رحم الله شيخنا أبا العباس، وهكذا، فجاءني بهذا القول نسبه إلى شيخ الإسلام بأن القرطبي قال هذا، القرطبي المفسر التلميذ قبل شيخ الإسلام.
    المقدم: وهو ينسبه لشيخه أبي العباس أحمد بن عمر؟
    شيخه نعم صاحب المفهم، المفهم له لأبي العباس القرطبي، هذا كتاب من نوادر الكتب، فيه فوائد غزيرة جداً في سائر العلوم، يعني فيه قواعد وضوابط حديثية وفقهية وأصولية، ومن سائر العلوم ما شاء الله، لا يستغني عنه طالب علم، وطبع أيضاً المفهم أخيراً أكثر من طبعة، وهو محقق في رسائل علمية، المفهم محقق في رسائل علمية، علها أن تنشر، وإن كان نشرها فيه شيء من الصعوبة؛ لأن الرسائل سبع أو ثمان رسائل وكل رسالة في ثلاثة مجلدات أو أربعة، يعني يطول الكتاب.
    المقدم: عندكم في الجامعة؟
    إيه نعم في قسم السنة وعلومها عندنا.
    المقدم: كاملاً؟
    كاملاً، والكتاب مثل ما ذكرنا كتاب نفيس، هناك أيضاً فتح الملهم لشرح صحيح مسلم لشبير أحمد العثماني هندي متأخر، من علماء الهند، لكنه لم يكمله، هو أطال فيه النفس، فيه طرائف وفوائد واستطرادات، وأشياء مفيدة تفيد طالب العلم، لا سيما بالنسبة لمسلم؛ لأن مسلم مثل ما ذكرنا هذه الشروح كلها لو صيغت في شرح واحد ما تعدى فتح الباري كلها، ولذا لو انبرى بارع للتنكيت على شرح النووي، يعني على صحيح مسلم وشرحه النووي، ويذكر في مؤلفات أن الحافظ ابن حجر أن له نكت على شرح النووي، والنكت يعني توضح الإشكالات، وتذكر ما أغفله صاحب الكتاب، وتناقشه في بعض قريباً من الحواشي، إلا أن الحواشي تعرض كل شيء، بينما النكت تعنى بالمهمات، فتح الملهم هذا طبعت مقدمته في ثلاث مجلدات كبار، ثم أكمل في ستة مجلدات أخرى، أقول: لا يزال الإعواز في صحيح مسلم قائم، فلو اعتنى طالب علم متمكن بشرح صحيح مسلم من كل وجه، نظير شروح البخاري، أو أقل الأحوال بالتنكيت على أحد هذه الشروح، وذكر ما أهمل، أحياناً في صحيح مسلم يرد إشكالات كثيرة، قال: أبو أحمد، أبو أحمد.
    المقدم: يقوله الإمام النووي؟
    لا، لا، ما هو النووي، في المتن.
    المقدم: في متن مسلم؟!
    تجد تبحث عن أبو أحمد من أبو أحمد؟ إيش هذا؟! كثير من طلاب العلم لا يصل إليه؛ لأنه لا يشير إليه الشراح أبو أحمد الجلودي راوي الصحيح، راوي الصحيح ثم بعد ذلك يسوق الخبر أو بعض الإسناد من غير طريق مسلم؛ لأن مباشرة يقول: قال أبو أحمد، تذهب إلى كتب رجال الكتب الستة فما تجد، فمثل هذه الأمور وغيرها مما اشتمل عليها الصحيح من تنبيهات ولطائف وعلل، يشير إليها الإمام مسلم، وفوائد اصطلاحية لسياق المتون والأسانيد، شيء ما يخطر على البال، يعني لو اعتنى به بارع، وتصدى له وتفرغ له، يعني يطلع عمل جليل، عندنا بعض المقيدات في هذا الباب، لكن نسأل الله -جلا وعلا- أن يعين على الإتمام.
    سنن أبي داود ثالث الكتب الأكثر، سنن أبي داود لسليمان بن الأشعث السجستاني أيضاً عني به أهل العلم حتى قالوا: إنه يكفي المجتهد يكفي المجتهد في أحاديث الأحكام، نعم هو يكاد يكون فيه أحاديث الأحكام، وفي أربعة آلاف وثمانمائة حديث في أحاديث الأحكام، وهي أصح ما وقف عليه أبو داود، وإن ذكر في رسالته لأهل مكة أنه ذكر الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما فيه من ضعف أو وهن شديد بينه، على كل حال كتاب لا يستغني عنه طالب علم، قلنا: إن العناية ينبغي أن تكون في الصحيحين ثم في السنن، الدهلوي له نظر آخر يقول: ينبغي أن يبدأ طالب العلم بسنن أبي داود والترمذي؛ لأن الفائدة منهما أقرب من الفائدة في الصحيحين يعني صحيح البخاري مستواه رفيع، ليس مثل سنن أبي داود فائدته قريبة، أو سنن الترمذي وإن كان في الترمذي إشارات وأشياء تحتاج إلى عناية، الدهلوي يقول: "ينبغي أن يعنى طالب العلم في البداية بسنن أبي داود والترمذي، ثم في البخاري ومسلم، ثم للنسائي وابن ماجه على هذا الترتيب" وإن كانت الأولوية عند أهل العلم البخاري ثم مسلم ثم أبي داود ثم الترمذي ثم النسائي ثم ابن ماجه.
    أقول: سنن أبي داوود بهذه المثابة هو ثالث كتب عند الأكثر، عني به أهل العلم، فمن أول من شرحه أبو سليمان الخطابي في كتاب أسماه (معالم السنن) وهذا الكتاب على أنه مختصر إلا أنه شرح مبارك، فيه فوائد وطرائف ولطائف وأشياء يحتاجها طالب العلم، ولا يستغني عنها من يعنى بسنن أبي داود.
    المقدم: نفس شارح البخاري؟
    نعم.
    المقدم: لكن أعلام السنن، وهنا معالم السنن؟
    نعم لكنه ذكرنا أنه طبع تبعاً لأكثر من نسخ ليس من أعلام الحديث، معالم السنن لأبي سليمان الخطابي طبع في حلب الطبعة الأولى في أربعة أجزاء، ثم طبع بعناية الشيخ أحمد شاكر ومحمد حامد الفقي في ثمانية أجزاء، مع المختصر للمنذري ومع التهذيب لابن القيم، فالمعالم على اختصاره كتاب ينبغي أن يعنى به طالب العلم.
    هناك أيضاً شرح لابن رسلان أحمد بن الحسين الشافعي، شرح حافل مشحون بالفوائد لا سيما ما يتعلق بالفقه وأصوله وقواعده، فنسأل الله -جل وعلا- أن ييسر نشره لأنه محقق، وجاهز للنشر في رسائل علمية، أما النشر العام فلم يتيسر إلى الآن، شرح العيني هو شرح جيد إلا أنه ناقص.
    المقدم: العيني؟
    العيني.
    المقدم: شارح للبخاري؟
    نعم لبدر الدين شرح البخاري لكنه ناقص، وطبع ما وجد منه في خمسة مجلدات أو ستة.
    ومن هذه الشروح بل من أهمها (عون المعبود) شمس الحق العظيم أبادي، شرح متوسط، مطبوع في أربعة مجلدات كبار في الهند، هذه الطبعة جميلة ونفيسة، إلا أنها مثل ما ذكرنا عن الطبعة الهندية لفتح الباري لأن من لم يتعود على الحروف الفارسية تصعب عليه، طبع بعد ذلك في طبعات المطبعة السلفية في المدينة عن الطبعة الهندية، وطابعه لم يعرف أن يقرأ تلك الحروف الفارسية، فتصحف عليه كثير إلا أن طبعته لعون المعبود أمثل من طبعته لتحفة الأحوذي مثلاً، هنا الشخص نفسه وطبعته لتحفة الأحوذي أمثل من طبعته للموضوعات لابن الجوزي، وطبعته للموضوعات لابن الجوزي أمثل بكثير من طبعته لفتح المغيث للسخاوي.
    المقدم:.... نطلع على الطبعة الفارسية الحروف....؟
    نعم هو طبع عون المعبود طبع في الهند وأخذ عنها، تحفة الأحوذي طبع في الهند وأخذ عنها، فتح المغيث للسخاوي طبع في الهند وأخذ عنها، هذا الرجل لا علاقة له بالعلم الشرعي؛ لكنه نشر بعض الكتب بمشورة من صاحب المكتبة السلفية، عون المعبود هذا كتاب متوسط، نفس المؤلف حديثي، لا ينحاز إلى أي مذهب من المذاهب، ولذا وفق لكثير من مباحثه، يُعنى بتخريجات المنذري، وتصنيفات ابن القيم، وتعديل الأحاديث، ونقل عن فتح الباري وغيره من الشروح، شرح وسط، يعني يفيد منه طالب العلم، ولا يظهره بطوله.
    (بذل المجهود) للسهارنفوري كتاب مطبوع أيضاً في عشرين جزءاً؛ لكنه يختلف عن عون المعبود عون المعبود يشرح الحديث بنفس أهل الحديث، لا ينحاز إلى مذهب؛ لكن هذا صاحب هذا المجهود ينحاز إلى مذهب أبي حنيفة، فلا شك أنه وجه بعض الأحاديث أو كثير من الأحاديث لخدمة المذهب، والكتاب لا يخلو من فائدة، فيه فوائد كثيرة جداً، ولا يمكن بالنسبة لسنن أبي داود يستغني عنه طالب العلم لطوله وكثرة مباحثه.
    هناك (المنهل العذب المورود) للشيخ محمود خطاب السبكي، المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داوود، هذا الكتاب أنجز منه مؤلفه عشرة أجزاء، وطريقته ترتيب المواد شرح على الفنون، كما فعل العيني في عمدة القاري، شرح مرتب، وفيه طول إلا أنه لم يكمل، وشرح منه عشرة أجزاء، وشرع ابنه أمين بن محمود خطاب السبكي في إكماله، وخرج للابن أيضاً ستة أجزاء، ويقال: أنه أكمله، أو قارب من إكماله.
    المقدم: نستأذنك يا شيخ معنا اتصال هاتفي من فضيلة الشيخ الدكتور عبد الله البراك.
    تفضل السلام عليكم.
    المتصل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
    المتصل: إذا سمحت لي وسمح لي شيخنا عبد الكريم.
    المقدم: تفضل يا شيخ.
    المتصل: في تنبيه أثناء استعراضكم لهذه الشروح أن يعقب ويعلق على مشورة فضيلتكم.
    شيخنا كما لا يخفى عليكم أن الحفاظ على التراث وحراسته من العبث والتلاعب أمر واجب ولازم، وكما لا يخفى على فضيلتكم ما أكثر أن يقول بعض الناشرين: قام بتحقيقه لجنة من العلماء بإشراف الناشر، أو يعني هناك من يستل فصل وينشره باسم المؤلف، ويكون هذا الفصل أو هذا المؤلف لأحد الكبار، وكما سماهم فضيلة الشيخ بدر -حفظه الله- ....... الكتب، هناك من يعبث باسم الاختصار أو الانتقاء، ويدعي تنقيح الكتب من الأحاديث الضعيفة، الأساليب تعددت والعبث واحد، أرجو من فضيلة الشيخ، وهو شيخنا في مثل هذه الأمور والمسائل، جزاه الله خيراً توجيه رسالة من فضيلته لطلاب العلم حول هؤلاء العابثين، وما رأي الشيخ لو جعلت لجنة لحفظ التراث من العبث، ونقد العابثين تصريحاً لا تلويحاً، بودي أن نستمتع بوقت الشيخ أولاً يعلق على هذا الكلام.
    المقدم: شيخنا عبد الكريم سمعت كلام الشيخ عبد الله، لك سؤال قبل أن ننهي مكالمة الشيخ عبد الله.
    كلام الشيخ عبد الله واضح ومفصل في مكانه أيضاً، وفضيلة الشيخ عبد الله على ما أبداه من ملاحظة ينبغي العناية بها.
    المقدم: جزاك الله خير شيخ عبد الله.
    أما بالنسبة للعبث بالتراث فحدث ولا حرج، بعضهم يكتب ضبط وتحقيق، وهو في الحقيقة مسخ وتحريف، والأمثلة كثيرة على هذا، بعضهم يتصدى للتحقيق وهو لا يعرف من العلم الشرعي شيئاً، يعلق على حديث ابن عمر في طلاقه لزوجته: ((مره فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض...)) إلخ، يقول: "هكذا كان الحكم لما كانت العدة قبل الطلاق" هلوسة، بعضهم كتب: تحقيق وتعليق، تصفحت الكتاب ما فيه ولا كلمة تعليق، إلا ترقيم لبعض الآيات، وجاء في الأخير في جدول الخطأ والصواب، هو كاتب الخطأ (تحقيق وتعليق) صواب تحقيق وشرح، هذا عبث، وضحك على الناس، فمثل هذا ينبغي أن توجد لجنة تؤدب أمثال هؤلاء، وتحذر من صنيع هؤلاء، وتوقف هؤلاء عند حدهم.
    العبث بالتراث من جهة أخرى وهي الاختصار، يعني السطو على كتب أهل العلم بالاختصار ممن لا يحسن، يعني نوصي بعض طلابنا باختصار الكتب لماذا؟ لأن الاختصار وسيلة من وسائل التحصيل، ونوصيه بذلك للانتفاع لا للنفع، يعني طال عليك فتح الباري، وصعبت عليك معلوماته، وتشتت في ذهنك بإمكانك أن تختصر؛ لكن ما تخرج إلى الناس بمختصر فتح الباري كما خرجت بعض المختصرات التي أساءت إلى الكتاب، حذفت أهم مهماته الجوانب المشرقة، واختصر على ما يريده من كلام غث، وأدخل فيه ما ليس منه وغيره، المقصود أن العبث بالتراث على أشده، ولا يوجد جهة تحد من هذا العبث إلا أن يتصدى أهل العلم بالتحذير من هؤلاء في دروسهم العامة والخاصة بالتصريح.
    المقدم: بالتصريح كما يقول الدكتور عبد الله.
    ويش المانع؟ ما فيه ما يمنع أبداً؛ أنه إذا عرف فلان بهذا يصرح به، ورأينا من كتب في الصحف في الأيام الأخيرة من انتحل كتاب هو لغيره موجود، المقصود أن مسألة الاختصار قد يكون الكتاب فيه حشو كثير، ويتولاه طالب علم متمكن ليقرب الفائدة من هذا الكتاب، الاختصار مسلك ونوع من أنواع التصريح بشرطه، ليس معنى هذا أنه لمجرد أن يقال: فلان اسمه يدور في المكتبات هذا مكثر من التصريح هذا غلط، هذا عبث، هذه حقيقة مرة إذا كان هذا هو الهدف؛ لكن إذا رأى أن هذا الكتاب الكبير فيه فوائد عظيمة لا يمكن أن يستغنى عنه، إلا أنه يحول دون الاستفادة منها طول الكتاب لا مانع، الحافظ ابن حجر اختصر كثير من الكتب، ونفع الله بمختصراته، وإن كان بعض الناس يلمزه بهذا، وأنه طمس معالم الكتب، ونسبها إلى نفسه المقصود أن له حساد، ولا شك أن شهرة الحافظ ابن حجر غطت على الأصول، يعني كتابه التلخيص الحبير لا يكاد يذكر عند أصله البدر المنير بفائدة، ومع ذلك تأخر طبع الأصل لانتشار الفرع، وشهرة الحافظ ابن حجر، وقل مثل هذا في بقية مختصراته، لكن ما يمنع أن يكن ينبري عالم مدرك يميز بينما يحتاجه طلاب العلم، وما لا يحتاجونه بين بسط السمين، ويهذب بعض الكتب؛ لكن هذا ليس على إطلاقه، ينبغي مثلما تفضل الدكتور أن تشكل لجنة لحفظ التراث من العبث، وبداية قبل تشكيل هذه اللجنة، ينبغي على أهل العلم أن ينبهوا، وما تكاد تنظر مناسبة في دروسنا إذا رأينا كتاب بيد طالب من الطلاب نلاحظ على طبعته بعض الأشياء ننبه عليها في وقته في الدروس في المسجد، نقول: يا أخي إيش الطبعة التي معك؟ إذا قال: كذا، ننبه عليه، بعض الكتب أعرفها من مجرد حجمها، أو من لونها، أنبه على ما فيها من خلل؛ فالتنبيه أمر في غاية الأهمية، لا سيما وأن المطابع الآن تزف إلى الناس المئات بل الآلاف من الكتب، فلا شك أنه يحير طلاب العلم، فلا بد من ترشيد هذا الأمر وصيانته.
    مسألة الاستلال الأخذ من الكتب كتاب راج في الأسواق (بداية الخلق) وما فيه أي مظهر من مظاهر التحقيق بل فيه تحريف (بداية الخلق) هذا مأخوذ من البداية والنهاية، من أول البداية والنهاية، هذا نسبه لنفسه، بداية الخلق لابن كثير عناية فلان، ليروج الكتاب، يبحثون عن بداية الخلق لابن كثير، وهو من البداية والنهاية، قصص الأنبياء للحافظ ابن كثير من البداية والنهاية، السيرة النبوية للحافظ ابن كثير من البداية والنهاية وهكذا، إن كانت هناك مزيد عناية للمستل، يعني هذا الشخص الذي استل هذه المادة من هذا الكتاب متكاملة.
    المقدم: كما يفعل في فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية تستل وتحقق وتخرج بعناية جيدة.
    نعم إذا كان هذا من أجل خدمة هذه المادة، وشدة حاجة الناس إليها من بين هذه الموسوعة الكبيرة، هذا هدف صحيح، والأمور بمقاصدها، يعني بعض المحققين يقول: "لم أقف على هذه الآية الشريفة أو الكريمة في المصحف الشريف" وهو حديث قدسي قال الله تعالى، يعني هذا محقق، هؤلاء هم السراق، يعني إذا كان بعض الرواة يطعن بأنه يسرق الحديث، هذا يسرق، هذا ينتحل، هذا يتقمص.
    المقدم: وهذا موجود يا شيخ الذي قال هذا؟
    موجود نعم.
    المقدم: ومطبوع هذا الكتاب؟
    في كتاب مطوبع، ملاحظة طيبة من الدكتور عبد الله، ولفتة كريمة من أخ كريم، وقد عرفناه طالباً، ثم زميلاً، ثم أستاذاً من النابهين فيما نحسبه.
    (المنهل العذب المورود) قلنا: أنه للشيخ محمود خطاب السبكي، أبدع في ترتيبه، وجمع المادة العلمية من المصادر التي يعتمد عليها في الباب، ولم يكمله، قام ابنه بإكماله، صدر من الأصل عشرة أجزاء، ومن التكملة ستة، وفي طريقه أيضاً إلى تتميمه.
    هنا كتاب ليس بشرح حقيقة؛ لكنه لا يستغني عنه من يعاني سنن أبي داود ويعنى بسنن أبي داود هو: (تهذيب السنن لابن القيم) كلامه منصب على بيان علل الأحاديث، بنفس الأئمة الكبار المتقدمين، إذا عرض لحديث قيم جميع ما قيل فيه، وما فيه من علل، وكثير منها من استنباطات وإدراك للعلل وأخذها، فهو إمام في هذا الباب، يتكلم عن علل حديث واحد في عشرين ثلاثين صفحة، يسيل واديه، كما يقال: حتى يملأ الخوابي، ويبلغ الروابي -رحمة الله عليه-، نقتصر على هذا في الحديث سن أبي داود.
    هناك حواشي على أهل السنن، مثل حاشية السيوطي (مرقاة الصعود) هناك شخص مغربي اسمه البجمعوي، السيوطي له شروح مختصرة جداً على الكتب الستة، فقام هذا المغربي البجمعوي فاختصر هذه الشروح، فالتوشيح على جامع الصحيح للسيوطي في مجلد على صحيح البخاري، شرح مختصر جداً، جاء هذا فقال: (روح التوشيح) فاختصر هذا المختصر، للسيوطي (الديباج) في مجلد صغير على صحيح مسلم، جاء البجمعوي هذا فاختصره في (وشي الديباج على صحيح مسلم ابن حجاج) وهكذا (مراقاة الصعود) للسيوطي قال: (درجات مراقاة الصعود) فاختصره، وهكذا على بقية الكتب الستة، هي الحواشي على الكتب الستة مطبوعة في ستة أجزاء صغيرة.
    المقدم: إذن قبل أن نترك سنن أبي داود نستأذنك في هذه المداخلة فضيلة الشيخ، معي الأستاذ خالد الشنيبر، أستاذ خالد.
    المتصل: السلام عليكم ورحمة الله.
    المقدم: السلام ورحمة الله وبركاته تفضل.
    المتصل: حياك الله يا شيخ.
    المقدم: حياكم الله تفضل.
    المتصل: أنا والله أهنيء البرنامج على استضافة الشيخ عبد الكريم، نسأل الله أن ينفع به، باختصار أنا عندي نقاط: لفت نظري خاصة بالناحية الحديثية في الزمن هذا في السنوات الأخيرة.
    الأولى: لاحظنا يا شيخنا أن الكتب التي بدأت تخرج في الآونة الأخيرة، بدأت كما يسمونها موضة إطالة الحواشي في التخريج، فأصبح يخرج حتى من الأجزاء الحديثية التي لا يكاد يعرفها كثير من طلبة العلم، وأصل الحديث أصله موجود في الصحيحين، فأصبحت الكتب بدلاً أن تخرج في مجلدين مثلاً، تخرج علينا في أربعة أو ستة مجلدات، مما يثقل كاهل طالب العلم، مما أيضاً لا تكن فيه فائدة كبيرة، هذه النقطة الأولى يا شيخ.
    المقدم: سواء كان رسالة علمية أو غير رسالة علمية يا أستاذ خالد؟
    المتصل: لا، لا، يعني أحياناً الرسالة العلمية لها ظروفها؛ لكن أحياناً الرسالة العلمية لها دورها؛ لأن الرسالة العلمية كرسالة لها ظروفها الخاصة؛ لكن يبقى النشر الذي لاحظناه في الأسواق الآن الأخيرة، تركز على إطالة الحواشي مع أنها ما نستفيد منها كثيراً، بل ربما تشتت الأفكار عن قراءة كتب الإمام التي نقرأها، هذه هي النقطة الأولى.
    النقطة الثانية: يا شيخنا أيضاً: ظاهرة أخرى هي بدأت في الآونة الأخيرة، هي البحث في القصص الموجودة عن السلف من التابعين ومن بعدهم، أحياناً لا ينبني عليها أي حكم فقهي، فتبدأ ظاهرة تضعيف هذه القصص، وليت هذا يقف عند هذا، بل جعل من يورد هذه القصص من الجهال بعلم الحديث، مع أنه أقول مرة أخرى: لا ينبني عليها حكم شرعي، بل أحياناً هي من المرققات، ومن الأشياء التي تذكر، فهل هذا المنهج يا شيخ خاصة في الآونة الأخيرة التي ظهر هل هو منهج سليم يتبع؟ أو أنه منهج متشدد في الناحية هذه؟ فنرجو أن نسمع رأيكم في الحقيقة.
    أخيراً يا شيخ وهو رجاء لك، نشاهد إلمامك يا شيخ في كتب الحديث، وإلمامك بطباعتها، فهلا أتحفتنا بشرح أحد كتب السنة، لعل الله أن ينفع به بعد مماتك، وأنت تعرف أن هذا من الأشياء التي ينتفع بها العبد إذا مات ووسد التراب، وجزاكم الله خيراً.
    المقدم: جزاك الله خيراً، وشكراً للأستاذ خالد، شكراً جزيلاً، المتصل الأخ خالد عنده قضية تحدث عن الكتب التي تخرج في الآونة الأخيرة، وفيها إطالة الحواشي في التخريج؟
    شكراً للشيخ خالد على هذه اللفتة الكريمة، أما بالنسبة لإطالة الحواشي والتخريج بالرجوع إلى الأجزاء والمعاجم والمشيخات والكتب التي هي غير مشهورة وغير متداولة بين الناس مع أن أصول هذه الأحاديث موجودة في الكتب المتداولة المشهورة، فنقول: قبل ذلك هذا خلل في التحصيل، فتجد بعض طلاب العلم مغرم بهذه الأجزاء والمعاجم والمشيخات، يحفظ زوائدها، ويخرجها، ويحققها، مع أنه من أجهل الناس بالبخاري مثلاً، لا شك أن هذا خلل، خلل في المنهجية، يعني عندنا علم عظيم في الصحيحين، يجهل كثير من طلاب العلم ما يحويه صحيح البخاري من دقائق العلوم، وصحيح البخاري كتاب الإسلام بحق بعد كتاب الله، يعني جمع أبواب الدين كلها، فتجد طالب العلم من باب الإغراب تميل إليه النفس.
    المقدم: لكن أنتم مثلاً تهتمون في الدراسات العلمية العالية بهذا أثناء التحقيق؟
    مثل ما تفضل الأخ الشيخ خالد أن هذه الرسائل العلمية لها ظروفها، فهذه ورقة اختبار، يعني بقدر اطلاع الطالب، وسعة اطلاع على هذه الكتب المشهورة وغير المشهورة ينبل ويبرع؛ لكن إذا تجاوز هذه المرحلة أو ما ألزم بهذه الأمور، ينبغي أن تكون الأولويات، يعنى بالصحيحين قبل كل شيء، ثم بعد ذلك في السنن، ثم المسانيد أهل العلم عندهم ترتيب، يعني تصور مسند الإمام أحمد بعد سند ابن ماجه في الترتيب، مع أنه في قوة الأحاديث في مصاف سنن أبي داوود، لماذا؟ لأن لهم نظرات دقيقة يقدمون الصحيحين، ثم كتب الصحاح الأخرى التي ما ألتزم أصحابها بما اشترطوا، كصحيح ابن خزيمة وابن حبان ومستدرك الحاكم، ثم السنن، ثم بعد ذلك المسانيد.


    وبعدها في رتبة ما جُعلا *** على المسانيد فيُدعى الجفلا



    نعم ليش؟ لأن هذه المسانيد ألفَّها أصحابها على أسماء الروات على الصحابة؛ فالذي يصنف على السنن ماذا يصنع؟ يترجم بحكم شرعي، باب حكم كذا، باب جواز كذا، باب تحريم كذا، فهو إذا أراد أن يرشح لهذا الحكم من مروياته سوف يرشح أقوى ما عنده من رواية، بينما إذا ترجم للصحابة أحاديث أبي بكر الصديق، أحاديث عمر، أحاديث عثمان إلى آخره، يأتي بجميع ما وقف عليه، أو بما وقف عليه من أحاديث هذا الصحابي، بغض النظر لأنه لا يستدل لحكم شرعي ترجم به، ولذلك تأخرت مرتبة المسانيد عن مرتبة السنن، هذه أولويات أولاها أهل العلم عناية فائقة، فكون الطالب يذهب إلى جزء الألف دينار مثلاً، أو مشيخة النعال، أو مشيخة فلان أو علان، وهو جاهل في صحيح البخاري هذا إغراب، هذا خلل في المنهجية.
    المقدم: تكلم عن البحث عن القصص الموجودة عن السلف والتابعين ومن بعدهم؟
    هناك قصص يذكرها السلف، وتذكر عنهم واعتمدوها، لا لبناء الأحكام عليها، وإنما هي من باب حفز الهمم، نعم ينقل عن السلف في العلم والعمل والعبادة والتعب والسهر في هذا الباب، مما يشحذ همة المتأخرين لمحاكاتهم، وسلوك سبيلهم، نحن بحاجة إلى أن نبحث إلى صحة هذا الخبر عن فلان أن نعتمد على هذا، لو لم يكن في الباب إلى هذا لقلنا: بدعة، لو لم نعتمد على الكتاب والسنة، فهذا لا شك أنه من المنشطات، تعدى الأمر ذلك فصاروا يبحثون في أسانيد كتب مستفيضة مشهورة عند أهل العلم، لكن لقصورهم أو تقصيرهم ما وجدوا من الأسانيد ما يثبتونه بها، فجرئوا على أن ألفوا هذه الكتب، فهذه مشكلة، تتابع أهل العلم، واستفاض النقل عنها منسوبة إلى من نسبت إليه، ثم يأتينا من يقول: هذا الكتاب لم تثبت نسبته إلى فلان، لماذا؟ ما وجد سند يوصله إلى فلان، يعني الاستفاضة أمر معمول به عند أهل العلم، يعني يقطع بشهادة الاستفاضة بين الناس في الأنساب، فكيف لا تثبت بها الكتب التي ينقل عنها الأئمة الثقات الأعلام أهل الخبرة والدراية المميزون بين ما يثبت وما لا يثبت؟ فتتبع مثل هذه، والتنبيه عليها لا شك أنه من الفضول، ومثل هذا لا شك أنه يعوق عن تحصيل المهمات.
    أما بالنسبة لما طلبه ورجاه من شرح كتب تختص بالسنة، هذا النية موجودة، وهناك أيضاً أشرطة كثيرة لأبواب من صحيح البخاري وصحيح مسلم للسنن وغيرها من كتب السنة لبلوغ المرام وغيرها من كتب الأحكام، ويحرص الطلاب على تفريغها وتصحيحها وتصويبها؛ لكن أنا غير مقتنع من تفريغ الأشرطة ونشرها بالكتب لأن التأليف فن.
    المقدم: طيب تراجعونها يا شيخ.
    لا أنا عندي التأليف ابتداءً أسهل من مراجعة ما كُتب، التأليف فن، والإلقاء فن آخر، نعم بعض الناس عنده ملكة على الإلقاء، وترتيب للمعلومات بحيث يقرب جداً من الكتابة مثل هذا لا بأس، الشيخ ابن عثيمين مثلاً، الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله-، يعني إلقاؤهم قريب من التأليف، كلامهم دقيق ومرتب، معالي الشيخ صالح آل الشيخ كلامه دقيق ومرتب، لو فرغ لخرج في كتاب، أما بعض الناس أقول: أنا أتحدث عن نفسي ما يسجل عني في الدروس لا يصلح للنشر كتابة يقبل سماعه، أنا أنا نفسي لا أقبله، ولا أطيق أن أقرأ ما يفرغ، أما مشروع التأليف والجلوس بين الكتب والتأليف هذا لا شك أنه هم.
    المقدم: لكن هل بدأت في شيء منه؟
    بدأت لكن الكلام على الوقت؛ لأن من تصدى للشباب، وحاول في نفعهم، يعني ما يتركون له فرصة، وإن كان باب التأليف مهم، وهو الباقي -بإذن الله عز وجل-، ونسأل الله -جل وعلا- أن يرزق الجميع الإخلاص في القول والعمل.
    المقدم: سنن الترمذي يا شيخ؟
    نعم نعود إلى جامع أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي، وهو من الجوامع؛ لأن كتب السنة منها الجوامع التي تشمل أبواب الدين، ومن أهمها البخاري ومسلم والترمذي، منها: السنن، ومن أهمها سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه، ومنها: المصنفات كمصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق، وهي قريبة في مادتها وترتيبها من السنن، إلا أنها لكثرة ما فيها من آثار تختلف عن كتب السنن، منها أيضاً الموطئات، منها المعاجم، منها المسانيد إلى غير ذلك من الكتب.
    جامع أبي عيسى الترمذي أحد الجوامع التي تشتمل على أبواب الدين، وعني به العلماء عناية فائقة لكثرة ما يحويه من أحاديث ومن علوم ومعارف في السنة، ومن تنبيهات اصطلاحية، ونقل لأقوال أهل العلم، وذكر لشواهد الحديث المذكور، يعقب الترمذي على الحديث الذي يرويه بقوله: وفي الباب عن فلان وفلان وفلان هذه شواهد الحديث، يعنى به الشراح، ويخرجونها، ونعرض لبعض هذه الشروح.
    المقدم: طيب نستأذنك قبل أن نعرض لبعض شروح سنن الترمذي معنا اتصال من الشيخ عمر المقبل.
    شيخ عمر السلام عليكم.
    المتصل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
    المقدم: أهلاً بك، تفضل يا شيخ.
    المتصل: جزاكم الله خيراً شيخ عبد الكريم.
    الشيخ: مرحباً الله يحييك.
    المتصل: حياكم الله.
    الشيخ: الله يحفظك.
    المتصل: وبارك فيكم.
    الشيخ: جزاك الله خيراً.
    المتصل: شكر الله لكم مثل هذا البرنامج المفيد، ونأمل من فضيلتكم المزيد، وليت مثل هذا -بارك الله فيكم- يدوم ويكتب لينتفع به الحاضر، ومن يأتي من الأجيال بإذن الله تعالى.
    شيخ عبد الكريم إذا أذنتم لنا مثل هذه الثروة الطباعية التي تعيشها الساحة اليوم حتى لو قال قائل: أنه لو دخل المكتبة يومياً لوجد جديداً، يعني أليس هناك نية على العمل على إيجاد مركز معلومات يعتني بالرصد الدقيق لما نشر قديماً، وما ينشر حديثاً، بحيث يستخدم في هذا كل إمكانيات التي تراها ممكنة لخدمة الباحثين، ولعل هذا فيه معالجة لمشكلة تعرضت لها شيخنا الفاضل في الحلقة السابقة قبل أسبوعين، وهي الطبقة الحاصل من بعض طلاب العلم في تتبع الطبعات، التي قد لا يكون من جمعها كثير فائدة، وفي الوقت نفسه أيضاً تزيد حاجة المعوزين من طلاب العلم الذين لا يستطيعون شراء ما يريدون، ولعل أيضاً في إيجاد هذا المركز يكون فيه مساندة مع العمل الذي يقوم به شقيق الخلاوي في ثمرات المطابع؛ لأنكم تعلمون أن الإنترنت ليس كل الباحثين يستطيعون التعامل معه، بل بعضهم أيضاً وليسوا بالقليل لا يحسنون التعامل مع هذه الوسيلة.
    المقدم: هل ترون أن القيام بها مؤسساتي أولى؟
    المتصل: بلى، لكن في تقديري أنه إذا تنادى المهتمون بهذه الجوانب مثل شيخنا بارك الله فيه، ونفع الله به، يسعى لتبني مثل هذا، وقد تكون تحت مظلة إحدى هذه.......، يكون فيه تبادل معلوماتي قوي ودقيق، يسهل هذا بحمد لله.
    بعد إذنكم في نقطة أخرى يا أبا ياسر، ما أدري مسألة توثيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه، يعني نلاحظ هناك إغراق من بعض الباحثين أو إطالة إن صح التعبير تعني في ذكر ذلك، ربما يكون الكتاب مشهوراً لمؤلفه حتى لا يحتاج إلى هذا، فما أدري ما ضوابط ذكر مسألة توثيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه؟ هل هذا من الترف؟ أو أنه للحاجة في بعض المواطن وفي بعض المواطن لا؟
    شكر الله لك شيخنا، وشكر الله لكم أبا ياسر، أنتم فاتحة هذه البرامج، وإدارتكم لها.
    المقدم: شكراً للشيخ عمر المقبل، تعليقكم شيخ عبد الكريم.
    جزى الله أخان الشيخ عمر على ما قدمه خيراً، أما بالنسبة للمركز، مركز المعلومات والرصد، ونفع الباحثين، وتمييز الغث من السمين هذا مطلب لا شك أنه ملح، ويحتاجه طلاب العلم، ومثل ما تفضلتم هو ينبغي أن تتبناه جهة رسمية؛ لكن هذه الجهات إذا اقترح عليها تحتاج إلى من ينبهها إلى مثل هذه الأمور، ولا تتأخر -
    إن شاء الله تعالى-، بالنسبة للتوثيق نسبة الكتاب إلى مؤلفة، هذا لا شك أنه إذا كان الكتاب مطبوع لأول مرة، وغير مشهور، فلا بد من التوثق من نسبته إلى مؤلفه، ووجد وطبعت كتب نسبت إلى غير مؤلفيها (الفوائد المشوقة إلى علوم القرآن) هذا نسب لابن القيم، وما فيه من مادة...
    المقدم: على اعتبار أن له كتاب اسمه (الفوائد) يا شيخ؟
    له كتاب الفوائد بلا شك؛ لكن الفوائد المشوقة إلى علوم القرآن كله مبني على المجاز.
    المقدم: والمجاز لا يراه ابن القيم.
    صنم، سماه صنم، أو طاغوت، سماه طاغوت، هذا يختلف تماماً عن نفس ابن القيم (أخبار النسب) نسب لابن القيم وليس لابن القيم، المقصود أن هناك كتب نسبت إلى غير مؤلفيها، كتب لمؤلفيها سميت بأسماء كتب أخرى، لا بد من التثبت، التثبت لا بد منه؛ لكن الزيادة التي تطغى على المقاصد هذه لا شك أنها مهمة؛ لكنها تطغى على المقاصد، تعوق دون تحصيل الفائدة، وتشغل حيز كبير من الكتاب، ومجرد ما تثبت نسبة الكتاب إلى مؤلفه بالطرق المتبعة عند أهل العلم يكفي.
    المقدم: جامع الترمذي نعود إليه يا شيخ.
    جامع أبي عيسى الترمذي من الجوامع المعروفة المشهورة عند أهل العلم، عني به العلماء قديماً وحديثاً، له شروح كثيرة منها: (النفح الشذي) أو قبله (عارضة الأحوذي) لابن العربي المالكي، عارضة الأحوذي هذا كتاب جيد متوسط الحجم لأبي بكر ابن العربي المالكي، يعنى بالمسائل الفقهية وإن كان لا يغفل بعض الكلام اليسير، المختصر على لطائف الإسناد، وما أشبه ذلك، لكن سوء الطباعة، سوء طباعة الكتاب حال دون الإفادة منه، طبع بمطبعة الصاوي والتازي طباعات سيئة للغاية، وعندنا في نسختنا، يعني التصويب أكثر من الكتاب، فيه إسقاط أحاديث وشروح، فيه إدخال كلام ليس لابن العربي، فيه إقحام لكلام ليس للترمذي، الشيخ أحمد شاكر لما أرادوا طباعة الكتاب استعار نسخته من جامع الترمذي، الشيخ أحمد شاكر له تعليقات على نسخته، أدخلوا فيه جملة من الأحاديث أدخلوها في الكتاب، ومن هذا تعرف قيمة هذه الطبعة، الكتاب لو يبحث عن نسخ له، يعني عارضة الأحوذي يبحث عن نسخ له ويحقق ويخرج على مراد المؤلف، ويعلق على ما فيه من مخالفات عقدية يسيرة، لكان الكتاب يسد ثغرة، وإن كان لا يفي بالغرض التام، لكنه نافع فيه فوائد ولطائف لابن العربي، لا توجد عند غيره.
    هناك أيضاً كتاب اسمه (النفح الشذي) لابن سيد الناس، وهذا من أنفع الشروح وأمتعه وأنفسه، هذا الكتاب لم يكمله ابن سيد الناس أكمله الحافظ العراقي، سعى في إكماله، ولابنه أبي زرعة تكملة، والسخاوي له تكملة، المقصود أن هذا الكتاب أبدع فيه ابن سيد الناس، وأيضاً لا يقل دونه إبداع الحافظ العراقي.
    المقدم: أكمله بنفس الاسم؟
    إيه طبعاً تكملته، لكنه لم يطبع منه سوى جزأين، بتحقيق الأستاذ البارع الشيخ أحمد معبد، دكتور من خيار من عرفناهم، أهل هذا الشأن.
    المقدم: كان في المملكة؟
    كان عندنا في قسم السنة، نفع الله به نفعاً عظيماً، يعني من نوادر الرجال.
    المقدم: وهو يشرف الآن فيما يبدو على المكنـز الإسلامي لخدمة السنة؟
    بعد ما راح حقيقة أنا قصرت في حقه، لما انتقل إلى مصر قصرت في حقه كثيراً، المقصود أن الشيخ أخرج المجلد الأول والثاني، وأطال النفس في التعليقات، أطال النفس جداً، وليست من نفس التعليقات التي ترهق الكتاب، مثل تعليقات بعض الناس التي هي مجرد نقل من كتاب إلى كتاب، ينقل التهذيب إلى حاشية كتاب كذا ينقل التقريب.. المهم يفرغ كتاب من كتاب، الشيخ له وقفات، وله لمسات، وله تحقيقات لا توجد عند غيره، وهو من أهل هذا الشأن؛ لكن إطالته بهذه الطريقة يعني في ترجمة الراوي يذكر سبعين صفحة لابن إسحاق مثلاً تعليق، طالب العلم بحاجة إلى أن يكون هذا الكتاب بحث مستقل عن ابن إسحاق، ومثل هذه الاستطرادات رغم أهميتها وجودتها وأهمية يعني إمامة الشيخ أحمد في هذا الباب لا شك أنها تعوق دون إخراج الكتاب، جزأن من سنين لم يخرج الثالث، وإن كانوا يقولون من سنين الثالث في الطريق؛ لكن ماذا عن الرابع والخامس والعاشر والحادي عشر، بهذه الطريقة يمكن يصير خمسين أو ستين مجلد، والله المستعان.
    على كل حال الكتاب يفاد منه من شرح ابن سيد الناس لجامع الترمذي، ومقدمته أيضاً -مقدمة ابن سيد الناس- فيه لفتات واختيارات اصطلاحية لا توجد عند غيره، نقل كثير منها إلى كتب المصطلح.
    أيضاً هناك (تحفة الأحوذي) للمباركفوري، تحفة الأحوذي كثير من طلاب العلم ممن لا يُعنى بجمع كل ما كتب حول هذه الكتب، يقول: إذا أردت أن أقتني واحد، أقتني عارضة الأحوذي أم تحفة الأحوذي؟ نقول: تقتني تحفة الأحوذي؛ لأنه وفَّى بعناصر الشرح المطلوبة، ابن العربي قد تجد حديث ما شرح، قد تجد حديث شرحه مبتور، قد يكون مرد هذا إلى النسخة التي اعتمد عليها وسوء الطباعة، لكن على الوضع القائم تحفة الأحوذي أفضل بكثير، ويعنى أيضاً المباركفوري بتخريج الأحاديث التي أشار إليها الترمذي بقوله: "وفي الباب".
    هناك أيضاً من مختصرات السيوطي على هذه الكتب يعني شروح مختصرة جداً (قوت المغتدي على جامع الترمذي) والمختصر الذي أشرنا إليه سابقاً (نفع قوت المغتدي).
    أيضاً تعليقات الشيخ أحمد شاكر على جامع الترمذي، لا يستغني عنها طالب علم، وهي أيضاً منهج لتحقيق الكتب.
    المقدم: طبعت على نفس السنن؟
    مجلدين جامع الترمذي بتحقيق الشيخ أحمد شاكر، يستفيد منها طالب العلم في التصحيح، يستفيد منها أيضاً منهجية التحقيق، نعم قد نختلف مع الشيخ أحمد -رحمة الله عليه- في توثيق بعض الرواة وتضعيفهم، وثق في تعليقاته أكثر من عشرين راوي جماهير أهل العلم على تضعيفهم، نختلف معه في هذا؛ لكن لا يعني إننا لا نفيد منه، الشيخ مدرسة في التحقيق، وتحقيقه لرسالة الإمام الشافعي ينبغي أن يدرس في قاعات البحث في الدراسات العليا ليحتذى، يعني إبداع، نعم عندنا نسخة مخطوطة من الرسالة للإمام الشافعي فيها زوائد على ما ذكره، مما وقف عليه من النسخ؛ لكن يبقى أنه إمام في هذا الباب، في باب التحقيق العلمي الدقيق.
    نأتي إلى سنن أبي عبد الرحمن النسائي، ورغم أهميته، وما فيه من كم من أحاديث الأحكام، وما فيه من علل يشير إليها في تراجم الأبواب، إلا أنه بحاجة ماسة إلى شرح متكامل يعنى بالرجال والمتون والتصحيح والتضعيف، ويعنى بالدرجة الأولى بهذه التراجم التي هي علل، ويقيني أن هذه العلل التي أشار إليها في هذه التراجم هي العائق في شرح الكتاب، هناك شروح مختصرة للسيوطي (زهر الربى على المجتبى) وحاشية للسندي، فيها إعواز كبير، يعني ما تفي بالغرض.
    هناك أيضاً شرح مطول جداً لمعاصر اسمه (ذخيرة العقبى في شرح المجتبى) الشيخ محمد بن علي آدم أثيوبي، هذا مدرس في دار الحديث في الحرم، هذا شرح مطول جداً، يبلغ الأربعين مجلداً، ذكر لي أنه عدل عن هذا الطول إلى النصف تقريباً، هو خرج منه تسعة مجلدات بشرح مطول جداً، يأتي إلى الرواة فيترجم لكل واحد منهم، ويذكر جميع ما قيل فيه، هذه أمور لا تنتهي؛ لكن جمع مادة يعني تنفع القارئ، لا سيما مثل هذا الكتاب التي الأمة بحاجة ماسة إليه، والساحة تكاد تكون معدمة من شرح يسعف طالب العلم.
    هناك أيضاً الحواشي السلفية على سنن النسائي، مطبوعة في مجلد كبير في الهند، ثم طبعت بعناية شيخ أبي الأشبال في خمسة أجزاء، فيها فوائد وطرائف ونفائس.
    وكتب السنة حقيقة بحاجة إلى شروح، تجمع الشروح السابقة، وتصوغها بصياغة يفهمها طلاب العلم، وأيضاً تضيف إليها ما استجد من حوادث ونوازل تدل عليها هذه الأحاديث، يمكن أن تستنبط أدلتها من هذه الأحاديث، الله المستعان.
    سادساً: سنن ابن ماجه، وهذا هو سادس الكتب عند الأكثر، وأول من أدخله مع الأمهات أبو الفضل ابن طاهر، وإن كان ابن الأثير وقبله رزين في تجريد الأصول جعلوا بدله الموطأ، وهناك من جعل الدارمي هو سادس الكتب، لكن بعد أبو الفضل ابن طاهر كل الناس تتابعوا على جعل سنن ابن ماجه هو سادس الكتب لكثرة زوائده وفوائده.
    شروح سنن ابن ماجه كثيرة، لكن الموجود منها والمطبوع قليل، منها شرح ملغطاي علاء الدين بن فليج الحنفي، هذا شرح طويل ونفيس وماتع، إلا أنه لم يشرح المقدمة ما شرح المقدمة التي في السنن فيه أكثر من ثلاثمائة حديث تركها، بدأ من أبواب الطهارة، ثم أكمل العبادات إلى آخره.
    شرح السيوطي اسمه (مصباح الزجاجة) مختصر جداً، وطبع مختصره (نور مصباح الزجاجة) يعني في ما يقرب من مائة صفحة، شرح لكتاب كبير في مائة صفحة.
    شرح برهان الدين الحلبي سبط ابن العجمي، هذا الذي لم يطبع، حاشية ابن حسن السندي مطبوعة، وفيها فوائد ولطائف، وهناك شرح زوائد سنن ابن ماجه لسراج الدين بن الملقن، وله أيضاً زوائد النسائي، زوائد أبي داود، زوائد الترمذي، تصدى لهذه الزوائد فشرحها، شرح زوائد ابن ماجه في ثمانية مجلدات، وهو شرح مطول، إلى غير ذلك من الشروح التي لا يمكن استيعابها.
    المقدم: الحقيقة أن وقت البرنامج بدأ ينزف...
    جزى الله فضيلة الشيخ خير الجزاء، وجعلنا الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
    وتقبلوا تحيات إخوانكم في تسجيلات الراية الإسلامية بالرياض.
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
    إن شئتم أن يتجسّد العلم ،لا بُد من العقيدة فالتوحيد عليه مدار الحياة .{ أَصْلُهَا ثَابِتٌ } [لا إله إلاّ الله ثابتة في القلب ]والقلب محلّ العقيدة { وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء{24} تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا }معنى هذا الجانب العملي أي امتدّت عروق التوحيد في كل أماكن ونواحي القلب وتمكنت منه فلم تبق مكانا لمن يعيش معها من غير ذلك [أي ممّا يفسد القلب]

    [السبيل إلى العمـــل بالعلمـ : لشيخنا العيد شريفي ]

    www.forums.el-houda.org/

    http://www.salafie.net/vb/

  3. #3
    عضو ذهبي
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    الدولة
    الجزائر ـ بومرداس ـ
    المشاركات
    3,920

    افتراضي رد: مهم ..سلسلة: كيف يبني طالب العلم مكتبته ..للخضير


    سلسلة: كيف يبني طالب العلم مكتبته [الحلقة الثالثة]


    سلسلة: كيف يبني طالب العلم مكتبته؟

    الحلقة (3)

    تابع لكتب السنة والحديث-كتب الأحكام العلل-مشكل الحديث وغريبها- علوم الحديث-كتب العقيدة-كتب الفقه

    الشيخ/ عبد الكريم الخضير



    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماًَ كثيراً:

    أيها الأخوة والأخوات سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأهلاً ومرحباً بكم في لقاء طيب مبارك ضمن برنامجكم هذا، معكم على الهواء، نستكمل في هذه الحلقة -بإذن الله تعالى- موضوعاً كنا بدأناه في حلقات مضت من خلال لقاءنا مع فضيلة الشيخ الدكتور/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير، عضو هيئة التدريس بكلية أصول الدين جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، حول موضوع مكتبة طالب العلم فأهلاً ومرحباً بكم فضيلة الشيخ.

    حياكم الله وبارك فيكم، وفي الأخوة المستمعين.

    شكراً للأخوة الذين بعثوا بملاحظاتهم واستفساراتهم حول الحلقات الماضية، وطلبوا أيضاً أن يتم استكمال موضوع مكتبة طالب العلم مع فضيلة الدكتور، لعلنا نحاول جاهدين في هذه الحلقة أن نستكمل ما نستطيع مع فضيلته حول موضوع مكتبة طالب العلم.

    فضيلة الدكتور حفاظاً على الوقت فإننا نبدأ مع الأخوة الذين هم في شوق لاستكمال الموضوع، نستكمل ما تبقى حول الحديث والسنة النبوية، وما فيها من كتب، ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبق الحديث عن كتب التفسير، وعلوم القرآن، على وجه موجز جداً، يناسب الوقت، ثم في الحلقة الثانية تكلمنا عن الكتب الستة، وأهم شروحها، وعرفنا فيما تقدم أن سادس الكتب مختلف فيه بين أهل العلم، فابن ماجه هو السادس عند الأكثر، وأول من أدخله في الكتب، وجعله السادس ابن طاهر في شروط الكتب، وفي أطرافه.

    المقدم: عفواً يا شيخ أنا جاءني سؤال بعد الحلقة الماضية نسيت أن أعرضه عليك حول ابن ماجه يسأل عن ابن ماجه بالتاء أو بالهاء، ويقول: أنا تعبت في البحث عن تحقيق هذه المسألة؟

    ابن ماجه، وابن منده، وابن داسه، كلها بالهاء في الوقف و.......، ماجه، ومنده، وداسه، حتى في .....، من أهل العلم من جعل السادس الموطأ، موطأ الإمام مالك بن أنس، وعلى هذا صنيع ابن الأثير في جامع الأصول، وقبله رزين في تجريد الأصول، ومنهم من جعل السادس الموطأ، تقدم الكلام عن ابن ماجه مع الكتب الستة في الحلقة السابقة الذي هي دواوين الإسلام المشهورة.

    والآن نتحدث عن موطأ الإمام مالك بن أنس، والموطأ كما هو معروف لإمام دار الهجرة مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي، إمام المذهب المشهور المعروف نجم السنن.

    هذا الكتاب ألفه الإمام مالك -رحمه الله تعالى- وتلقاه عنه جمع غفير من أهل العلم، بحيث صارت له روايات متعددة، من أشهرها رواية يحيى بن يحيى الليثي، وعليها جل الشروح، ومنها رواية محمد بن الحسن، ومنها رواية أبي مصعب الزهري، وروايات كثيرة جداً يصعب حصره؛ لكن أهمها ما يقرب من عشرين، هي مدونة ومعروفة يطول الكلام فيها، يهمنا رواية يحيى بن يحيى التي عليها الشروح، والتي عني بها أهل العلم، ومن أهم شروحها وأعظم تلك الشروح (التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد) للإمام أبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري، كتاب عظيم، مكث في تصنيفه ثلاثين عاماً، وأودعه من نفائس الفنون والعلوم ما يعجز اللسان عن وصفه، فالكتاب عني بالموطأ، وبأقوال مالك، ومذهب مالك، وأشار إلى المذاهب الأخرى، وله فيها اختيارات وترجيحات، يقال: فيها مذهب الإمام -رحمه الله-، فابن عبد البر حافظ المغرب، وهو إمام من أئمة المسلمين، مكث في تصنيف هذا الكتاب ثلاثين عاماً.

    وقال عنه ابن حزم: أنه لا يعلم في الكتب في الكلام على فقه الحديث أنفس من هذا الكتاب، بل لا يعلم ما يماثله ولا يدانيه ولا يقاربه.

    هذا الكتاب رتبه ابن عبد البر على شيوخ الإمام مالك في موطأه، ولذا يصعب الوقوف على الأحاديث المرادة منه إلا بعد معرفة الشيخ، ثم الشيوخ رتبهم على حروف الهجاء على طريقة المغاربة، وهي أيضاً تختلف عن ترتيب طريقة المشارقة، فالصعوبة من جهتين: من كونه مرتب على الشيوخ، ولو رتب على الأبواب لكان أولى، على ترتيب مالك -رحمه الله- لكن هذه وجهة نظر الإمام ابن عبد البر، تمنينا كثيراً أن يرتب الكتاب على ترتيب الموطأ فخرج له ترتيبات كثيرة، منها أول ما خرج له ترتيب المغراوي، من شيوخ المغرب، وهو ترتيب ابتكره، قدم فيه مسائل الاعتقاد، وعنايته بالعقيدة معروفة، الشيخ المغراوي -حفظه الله-، لكني كنت أتمنى أن يرتب الكتاب على ترتيب الموطأ نفسه، يمشي على أحاديث الموطأ.

    المقدم: والشيخ موجود الآن يا شيخ؟

    نعم موجود في المغرب، ويأتي كثيراً هنا، فتمنيت أن يرتب على ترتيب الإمام مالك، فالكتاب إما أن يبقى على أصله ترتيب ابن عبد البر، أو يرجع إلى أصل الأصل، وهو ترتيب الإمام مالك -رحمه الله-، فخرج له أكثر من ترتيب بهذه الصفة تحقيقاً لهذه الأمنية، ومن أفضل ما وقفت عليه من هذه الترتيبات ترتيب الشيخ عطية سالم، وله عناية فائقة بالموطأ، وعناية بالإمام مالك على وجه الخصوص، فجاء ترتيبه على الوجه المناسب، وهو من أهل الخبرة بالموطأ، وله معرفة بكتب ابن عبد البر.

    المقدم: وخرج؟

    إيه طبع قبل ثمان أو تسع سنوات.

    المقدم: بعنايته؟

    نعم هو الذي رتبه بيده، مشى على الموطأ كل جزء يخرج، واستغرق طباعة الموطأ خمسة وعشرين سنة، طباعة الموطأ استغرقت ربع قرن، الشيخ عطية -رحمه الله- توفي، فالشيخ كلما يخرج جزء يرقم الحديث برقم الموطأ، يرقم الأحاديث ثم بعد ذلك يرتب هذه الأحاديث في دسيات، ثم إذا خرج الثاني أضاف ما فيه من أحاديث على الطريقة التي اتبعها، ثم خرج كتاب التمهيد مرتباً ترتيب الموطأ، وهذا عمل جليل هذا، نعم قد يبدو في ظاهر الأمر أنه ليس بشيء إلا مجرد تقديم وتأخير وترتيب؛ لكنه عمل جيد مفيد يفيد طالب العلم كثيراً.

    الإمام ابن عبد البر عني بشرح الأحاديث المرفوعة في هذا الكتاب، وأبدع في كتابه، وكمله بكتاب آخر، أسماه كتاب (الاستذكار في بيان مذاهب فقهاء الأمصار) يعني من خلال الموطأ، شرح فيه الأحاديث المرفوعة والموقوفات، وأشار إلى أقوال مالك، وأقوال غيره من أهل العلم، فالاستذكار جاء تكميلاً للتمهيد الذي هو لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، معاني وأسانيد، هذا التمهيد، هذه الصفة الغالبة، وفيه كلام على فقه الحديث كثير؛ لكن الكلام على الأحكام في الاستذكار أظهر، وهما كتابان متكاملان، يعني لو جمع بينهما، المحقق للاستذكار نقل بعض النقول مما يحتاج إليه من التمهيد، فطال الكتاب جداً، بحيث خرج في ثلاثين جزاءً الاستذكار، وهو أقصر من التمهيد.

    من أهم شروح الموطأ أيضا: (المنتقى) لأبي الوليد الباجي، وهو من كبار المالكية، يفيد منه طالب العلم فائدة كبيرة، من شروحه أيضاً: شرح للزرقاني، أيضاً كتاب نافع مفيد، وكتاب مختصر جداً للسيوطي اسمه (تنوير الحوالك).

    ولي الله الدهلوي نظر إلى الموطأ فوجد فيه أقوال مالك، وأضاف إليه أقوال أبي حنيفة والشافعي، فجاء شرحه المختصر جداً جامع للمذاهب الثلاثة، تولينا شرح (المسوى) مدةً، أضفنا إليه مذهب الإمام أحمد.

    المقدم: ولم يكتمل عملكم يا شيخ؟

    لا ما اكتمل، نسأل الله أن ييسر، المشاريع كثيرة.

    هناك أيضاً شرح مطول طبع في ستة مجلدات في الهند، ثم طبع في خمسة عشر جزءاً اسمه (أوجز المسالك) هذا الكتاب مع أن مؤلفه متأخر إلا أن جودته تظهر في رجوع المؤلف إلى كتب أصحاب المذاهب، يعني لو جئنا إلى الشروح مثل فتح الباري أو عمدة القاري أو غيرها من الشروح، أو كتب التفسير التي قد تنقل أقوال الفقهاء مثلاً تجدهم ينقولون عن من ينقل المذهب، فلا تثق بهذا النقل لا من جهة الخلل في أمانة المؤلفين، لا، لكن قد ينقل رواية غير معروفة في المذهب، رواية عن الإمام غير معتبرة في المذهب يعني مرجوحة تعرف أن المذاهب فيها روايات، تعرف أن الشافعي له أقوال، وأحمد عنده روايات، وهكذا، فهذا الكتاب عني بهذا عناية طيبة، فصار ينقل المذاهب من كتب أصحاب المذاهب، فهذه فائدته، وهو كتاب موسع في خمسة عشر جزءاً.

    السادس: سادس الكتب على قول هو سنن الدارمي، وهو كتاب نافع وماتع، وفيه أحاديث، وفيه عوالي كثيرة، يتقدم مؤلفه, وهو شيخ لأصحاب الكتب، فيه عوالي، والعوالي يعنى بها أهل العلم، وفيه زوائد أيضاً، إلا أن زوائد ابن ماجه أكثر، ولذا صارت العناية به أكثر، لا أعرف له شرحاً عند المتقدمين إلا أنه خرج له شرح متأخر جداً، ولا يسلم من ملاحظات كبيرة، خرج له شرح لا يسلم من ملاحظات هذا الشرح.

    هناك أيضاً الكتب التي رتبت على الأبواب، وتأتي بعد السنن والصحاح، كصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم، وسنن البيهقي، ومنتقى ابن الجارود، هذه كتب مهمة لطالب العلم، ينبغي أن يعنى بها، لا سيما سنن البيهقي، الذي جمع، فهو بحر محيط، يحتاجه الفقيه، ولا يستغني عنه طالب العلم، ففيه أدلة المذاهب كلها، وإن كان نفس البيهقي شافعي، وتراجمه تؤيد في الغالب مذهب إمامه؛ لكنه يذكر في الباب كل ما يقف عليه، وهو كتاب عظيم، فإذا ضم كتاب البيهقي إلى الكتب الستة، وأفيد من الكتب التي ذكرت صحيح ابن خزيمة وابن حبان ومستدرك الحاكم ومنتقى ابن الجارود والدارمي، يكون طالب العلم حينئذ أنهى الكتب المبوبة، أنهى ما يحتاج إليه من الكتب المبوبة، والكتب المبوبة التي رتبت على الأبواب يقدمها أهل العلم على المسانيد، مهما جلت جلالة صاحب المسند كمسند أحمد، ولذا يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:

    ودونها في رتبة- يعني السنن-.



    ودونها في رتبة ما جُعلا *** على المسانيد فيدعى الجفلا



    ليش؟ لأن صاحب السنن يترجم بحكم شرعي، فيحرص على أن يستدل لهذا الحكم الشرعي بأقوى ما عنده من الأدلة، بينما صاحب المسند يترجم بترجمة صحابي، أحاديث أبي بكر الصديق، فيجمع ما وقف عليه من أحاديث هذا الصحابي؛ لأنه لا يستدل بحكم شرعي، ولذا تأخرت رتبتها، وإن كان مسند أحمد على وجه الخصوص مقدم عند جمع من أهل العلم، ومعتنى به من الحنابلة وغيرهم، يعني الحافظ ابن كثير وهو شافعي المذهب يستظهر بالمسند، وهو شافعي، فشرط الإمام أحمد في مسنده لا يقل عن شرط أبي داود، كما قال شيخ الإسلام بن تيمية، مع أن شرط أبي داود أقوى من شرط بقية السنن، مسند الإمام أحمد من دواوين السنة الجامعة، نعم ترتيبه على المسانيد عاق الإفادة منه عند كثير من طلاب العلم، يعني لو رتب على الأبواب وترجمت أحاديثه، وقد حصل، رتب من قبل جمع ممن تقدم كابن عروة المشرقي، وأيضاً الساعاتي في الفتح الرباني، وشرح ترتيبه -يعني الساعاتي- بحاشية في أولها تستطيع أن تسميها شرح؛ لكن في منتصفه الثاني، أو قبل المنتصف أيضاً فيه حاشية (بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني) أيضاً الشيخ عبد الله القرعاوي له ترتيب للمسند اسمه (المحصل) كتاب جيد، يفيد منه طالب العلم.

    فأقول: ترتيب المسند على هذه الطريقة جعلت كثير من طلاب العلم لا يعنون به، مع أنه ينبغي أن يكون محط عناية لإمامة مؤلفه ولجمعه، يجمع من الأحاديث ما يقرب من ثلاثين ألفاً، وإن قال المترجمون: أنه فيه أربعين ألفاً؛ لكن واقعه لا يصل إلى الثلاثين.

    المقدم: لكن الصعوبة في البحث يا شيخ، الآن كيف يمكن أن يتفقه طالب العلم إذا عنده حديث عن أبي هريرة، وأبي هريرة مكثر -رضي الله عنه- يأتي إلى مسنده في مسند الإمام أحمد، كيف يمكن أن يحصل على الحديث؟

    من طريق المعجم المفهرس لألفاظ الحديث، ومن طريق أطراف المسند للحافظ ابن حجر، من طريق كتب الأطراف، ومن طريق المعجم المفهرس.

    المسند عليه حواشي للشيخ أحمد شاكر، نافعة يفيد منها طالب العلم، وأغلبها في الروايات، يعني في الجرح والتعديل للرواة، وإن أظهر تساهل -رحمه الله- وصحح بعض الأسانيد التي لا تصل إلى درجة الصحة، على طالب العلم أن يعنى بكتب أحاديث الأحكام، ومن أهمها العمدة، والمحرر والبلوغ والمنتقى، والإلمام، وغيرها من الكتب التي ألفها أهل العلم للتقريب، لتقريب هذه الأحاديث لطلاب العلم، ولذا جردوها عن الأسانيد، وأتبعوها بأحكام مختصرة، وعزو مختصر، وأحكام مختصرة تناسب الحفظ.

    وهذه الكتب كلها مشروحة، العمدة لها شروح كثيرة جداً، المحرر يعني عناية الناس به أقل من البلوغ، وإن كان عندي أنفس وأتقن، البلوغ عني به الناس ودرسوه وشرحوه، وله شروح كثيرة متداولة.

    المنتقى أيضاً عني به الناس وشرحوه، مع كثرة أحاديثه، والإلمام لابن دقيق العيد شرحه مؤلفه في كتاب من أعظم كتب شروح كتب أحاديث الأحكام، اسمه (شرح الإلمام) ولابن دقيق العيد كتاب أيضاً كتاب آخر اسمه (الإمام) بين فيه علل الأحاديث، وطول فيه جداً.

    ينبغي لطالب العلم المتقدم لا أقول: المبتدئ أن يعنى بكتب العلل، كعلل علي ابن المديني، وابن أبي حاتم والدارقطني، وعلل الترمذي الكبرى والصغرى، ويراجع ما كتب عليها من تنبيهات وشروح وتخاريج، ويفيد منها ويسأل عما يشكل عليه، وأيضاً يعنى بكتب مشكل الحديث؛ لأنه يوجد إشكالات في الأحاديث تحلها هذه الكتب، كتب المشكل، ويراد بمشكل الحديث هو: اختلاف الحديث، ومختلف الحديث يراد به التعارض بين الأحاديث، فهذه الكتب هي التي بها يحل هذا التعارض، والتعارض إنما هو في الظاهر، فلا يوجد حديثان صحيحان متعارضان تعارض حقيقي؛ لأنه كلام من لا ينطق عن الهوى، لا يوجد تعارض وتناقض في كلامه -عليه الصلاة والسلام-؛ لكن فيما يظهر ويبدو للقارئ، ثم بعد ذلك كتب اختلاف الحديث تزيل هذا الإشكال.

    عليه أيضاً أن يعنى بكتب غريب الحديث التي هي بمثابة شرح ما يشكل من ألفاظ الأحاديث النبوية، وغريب الحديث غير الغريب من الأحاديث.

    غريب الحديث شرح المشكل من الألفاظ، ومشكل الحديث واختلاف الحديث في التعارض الظاهر، وغريب الحديث فيما يشكل ويصعب فهمه من الألفاظ، والغريب من الحديث ما يتفرد به راو واحد، هذا في المتن، وذاك في الإسناد.

    من أهم ما كتب في غريب الحديث (غريب الحديث) لأبي عبيد القاسم بن سلام، وهو إمام في هذا الباب، وأيضاً غريب الحديث لابن قتيبة, والفائق للزمخشري، وهو إمام في العربية، وإن كانت البدعة أثرت على بعض كتبه.

    أيضاً ابن الأثير، كتاب النهاية كتاب جامع بين كتب من تقدم، كتب الغريب في الحقيقة كثيرة جداً، لكن هذه من أهمها لأبي عبيد، وابن قتيبة، والزمخشري، وابن الأثير، يعني من أراد أن يقتصر على كتاب واحد لضيق ذات اليد أو ضيق المكان أو ما أشبه ذلك (النهاية) لابن الأثير، ولها ملخص اسمه الدر (الدر النثير) للسيوطي.

    طالب العلم أيضاً عليه أن يطلع على كتب الموضوعات وهي المكذوبة المختلقة على النبي -عليه الصلاة والسلام- لئلا يروج بعضها عليه، وكانت عناية المتقدمين بها فائقة، فالبخاري -رحمه الله تعالى- يحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح، فمعرفة مثل هذه الأمور لئلا يغتر بها الناس.

    كتب الموضوعات مثل (الموضوعات) لابن الجوزي على تساهل في شرطه حيث أدخل بعض الأحاديث التي لا تصل إلى درجة الوضع، أحاديث ضعيفة كثيرة دخلت في الكتاب لا تصل إلى درجة الوضع، بل أحاديث حسنة، بل صحيحة؛ لكنها قليلة، يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:



    وأكثر الجامع فيه إذ خرجْ *** لمطلق الضعف عنى أبا الفرجْ



    يعني ابن الجوزي.

    (اللآلئ المصنوعة) مأخوذ من موضوعات ابن الجوزي وغيره، وهو أقرب منه إلى الدقة في الحكم على الحديث بالضعف (الأسرار المرفوعة) للملا علي القاري، (الفوائد المجموعة) للشوكاني، المقصود أن هذا الموضوع صنف فيه كثيراً، وعلى طالب العلم أن يعنى به.

    أيضاً يعنى بكتب علوم الحديث، من أولها كتاب (المحدث الفاصل) للرامهرمزي، صحيح الكتاب لم يستوعب باعتباره من اللبنات الأولى في التأليف في هذا الفن، وطبيعي أن أول شخص يؤلف يحصل عنده نقص، ثم يكمل فيما بعد، (معرفة علوم الحديث) للحاكم، كتاب نفيس يعنى به طالب العلم، وإن قال الحافظ ابن حجر: "أنه لم يهذب ولم يرتب" قال في مقابل ذلك ابن خلدون في مقدمته الشهيرة: "أنه أول من هذب هذا العلم ورتبه" ابن حجر يقول: "لم يهذب ولم يرتب" وابن خلدون يقول: "أول من هذب ورتب" هل في هذا تعارض؟ نعم، كيف تدفع مثل هذا التعارض؟ كلامهما صحيح يمكن تنزيله: لم يهذب ولم يرتب بالنسبة لمن جاء بعده، الذين جاءوا بعده أكثر ترتيب وتهذيب؛ لكن إذا نظرنا إليه بالنسبة لمن ألف في الفن قبله فهو أول من رتب وهذب، على كلام ابن خلدون، فلا تعارض.

    من الكتب المهمة في الباب كتاب (الكفاية) للخطيب، وهو في قوانين الرواية، كتاب مفيد ونافع للأسانيد كالكتاب الذي تقدم.

    والخطيب له في كل باب، وفي كل نوع من علوم الحديث منصف خاص، حتى قال ابن نقطة: "كل من أنصف عرف أن أهل الحديث عيال على كتب الخطيب" يعني من صنف في علوم الحديث لا بد أن يراجع كتب الخطيب، وإن ناله من ناله من بعض المتأخرين من أنه خلط هذا العلم, وأدخل فيه أصول الفقه، ومزج بينهما، وعلم أصول الفقه متأثر بعلم الكلام، كل هذا لا يحط بقيمة الكتاب، ولا بإمامة مؤلفه.

    للخطيب بالمناسبة كتاب في غاية الأهمية لطالب العلم اسمه (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) كتاب يتعين لطالب العلم الاطلاع عليه، والتأدب بآداب أهل العلم، لما نرى من وجود شيء من الغلظة والجفوة بين طلاب العلم، لا أقول: هذا موجود بكثرة؛ لكنه موجود، غالب طلاب العلم -ولله الحمد- أخذوا العلم من أبوابه، وتحلوا بآدابه؛ لكن يوجد من طلاب العلم من ينصح بقراءة مثل هذا الكتاب، فإذا قرأنا مثل هذا الكتاب وقرأنا (جامع بيان العلم وفضله) لابن عبد البر، و(فضل علم السلف على الخلف) لابن رجب، وطالب العلم عليه أن يقرأ مقدمة الخطيب لكتاب (موضح أوهام الجمع والتفريق) ليعرف كيف يتعامل مع الكبار.

    أيضاً: بعد الكفاية يقرأ (علوم الحديث) لابن الصلاح، هذا الكتاب الذي كتبه ابن الصلاح جمع فيه غالب مؤلفات الخطيب، واطلع على كتب من تقدم الرامهرمزي والحاكم وغيره من الكتب التي صنفت في هذا الباب، رتب الكتاب ترتيباً بديعاً، وإن كان يحتاج بعض الأبواب إلى تقديم وتأخير؛ لكنه جمع، فاشتغل الناس به، فكان قطب رحى دار حوله الناس، حتى قال الحافظ: "لا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر" فالكتاب اختصر مراراً ، شرح مراراً ، نظم مراراً، نعم نظمه كثير، وشرحه كثير، وعلق عليه، ونكتوا عليه، وأيضاً اختصروه، هناك اختصارات للنووي وابن كثير وغيرهم، هناك حواشي للحافظ العراقي والحافظ ابن حجر وبرهان الأبناسي والزركشي وغيره.

    نظم، نظمه الخويي في ألف وخمسمائة بيت، ونظمه أيضاً الحافظ العراقي في ألفيته الشهيرة التي عني بها الناس، وشرحوها شروح كثيرة.

    هناك أيضاً ألفية السيوطي، والمفاضلة بين الألفيتين يطول التصدي لها في مثل هذه الحلقة، وإلا السؤال عنها كثيراً، السؤال عن المفاضلة بين الألفيتين، وأقول بكلام موجز ومختصر: ألفية العراقي عندي أرجح من وجوه، والبسط لا يحتمله هذا المقام.

    هناك أيضاً (توضيح الأفكار) للصنعاني، كتاب نفيس يحتاج إليه طالب العلم، وهناك أيضاً (نخبة الفكر) للحافظ ابن حجر، وشروحها كثيرة.

    وأيضاً (تدريب الراوي) للسيوطي، كتاب جامع، جمع فيه كثير مما يحتاجه طالب العلم.

    للمتأخرين، أيضاً مشاركة طيبة، مثل (توجيه النظر) للجزائري، و(قواعد التحديث) للقاسمي وغيره.

    يحتاج أيضاً الطالب لكتب الرجال، كتب الرجال ككتب السؤالات، سؤالات الأئمة، وهذه معروفة عند أهل الحديث، يسألون عن أحاديث، يسألون عن رواة ويجيبون بكلام لا يستغني عنه طالب العلم؛ لأن هؤلاء العلماء هم العدة، وعليهم المعول في هذا الباب، فيحتاج الطالب كتب السؤالات، وكتب التورايخ، كتواريخ البخاري، وابن أبي خيثمة وغيرها، وتواريخ الإمام يحيى ابن معين، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم، وطبقات ابن سعد، والثقات لابن حبان، والكنى للإمام مسلم، والكمال للحافظ عبد الغني، وما دار في فلكه، الكمال جمع رجال الكتب الستة فدار الناس في فلكه، فألف الحافظ المزي تهذيب الكمال، فأوفى على الغاية، وبلغ النهاية في هذا الكتاب بحيث ألغى الأصل، ألغى المرجع، تهذيب الكمال، ثم ذهبه الذهبي في تذهيب الكمال، والكاشف له أيضاً مختصر، وهناك أيضاً الخلاصة للتذهيب للخزرجي، وأيضاً الحافظ ابن حجر له مساهمة قوية في الباب، له تهذيب التهذيب، وله أيضاً التقريب، وله أيضاً كتب في هذا الباب يطول ذكرها.

    من أهم كتب الرجال كتاب الكامل لابن عدي من أنفس ما يحتاجه طالب العلم في هذا الباب، وميزته أنه يذكر في ترجمة كل راوي ما يستغرب، وما ينكر من مروياته، وما يعل.

    أيضا: الميزان للذهبي مخلص للكامل، وفيه إضافات الحافظ الذهبي، لسان الميزان ملخص من الميزان لابن حجر، وهناك الضعفاء للعقيلي.

    أيضاً يحتاج الطالب تواريخ البلدان، قد لا يوجد ترجمة في كتب الرجال المعروفة، فيضطر أن يرجع إلى تواريخ البلدان، من أهمها تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، تاريخ دمشق لابن عساكر، تاريخ جرجان للسهمي، تاريخ أصفهان لأبي نعيم.

    المقدم: تاريخ بغداد يعني تسميته عند أهل العلم بهذا الاسم أم له مسميات أخرى؟

    هذا هو، وتاريخ الخطيب، وتاريخ ابن عساكر، وتاريخ بغداد معروف، على كل حال يحتاج إليها طالب العلم فقد يكون الراوي من أهل هذه البلاد ينتبه له صاحب التاريخ، ويغفل في كتب التراجم لقلة ما روى، مثلاً، لا يعنى به أهل العلم لندرة ما روى، قد يرد في شاهد، قد يرد في متابع، فلا يعنى به من يتصدى للتصنيف في كتب الرجال أصالة.

    لكن كتب تواريخ البلدان، هو بصدد أن يترجم عن علماء هذه البلاد فينقب عنه.

    المقدم: ويحكمون في كتب التواريخ؟

    نعم، نعم يبين ماله وما عليه، نعم، هذه ميزته.

    هناك كتب في الكنى والأنساب والألقاب، وكتب في المشتبه والضبط لا يستغني عنها طالب العلم، يطول المقام ببسطها، فعلنا نكتفي بهذا القدر فيما يتعلق بالحديث لضيق الوقت.

    المقدم: لعلنا أيضاً نأخذ إذا تكرمتم يا شيخ ما يتعلق بكتب العقيدة على الأقل.

    بالنسبة للعقيدة، وينبغي لطالب العلم العناية بها عناية فائقة؛ لأهمية العقيدة، العقيدة هي الأصل، والأصل أن اعتقاد المسلم مأخوذ من الكتاب والسنة، ولذا قدمنا الكلام على ما يتعلق بالكتاب والسنة، وإلا فالعقيدة، هي الأصل، وهي ما يعقد عليه القلب مما يجب لله -عز وجل-.

    يبدأ الطالب بمختصرات شيخ الإسلام الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-، مثل (الأصول الثلاثة، والقواعد الأربع، وكشف الشبهات، والتوحيد) وما كتب عليها من شروح، وما سجل عليها من دروس، فينبغي لطالب العلم أن يعنى بها، ويحضر الدروس التي تقام لشرحها، فيبدأ بالأصول الثلاثة والقواعد الأربع وكشف الشبهات، والتوحيد، شروح كتاب التوحيد لأهمية الموضوعات التي طرقها الشيخ -رحمه الله تعالى-، مثل تيسير العزيز الحميد، وفتح المجيد، وقرة عيون الموحدين، وإبطال التنديد، وشروح المشايخ المعاصرين، كالشيخ ابن باز وابن عثيمين والفوزان، وغيرهم، المقروءة والمسموعة، فطالب العلم عليه أن يعنى بها عناية فائقة.

    أيضاً يعنى بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وكتب ابن القيم يعنى بالواسطية والحموية والتدمرية، وشرح الأصفهانية، وهذه من كتب شيخ الإسلام وعليها شروح وتعليقات وللعلماء بها عناية إقراءً وتدريساً وتقريراً ، الواسطية شرحت شروح كثيرة، منها للشيخ عبد العزيز بن ناصر بن رشيد توفي -رحمه الله-، وكتابه من أنفس الشروح وأقدمها، أيضاً الشيخ زيد الفياض له شرح اسمه الروضة الندية شرح طيب، استقاه من كتب شيخ الإسلام وابن القيم.

    الشيخ ابن عثيمين أيضاً له شرح للواسطية، والشيخ الفوزان، الشيوخ كلهم لهم شروح على الوسطية؛ لأهميتها المؤلف -رحمه الله تعالى- برع في تقديم عقيدة السلف في أبواب مهمة من أبواب العقيدة بأبسط عبارة وأيسر من نصوص الكتاب والسنة، وبين وسطية مذهب أهل السنة من بين سائر الفرق فيذكر الطرفين، طرفي النيقض ويخلص من هذين الطرفين إلى أن مذهب أهل السنة وسط بين هذين الطرفين.

    المقدم: بعض الذين قاموا بتدريس هذه المادة وخصوصاً في جامعة الإمام والجامعة الإسلامية وجامعة أم القرى، يعني أخرجت عن مجموعة من الكتب هذه العقيدة، بعضها وضع على شكل سؤال وجواب تسهيل لفهم هذه العقيدة؟

    معروف، شيخ ابن سلمان له سؤال وجواب وغيره هم يضعون أسئلة لطلابهم لكي يجيبون عليها من خلال الشرح، وهذه طريقة معروفة.

    كتب شيخ الإسلام حقيقة الواسطية مهمة جداً، الحموية أيضاً، التدمرية، والقواعد التي ذكرها الشيخ -رحمه الله تعالى- لا يستغني عنها طالب العلم.

    شرح الأصفهانية أيضاً من الكتب التي ينبغي أن يعنى بها طالب العلم، مجموع الفتاوى من الأول إلى التاسع مهمة بالنسبة لطالب العمل، أيضاً منهاج السنة كتاب مبسوط لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، رد فيه على الرافضة بأقوى عبارة للاستدلال بالكتاب والسنة، وبالنقول من كتبهم، وفيه من العلوم ما لا يعرف قدره إلا من قرأ الكتاب، وعندنا مدونات فوائد من هذا الكتاب في كل فن.

    أيضاً لشيخ الإسلام (درء تعارض العقل والنقل) وله أيضاً (نقض التأسيس) وهذه من الأعاجيب، من أعاجيب المصنفات، تعارض العقل والنقل يقرر شيخ الإسلام في هذا الكتاب الكبير، كتاب كبير عشرة مجلدات يبين فيه ويقرر أنه لا يمكن أن يحصل التصادم بين العقل الصريح والنقل الصحيح.

    يستشكل بعض الناس؛ لكن هذا سببه لوثة في عقله، وتأثر في فهمه، وخدم الكتاب، وحقق، طبعة محققة، منهاج السنة ودرء تعارض العقل والنقل حققها الشيخ محمد رشاد سالم بإشارة من الجامعة المباركة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

    يقول الحافظ ابن القيم:

    اقرأ كتاب العقل والنقل الذي *** ما في الوجود له نظير ثانِ



    لكن من ينبري لفهم جميع ما كتبه الشيخ -رحمه الله تعالى-، كذلك التأسيس....

    المقدم: يعني أنا أذكر في دراستنا يا شيخ أخذنا ما يقارب ستين صفحة من هذا الكتاب، هذه الستين الصفحة تعتبر فصل دراسي كامل بالنسبة لنا، ولم نستطيع حتى فك بعض رموزه.

    لا في موضوعات صفحات بالمئات يطويها طالب العلم، أنا مر علي في منهاج السنة في الجزء الأول ثلاثمائة صفحة، أنا قرأتها؛ لكن لا أوصي طالب العلم بقراءتها، في الجزء السادس أيضاً كذلك، كثير صفحات يطويها طالب العلم، يصعب عليه فهمها، يعني شيء لا يتصور.

    (نقض التأسيس في الرد على أساس التقديس) للرازي كتاب عظيم، كتاب عظيم جداً حقق في ثمان رسائل دكتوراه، يعني شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- وهو يكتب لا أتصور أن الكتاب أخذ عليه شهر، والكتاب حقق في أربعين سنة، يعني ثمان رسائل في خمس سنوات، أو قل أقل الأحوال أربع سنوات، يعني ما يقرب من أربعين سنة.

    وكذلك التأسيس أصبح نقضه *** أعجوبة للعالم الربانِ

    من العجيب أنه بسلاحهم *** أرداهم نحو الحضيض الداني



    بسلاحهم، بمنطقهم وبعلمهم علم الكلام الذي جلبوه للأمة، نقضهم بكلامهم -رحمة الله عليه-، فكتب شيخ الإسلام لا يستغني عنها طالب العلم، وإن قال فيه من قال: نظراً لضعف إدراكه ونظراً للوثة في عقله ما قال عن شيخ الإسلام سواء كان شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، أو شيخ الإسلام ابن تيمية، ونرى ونسمع من يقدح في هذين الإمامين، والسنة الإلهية تقتضي هذا، أنه لا بد من حساد، ولا بد من أعداء، الذات الإلهي ما سلمت ((يؤذيني ابن آدم)) النبي -عليه الصلاة والسلام- تكلم فيه الناس.

    هؤلاء يتكلم فيهم الناس من باب حسد، ومن باب العداء، وتقليد الشيوخ، ومن باب الاستئجار، بعض الأقلام مأجورة، فمثل هذا الكلام لا يلتفت إليه، وينبغي أن يتصدى له أهل السنة بكل ما أوتوا من قدرة.

    أيضاً يتكلم فيهم الناس لما يريده الله -جل وعلا- من رفعة لمنازلهم، تجري عليهم أعمالهم وهم موتى، إضافة إلى ما دونوه في كتبهم، وانتفع به الناس منهم.

    كتب ابن القيم أيضاً لا يستغني عنها طالب العلم (النونية) النونية لابن القيم كتاب نفيس فيه عقيدة السلف، حقق في أربع رسائل ماجستير في قسم العقيدة في جامعة الإمام محمد بن سعود، أيضاً مدارج السالكين كتاب مفيد في أدواء القلوب، لا يسلم من ملاحظات يسيرة؛ لكنه كتاب نافع علق عليه الشيخ حامد الفقي، وشدد في العبارة أحياناً على ابن القيم بكلام لا ينبغي أن يقال بجنابه، المقصود أن ابن القيم ليس بمعصوم، وحاول -حفظه الله تعالى- أن يقرب الكتاب الأصل المشهور، ويدنيه لطلاب العلم، ويتكلم على ما فيه من ملاحظات، ولم يسلم -رحمة الله عليه- والكتاب نفيس فيه الأشياء التي تلاحظ على الكتاب مغمورة في بحار ما فيه من علم جم، وفيه أدوية القلوب المريضة.

    أيضاً إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، أيضاً أبدع فيه ابن القيم، كتاب مبدع حقيقة، لا يستغني عنه طالب العلم، فينبغي لطالب العلم أن يعنى به.

    بدائع الفوائد، أودع فيه ابن القيم الفوائد من كل فن، انتقى فيه من الفوائد من كل فن، وهو مطبوع في أربعة أجزاء.

    الفوائد أيضاً لابن القيم فيه نفائس ولطائف واستنباطات، يعني يذهل الإنسان لما يقرأها فيما يستنبطه ابن القيم من النصوص -رحمة الله عليه-.

    أيضاً إعلام الموقعين عن رب العالمين، وسواءً قلت: إعلام أو أعلام، الموقعون هم المفتون عن الله -جل وعلا-، فإن أردت إعلام الموقعين فابن القيم يعلم ويخبر الموقعين بما يجب عليهم من شروط للفتوى، وأيضاً من آداب، وإن قلت: أعلام فابن القيم ذكر أعلام المفتين من عصر الصحابة من النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى وقته.

    وكذلك زاد المعاد في هدي خير العباد، كتاب نفيس لا يستغني عنه طالب العلم ألفه الإمام ابن القيم في حال السفر، وليست له عدة.

    هناك الكتب المسندة، القديمة، كتب العقيدة القديمة المعروفة، وسأتحدث عنها -إن شاء الله-.

    المقدم: ائذن معي اتصال معي فضيلة الدكتور ناصر الحنيني عضو هيئة التدريس بكلية أصول الدين قسم العقيدة، فضيلة الدكتور سلام الله عليكم.

    المتصل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

    أهلا ومرحباً بكم يا دكتور

    المتصل: حياكم الله جميعاً

    دكتور كان اتصالك الحقيقة ونحن نتحدث عن كتب العقيدة مع ضيفنا في الاستوديو فضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم الخضير، قبل أن تتفضل بمداخلتك أنا أذكر أيضاً أن رسالتكم في الدكتوراه كانت عن التدوين في العقيدة، أو قريب من هذا؟

    المتصل: نعم.

    لكن عندنا الآن كتب العقيدة المسندة لكل المتقدمين: الرد على الجهمية، السنة للإمام أحمد، ابن أبي عاصم الخلال شرح اعتقاد أهل السنة، توحيد ابن خزيمة، الشريعة للآجري، الرد على بشر، والردود على المخالفين، يأتي في الحديث عنها، وإن أعفانا الشيخ ناصر وذكر شيء منها باعتباره متخصص في هذه الحقبة، فجزاه الله خيراً.

    المقدم: إذاً تفضل يا دكتور، نترك لك المجال فيما شئت؟

    المتصل: أولاً: بعد بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أولاً: أشكر فضيلة شيخنا الشيخ العلامة الدكتور عبد الكريم الخضير، وأسأل الله أن يجعل هذه الحلقات في ميزان حسناته، وأنا أيضاً أشكر فضيلة الأستاذ فهد السنيدي؛ وأيضاً أشكر إذاعة القرآن مثل هذه البرامج الجادة التي تفيد طلاب العلم، بل حتى عامة الناس يطلعون على تراث أمتهم، وبالحقيقة أقول: أن هذا البرنامج من أنجح البرامج، ما جلست مجلساً إلا ويثنى عليه، نسأل الله -عز وجل- أن يجعل ذلك في ميزان حسناتكم.

    وأنا عندي اقتراح أن مثل هذا البرنامج يمدد، ولا نكون في عجلة من أمرنا؛ لأن طلاب العلم الآن يسجلوه ويتداولونه، وأصبح -ولله الحمد- هذا البرنامج مرجع لكل طلاب العلم، فأنا بودي -يعني الاقتراح- لو تمدد الحلقات، وتصبح حلقات دورية في كل الفنون والكتب، حتى نستفيد شيئاً كثيراً.

    الأمر الثاني: أنا أود أن أنبه إلى قضية مهمة قبل أن أدخل في موضوع كتب العقيدة أن السلف -رحمهم الله- تركوا لنا تراثاً ضخماً جداً، لا يمكن أن يوازى بأي حضارة، وبأي تراث موجود على ظهر الأرض، ولا أدل مما نشاهده الآن في كل مكتبات العالم، مما تركوه لنا من مخطوطات، الذي أخرج الآن إنما هو نزر يسير، والسلف -رحمهم الله- تركوا لنا حضارة كبيرة مما يدل على اعتنائهم بالعلم، وأي أمة اعتنت بالعلم واهتمت بالعلم كما اهتم سلفنا، سوف تحوز السبق على غيرها من الحضارات.

    الأمر الثالث: السلف -رحمهم الله- وهو له علاقة وثيقة بما سبق، وبما سوف يلحق الآن، وهو أنهم لما بدءوا يدونون السنة، دونوها تدويناً عاماً شاملاً، وبدءوا على هيئة الأسانيد، كما ذكر فضيلة الشيخ، لكن كان منطلقهم بذلك أمرين:

    الأمر الأول: أن غرضهم الحفظ.

    الأمر الثاني: كان اعتقادهم، وكان منهجهم أن هذا كله دين من عند الله -عز وجل-، لم يفرقوا بين عقائد ولا أحكام كله يأخذوه لله -عز وجل- دين يدين الله -عز وجل- به، متى ظهر هذا التفريق بين كتب العقائد والحديث وغيرها؟ لما ظهرت البدع، وبدءوا يصنفون اضطر السلف -رحمهم الله-، وكان هذا اضطراراً منهم، أن جعلوا أول مرحلة من مراحل التدوين، أن ألحقوا كتب في كتب السنة مثل الكتب الستة وغيرها أبواب، خصصوا أبواب، وأفردوا كتباً وأبواباً في الاعتقاد، والرد على المخالفين، وهذا الأمر الشيخ تكلم عليه في كتاب التوحيد للبخاري، والسنة لأبي داود، كتاب الإيمان في مسلم وفي البخاري وغيرها، ولا نريد أن نتكلم عنها.

    بعد ذلك السلف -رحمهم الله- لما اشتدت قوة أهل البدع، وبدءوا يصنفون، وأهل البدع من المعتزلة خاصة أريد أن أشير إلى المعتزلة، أكثروا جداً من التصنيف، فالسلف -رحمهم الله- مما يدل على فقههم وذكائهم وفطنتهم ورسوخ علمهم لم يقفوا مكتوفوا الأيدي، بل إنهم واجهوا هذه الوسيلة الإعلامية الضخمة، وهي الكتاب بأن تفننوا في التأليف، فبدأوا بإفراد كتب الاعتقاد، وكان أمراً عجباً، فنجد أن السلف -رحمهم الله- صنفوا مصنفات شاملة في كل كتب الاعتقاد منها المختصر، الرسائل المختصرة مثل رسالة الإمام أحمد في الاعتقاد، مثل رسالة الإمام البخاري في الاعتقاد، مثل رسالة سفيان الثوري في الاعتقاد، وهذه كلها مودعة من أراد أن ينظر إليها في المجلد الأول من شرح أصول اعتقاد أهل السنة لللالكائي، ثم بعد ذلك تطوروا فكبروا وتوسعوا وجعلوا هناك مصنفات شاملة بأحاديث مسندة واستدلالات وردود مثل كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد، مثل كتاب السنة لابن أبي عاصم، وكان هذا كله في الحقبة الأولى، وهي القرون الثلاثة الأولى، وبهذه المناسبة، وأنتقل إلى النوع الثاني كتاب السنة لابن أبي عاصم هذا أعجوبة، وأنا لم أجد أحداً من الباحثين أشاد فيه، كتاب السنة لابن أبي عاصم أنا أستطيع أن أشبهه بكتاب البخاري، فقد بوبه على أبواب تفصيلية، وأودع فيه فقهاً واستنباطاً، وردود على أهل البدع شيء عجيب، بل إنه كان يودع أبواب مرسلة، مثل الإمام البخاري كان يقول: باب وليس له ترجمة، وقد حصرتها فوجدت أن فيها من الفوائد والاستنباطات شيء عظيم، كمثال مثلاً لما أورد الحديث المشهور عن ابن عباس لما قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((يا غلام إني أعلمك كلمات..)) المشهور والمعروف في كتب السنة وغيرها أنه عن ابن عباس، وهذه وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس، الإمام ابن أبي عاصم أورد الحديث المشهور ولكنه عقد باب مرسلاً وقال: باب -مرسل-، ثم أورد فيه هذا الحديث ليس عن ابن عباس وإنما عن جعفر ابن أبي طالب، هذه فائدة، أراد أن ينبه أنها فائدة فأفرده لوحده.

    كذلك كان الإمام -رحمه الله- ابن أبي عاصم إذا كان الحديث فيه كلام، وفي النفس منه شيء، أو يكون فيه ضعف شديد، كان يفرده بباب مستقل، في أخر الباب، وغيرها من الفرائد.

    بعد ذلك انتقل السلف -رحمهم الله- وصنفوا في أبواب أو كتب عامة، كتاباً كبيراً من كتب الاعتقاد، مثل أن يؤلف كتاب الإيمان كتاباً مستقلاً، أو في كتاب مثلاً للأسماء والصفات، فظهر لنا مثل كتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام، وكتاب الإيمان لابن أبي شيبة، وكتاب الإيمان لأبي عمر العدني، وغيره، ثم بعد ذلك زادوا وتفننوا، ثم أفردوا مصنفات في مسائل معينة ليس فيها أبواب، وإنما في مسألة مثل كتاب إثبات صفة العلو، هذا يعتبر متأخر، لابن قدام، لكن هناك مثلاً كتاب خلق أفعال العباد، هذه مسألة جزئية من أبواب القدر للبخاري، وهذا أيضاً كتاب أشيد به، كتاب عظيم؛ لأن فيه من فقه الاستنباط والردود على المخالفين، وكثرة الاستدلال ما لا يوجد في كتاب مثله، ثم بعد ذلك انتقلوا إلى الطريقة الذي بعدها وأنهم أفردوا كتباً في الرد على المخالفين، وأنا أريد أن أشيد بكتابين عظيمين لا يستغني عنهما طالب العلم: وهما كتاب الرد على الجهمية للإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-، وكتاب الرد على بشر المريسي للإمام الدارمي.

    أما كتاب الرد على الجهمية للإمام أحمد هذا الكتاب العظيم وللأسف أقول: أنه لم يعتن به العناية الفائقة في إخراجه وتحقيقه.

    هذا الكتاب شيخ الإسلام بن تيمية -رحمه الله- أثنى عليه ثناءً عاطراً في غالب كتبه.

    المقدم: لأن الجامعات لا تقبل لو قدم -يا دكتور- عندكم يمكن أنتم ترفضونه بسبب وجوده مطبوع ومخدوم كما تقول بعض الجامعات، ولا يوجد نسخ أخرى للكتاب.

    المتصل: الله المستعان، ولا أظن أن طالب العلم لو قدم دراسة وافية، ما أظنه الجامعة ترده؛ لكن بعض الطلاب قد يختصر دراسته، ما يأتي بدراسة وافية عن الكتاب، الكتاب أقول لكم: هذه من الأشياء الذي لا يدركها طالب العلم أن شيخ الإسلام شرحه شرحاً وافياً في أماكن متفرقة، فيأتي إلى لفظة من ألفاظ الإمام أحمد فيشرحها شرح مطولاً، لفظة واحدة، هذا الكتاب يعتبر مرجع كبير لأهل السنة.

    الكتاب الثاني: وهو كتاب الرد على بشر المريسي للإمام الدارمي، أقول: هذا الكتاب هو مرجع لأهل السنة ويعتمدون عليه في القديم والحديث؛ لأن الإمام -رحمه الله- جاء إلى قواعد أهل البدع ومسكها قاعدة قاعدة، ورد عليهم رداً قوياً، واختار أقوى الأدلة، هو يعطيك الزبدة.

    الأمر الثاني: كتاب بشر المريسي وهو ........ إلى يومنا هذا، فالكتاب هنا تدرك أهميته، وقد أثنى عليه ابن القيم، وشيخ الإسلام، وأشاد به إشادة كبيرة، وكثير من العلماء.

    أخيراً: أنا أختم أقول: السلف -رحمهم الله- وهي دعوة صادقة لكل من يريد نيل الأجر من طلاب العلم ومن أصحاب الدور الذين يطبعون الكتب أقول: كتب السلف لم يعتن بها عناية فائقة، تحتاج إلى إعادة تحقيق، وإلى إخراج جيد، ونحن نشيد بالمشروع الذي خرج لمؤلفات شيخ الإسلام بن تيمية، وكان مشروعاً جيداً، وابن القيم، لكن أنا أقول: الأولى الآن أن تبرز كتب السلف في عصر الرواية في القرون الأولى التي لم تحف بعناية، وهي أهم وأولى.

    المقدم: طيب دكتور أنت في رسالتك، أشرت إلى كتاب (الحيدة) حققت ما يدور حوله من تدوين هذا الكتاب أم لم تشير إليه في الرسالة، وأثبت أن الحيدة للكناني أم لم تثبت ذلك؟

    المتصل: نعم، نعم كله، حتى كتاب الرد على الجهمية تكلموا عليه؛ لكن أنا أقول: الخلاصة الكتب ليست أحاديث.

    المقدم: كان معنا الدكتور ناصر الحنيني عضو هيئة التدريس بكلية أصول الدين قسم العقيدة، تحدث عن التدوين في العقيدة هل لك من تعليق قبل أن نستمر في الحديث؟

    أخونا الدكتور ناصر معروف بالعناية في كتب العقيدة، لا سيما الكتب المسندة، التي ألفت في الصدر الأول، وذكر بعضاً منها وأراحنا من بعض ما كنت أريد أن أقوله في الباب، ذكر منها كتاب السنة للإمام أحمد، وأبن أبي عاصم، وهناك كتاب السنة للخلال، وذكر أيضاً الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد، مع أنه يوجد من ينكر ثبوت هذا الكتاب للإمام؛ لكني أثبت أكثر من مائة نقل لشيخ الإسلام بن تيمية عن هذا الكتاب مع نسبته للإمام أحمد، وهو كتاب نافع وماتع، يفيد منه طالب العلم، وهو كتاب أصل في الباب، يرد فيه على شبه الجهمية ولزنادقة، كالرد على بشر المريسي وعثمان بن سعيد الدارمي، وكتب العقيدة لا شك أنها -المسندة للأئمة- هي الأصل في الباب، وإن عني المتأخرون بهذه المسائل، وأصلوها وقعدوها وضبطوها ورتبوها، مع حذف الأسانيد التي لا يحتاج إليها.

    شرح اعتقاد أهل السنة لللاكائي أشار إليه الشيخ.

    بقي كتاب التوحيد لابن خزيمة، وهو كتاب من أنفس الكتب، يذكر المسألة من كلامه بأسلوب واضح مفصل جميل على طريقة أهل السنة والجماعة، ثم يستدل لهذه المسألة مما صح عنده من السنة، إلا أن الملاحظ عليه التكرار، يستدل للمسألة الواحدة بأحاديث، ويذكر لكل حديث طرق، فلو اختصر هذا الكتاب، وقرب يعني بدل من أن يكون في مجلدين يمكن اختصاره في مائة صفحة، وقد عرضت هذا الاختصار على أخينا محقق الكتاب الدكتور عبد العزيز الشهوان، وهو لا يكلف شيئاً، يعني المسألة يأخذ كلام ابن خزيمة الإمام بحروفه يبقيه، ثم يستدل له بأقوى ما وجد في الباب، أقوى حديث في الباب، ويقتصر على طريق واحد، فتكون المسألة بدليلها، وأتصور أنه لن يعدو مائة صفحة بهذه الطريقة، والعمل هذا لا يكلف، لا يكلف طالب علم، فضلاً عن مثل الشيخ.

    أيضاً الشريعة للآجري فيه كثير من مسائل الاعتقاد بالأسانيد، وهو كتاب ينبغي لطالب العلم العناية به، والكتب كثيرة جداً، والوقت لا يسمح لاستيعابها، والآن مع كتب الفقه والفتاوى:

    أولاً: المتون يبدأ طالب العلم بالمتون الصغيرة على طريقة وعلى جادة أهل العلم، بآداب المشي إلى الصلاة مثلاً للإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ثم عمدة الفقه للإمام الموفق بن قدامة، وهو كتاب نفيس، يتسم بالوضوح والاختصار، ولأهميته شرحه شيخ الإسلام بن تيمية شرحاً موسعاً، طبع بعضه، ثم بعد ذلك ينتقل الطالب إلى ما بعد ذلك، مما هو أوسع، وهو مخير بين أن يقرأ في دليل الطالب، وهو أوسع من العمدة وهو أيضاً كتاب واضح مرتب فيه جودة تصوير المسائل، شرحه التغلبي في كتاب أسماه (نيل المآرب) وهو شرح متوسط، فيه بيان العلل، علل الأحكام، وشرحه أيضاً الشيح إبراهيم بن ضويان، في كتاب أسماه (منار السبيل في شرح الدليل) وهذا الكتاب عنايته بالدليل، وخدم الكتاب بهذين الشرحين، وأيضاً الكتاب له شروح مسموعة لجمع من أهل العلم، ومنار السبيل أيضاً صار له حضوة عند أهل العلم بالشرح والتقرير، فخرج أحاديثه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في إرواء الغليل، وكمله معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز، وأيضاً أخونا الشيخ عبد العزيز الطريفي له أيضاً تكميل لإرواء الغليل في الآثار التي لم يقف عليها الشيخ ناصر -رحمه الله-، هذا الكتاب المخدوم بهذه الطريقة خرجت الأحاديث وعلق عليه، بهذه الطريقة انتشر الكتاب عند أهل هذه البلاد، وإن كان في وقت مضى وقبل خدمته هذه الخدمة المتكاملة هو شهرته عند حنابلة الشام، الدليل شهرته عند حنابلة الشام، بينما الحنابلة في هذه البلاد يعنون بكتاب (الزاد) زاد المستقنع، وهو مختصر من المقنع لشرف الدين الحجاوي، وهو أمتن متون الفقه الحنبلي، وأجمعها مسائل على اختصاره، وصغر حجمه، اختصاره الشديد، عني به أهل العلم قراءة وإقراءً وشرحاً ودرساً، له شروح، وله أيضاً أشرطة كثيرة سجل فيها لكثير من أهل العلم فيه البلاد، فلهم عناية بهذا الكتاب عناية فائقة.

    شرحه الشيخ منصور بن يونس بن إدريس البهوتي في كتابه (الروض المربع) وهذا الكتاب من أشهر الكتب التي تقرأ في هذه البلاد، وعلى هذا الشرح حواشي الشيخ عبد الله أبو بطين، حاشية مطبوعة، وللشيخ عبد الله العنقري كذلك حاشية مطبوعة، وللشيخ عبد الرحمن بن قاسم أيضاً حاشية، اكتسحت الحواشي السابقة، فأدخلت فوائدها وزبدتها فيها، طبعت في سبعة مجلدات بعناية الشيخ عبد الله بن جبرين، الزاد عليه تعليقات منها (الكلمات السداد) للشيخ فيصل بن مبارك، والشيخ محمد بن عبد الله الحسين، له حاشية وتعليقات على الزاد طبعها مع كتاب له سماه (الزوائد) جرد فيه زوائد الإقناع عن الزاد، وكتب عليه الحاشية، وطبع الأربعة، الزوائد بحاشيته، والزاد بحاشيته، طبع في مجلد كبير باسم الزوائد.

    والشيخ صالح البليهي أيضاً له حاشية نفيسة مهمة في الباب اسمها (السلسبيل في معرفة الدليل) عني الشيخ بالدليل -رحمه الله تعالى- عناية فائقة، وأيضاً عني ببيان حكمة التشريع وبيان محاسن الشريعة، وضرر العمل بالقوانين الوضعية، وحلاه باختيارات شيخ الإسلام وابن القيم والشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأئمة الدعوة، والشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ ابن باز أيضاً ذكر بعض اختياراته أيضاً، أيضاً ذكر بعض اختيارات -وإن كانت قليلة- شيخه الشيخ صالح الخريصي، هذا شيخنا قرأنا عليه قديماً، وهو شيخ للشيخ البليهي -رحمه الله-.

    إضافة على ذكر أقوال الأئمة الأربعة والظاهرية وغيرهم، فالكتاب كتاب أقرب ما يكون استدلال للزاد، وأيضاً بيان لمذاهب الأئمة الذين وافقوا المذهب وخالفوه، وكوننا ننصح طالب العلم بقراءة هذه الكتب المختصرة والعناية بها لا يعني أننا نظنها كتب معصومة من الخطأ، إذا ضربنا على سبيل المثال الزاد الذي بين أيدينا فيه اثنتان وثلاثين مسألة خالف فيها المذهب، وخالف القول الراجح في مسائل، يعني لا يعني هذا أننا نجعل طالب العلم مربوط بهذه الكتب يعمل بها، نحن لا نقول: أن من حفظ الزاد أو فهم الزاد صار حكماً على العباد، كما يقوله بعض المغرضين الذين يروجون للتهويش عن كتب الفقه؛ لأنه ظهرت دعوة تتضمن التهوين من الفقهاء وكتب الفقه، والأخذ مباشرة من الكتاب والسنة، نقول: الأصل الكتاب والسنة، ونحن نتدين بما جاء في كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام-؛ لكن هذه الكتب المختصرة يتخرج عليها طالب العلم بمعنى أنه يجعلها عناصر أو خطة بحث، يأتي إلى هذا الكتاب ويأخذ مسائلة، هذه المسألة الأولى في هذا الكتاب، يصور المسألة ويتصور المسألة تصوير دقيق من خلال ما فهمه من قراءة على شيخ، أو نظراً في شرح، أو حاشية أو سماع أشرطة، المقصود أن يتصور هذه المسألة تصوراً دقيقاً، ثم بعد ذلك يستدل لصاحب الكتاب على هذه المسألة، ثم بعد ذلك ينظر من وافق من الأئمة صاحب الكتاب في هذه المسألة، ثم بعد ذلك ينظر من خالف، وينظر في دليله، ويوازن إذا تأهل للموازنة، ويرجح إذا صار أهلاً للترجيح، وبهذا يخرج عالم، لا أقول: طالب علم، إذا أمكن قراءة كتاب كامل بهذه الطريقة، وقد تأهل لذلك بالإخلاص التام لله -عز وجل- وقصد بتعلمه نفع النفس أولاً، وأن يعبد الله -جل وعلا- على مراده، وأن ينفع الآخرين، بهذه النية الصالحة، وجاء مع الجادة، وسلك الطريق الذي ذكرناه، ومع ذلكم احترم أهل العلم، وأدى ما يجب عليه تجاه النصوص من احترام، وجعلها هي النبراس الذي يستضاء به، ومع ذلك جبل وفطر على حافظة قوية تسعفه عند الحاجة، وفهم يسعفه ليتصور المسائل.

    فالمقصود أن التفقه بهذه الطريقة يعين طالب العلم، وييسر له الطريق، ولا يعني أننا ندعو إلى التقليد، لا، نحن ندعو إلى الاتباع، والأصل هو الدليل؛ لكن الطالب في بداية الأمر كيف يقال له: تفقه من الكتاب والسنة؟ إذا أرد أن يتفقه في باب الصلاة مثلاً وأراد أن يعمل بما في كتاب الله -جل وعلا- مما يتعلق بالصلاة، كيف يعمل في الصلاة؟ فيه الأمر بالصلاة {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ}[(43) سورة البقرة] لكن ليس فيها تفصيل، تفصيل الصلاة في السنة، كيف يأخذ أحكام الصلاة من كتب السنة؟ إذا بدأ بالبخاري يفنى عمره ويأخذ عليه وقت طويل، ولا يعرف كيف يصلي لماذا؟

    لأن في صحيح مسلم أحكام زائدة على ما في صحيح البخاري، مما يتعلق بالصلاة، في سنن أبي داود، ومتى يصل إلى سنن أبي داوود؟ في سنن الترمذي في مسند أحمد في البيهقي في كذا، أحاديث كثيرة، فهو يتفقه بهذه الطريقة، ويرجع للاستدلال لهذه المسائل، فهي بمثابة خطوط يمشي عليها، خطة يمشي عليها، فإذا تفقه بهذه الطريقة مع أن الأصل لا يختلف أحد في أن الأصل الكتاب والسنة، يعني لو قلنا لطالب العلم: تفقه من الكتاب والسنة، ثم قرأ في صحيح مسلم باب الأمر بقتل الكلاب، وهذه واقعة، خرج بالمسدس فما رآه من كلب قتله، الدرس الذي يليه في باب نسخ الأمر بقتل الكلاب، ماذا يصنع؟

    المقدم: يرجع يعتذر للكلاب.

    نعم، بينما الفقهاء يجعلون المسألة في سطر فيما يتعلق بهذه المسألة، وأدلتها يبحث عنها في الكتب، المقصود أن مثل ما ذكرت، ورددت مراراً، وفي مناسبات أن كتب الفقه ليست دساتير لا يحاد عنها، لا، هي مجرد خطط بحث، وعناصر يسير عليها طالب العلم، وبهذا أدرك من أدرك.

    نعم وجد متعصبة للمذاهب، يوجد متعصبون يرون أن قول المؤلف ملزم لا يجوز الخروج عنه، وجد في سائر المذاهب متعصبة؛ لكن هذا التعصب مذموم، وجد من يقول: لا يجوز الخروج عن المذاهب الأربعة، ولو خالفت الكتاب والسنة وقول الصحابي، يقول هذا الكلام، وجد من يقول هذا الكلام، وبالمقابل وجد من يحرم النظر في هذه الكتب.

    ودين الله وسط بين الغالي والجافي، فالمسألة خير الأمور أوساطها، فنستفيد من هذه الكتب، وألفها أئمة علماء أهل علم وعمل؛ لكنها ليست دساتير ملزمة، وإنما هي بيان، تبين لنا الطريق.

    الزاد نظم من قبل الشيخ ابن عتيق والشيخ سليمان بن عطية، الشيخ سليمان بن عطية نظم الزاد بأرجوزة ماتعة.

    هناك مختصرات كثيرة: مثل مختصر الخرقي، وعني به الناس عانية كبيرة منذ القدم، وأخصر المختصرات وله شروح، وكافي للمبتدئ، وأيضاً التسهيل، هناك مختصرات كثيرة؛ لكن ما صدرنا به الكلام هي أهم هذه المختصرات.

    المقدم: نأخذ اتصال من الشيخ عبد الكريم التويجري.

    شيخ عبد الكريم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    المتصل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أولاً: نشكرك على اتصالك؛ لكن الحقيقة وقت الأذان يداهمنا، وبودنا أن تكون مشاركتك ومداخلتك في لنا في فن الفقه، تفضل يا شيخ.

    المتصل: عفواً: أنا إن كان لي من مداخلة أريد أن أتكلم في الحقيقة في جانبين:

    الجانب الأول: بعد بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    بما أن هذه الحلقات كلها حول مكتبة طالب العلم، وكيف يبنيها، وقد أجاد الشيخ وأفاد -جزاه الله خيراً-، في هذا الجانب، حقيقة من الملاحظ أن كثيراً من المنتسبين للعلم الحريصين على متابعة جديد المكتبات كثير منهم ينحصر همه في مجرد اقتناء الكتاب لذات الاقتناء، فيكون آخر عهده بالكتاب حين ينظمه في أدراج مكتبته، ثم لا يكلف نفسه معرفة شيء عن هذا الكتاب.

    وأظن الحقيقة أن هذا من الخلل في منهجية الطلب، فاقل ما يترتب عليه أن الكتاب قد يوضع في غير محله وربما أيضاً لم يستفد منه في مواضع لا يكاد يستغنى عنه فيها، بل ربما لا توجد في غير هذا الكتاب، ونحن نتوجه لفضيلة الشيخ عبد الكريم بأن يجدر هنا بطالب العلم أن يهتم عند اقتنائه للكتاب بمعرفة أولاً موضوع الكتاب ومسائله التي تضمنها، ويكون ذلك بالنظر في مقدمة الكتاب، والفهارس الذي وضعها المؤلف، أو جعلها المحقق، وإن قدر له قراءة شيء من مسائل الكتاب وفصوله فذلك غاية المرام، هذه مسألة.

    والجانب الآخر هناك ملحوظة، وقد وردت في ثنايا كلام الدكتور ناصر في مداخلته، وأيضاً في كلام الشيخ عبد الكريم، وهي أن هناك كثير من كتب السلف من متقدمي السلف لهم كتب هي أصول معتمدة عند من جاء بعدهم، كالرد على الجهمية للإمام أحمد، والحيدة لعبد العزيز الكناني وغيره، ومتقدمو علماء الأمة ينقلون عن هذه الكتب، ويعتمدونها مطمئنين إلى صحة نسبتها إلى أصحابها، ولا يشكون فيها؛ لكن نبتت نابتة في أعقاب الزمن أصبحت تزرع لواء التشكيك في هذه الكتب، وفي نسبتها إلى أصحابها مما لا يخفى على الجميع أنه ينعكس سلباً على قيمة هذه الكتب، ومدى الثقة العلمية بها، فحقيقة نريد من الشيخ عبد الكريم توجيه

    المقدم: ليش يا شيخ تنعكس لماذا لا نقول: أنه ربما يكون فيه فتح مجال أيضاً للتحقيق والبحث يعني الحيدة ليست نابتة متأخرة، كتاب الحيدة بعض المتقدمين من العلماء أشار إلى التشكيك فيه هل فيه ما يضير؟

    المتصل: عفواً، لا شك البحث شيء والتشكيك شيء آخر.

    المقدم: يعني أنا أقصد أنه ليست القضية كل من شكك بنسبة كتاب أننا نقول: القضية خطيرة، الحيدة مثلاً شكك فيها بعض الأئمة القدامى...

    المتصل: نعم الأمر لا يخلو من حالين: إما حال نظر في واقع الكتاب للتثبت منه، فهذا أمر.

    المقدم: نعم هذا هو المراد.

    المتصل: ولعل فضيلة الشيخ يتحفنا في هذا الجانب، ومعلوم أن هناك شيء علم بالاستفاضة، فهناك شيء لا يحتاج إلى الإسناد المتصل.

    المقدم: طيب على كل حال نحن نشكرك، شكراً لفضيلة الشيخ، شكراً للشيخ عبد الكريم.

    جزى الله عنا فضيلة الشيخ عبد الكريم خير الجزاء على التنبيه الطيب.

    أما بالنسبة لإفادة طالب العلم من كتبه الذي يقتنيها، فهذه من إفرازات كثرة التصانيف والطباعة، والكتب التي تزف بها المطابع بكثرة بالمئات، بل بالألوف، تجعل طالب العلم لا يتمكن من التصفح، بعض الكتب لا سيما المكثر من الجمع؛ لكن الفائدة من الكتب هي المطالعة، وإلا مجرد جمع الكتب ليس بمزية، يوجد من غير المسلمين من يجمع من كتب المسلمين أضعاف ما عند المسلمين، يعني أن جمع الكتب بحد ذاته لا يعدو أن يكون هواية من الهوايات، وهذا سبق أن تحدثنا عنه، وسبق أيضاً أن تحدثنا عن كيفية الإفادة من هذه الكتب، أدركنا شيوخنا مكتباتهم كلها مقروءة، ومعلق على كتبهم، ويأتي الآن تركات عند بعض العلماء، لا يخلو كتاب، بل لا تخلو صفحة من تعليقات.

    المقدم: أنا رأيت عندك بعض الكتب يا شيخ عليها تعليقات لأصحابها من العلماء القدامى..

    ما في شك.

    المقدم: مما يدل على أنهم في كل صفحة يعلقون.

    كيف نسميه عالم، وهو ما قرأ، لا بد أن يقرأ.

    المقدم: فمثل هذه التعليق على الكتب وأخرجوا كتب.

    كتب، حواشي، حواشي تفسير البيضاوي أكثر من مائة وعشرين حاشية كلها تعليقات على تفسير البيضاوي وهذه حواشي، كل الكتب كلها، تعليقات الشيخ بابطين على الروض تعليقات.... هذه حواشي أفرزها القراءة، وشيوخنا الذين أدركناهم لا يخلو كتاب، بل لا تكاد تخلو صفحة من تعليق، من لمسة من هذا العالم.

    المقدم: الاختيارات الفقهية لابن تيمية -رحمه الله- الذي أخرج الكتاب يعني حققه متأخر ويكمن عليه بعض الملاحظات؛ لكن أفاد من تعليقات وتهميشات الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله- الموجودة على نفس كتاب الشيخ.

    معروف، المقصود أن الإفادة من الكتب هي الغاية من الاقتناء، وسبق أنا أشرنا أن كثرة التصانيف مشغلة عن التحصيل في كلام ابن خلدون، وأفضنا في هذا، أما بالنسبة للتشكيك في الكتب فبعض الناس لا أقول: من سوء قصد، لا، قد يكون من حسن قصد، يشكك في الكتاب الذي لا يطمئن إلى إسناده الذي وصله فيه، فيبحث عن إسناد الحيدة ما يجده، إلا في طريقه فلان أو علان؛ لكن إذا نظرنا في واقع الكتاب وأنه على الجادة، على معتقد أهل السنة والجماعة لا يضرنا أن نشكك فيه، يهمنا العلم، نعم إن ثبتت نسبته إلى هذا العالم فبها ونعمت، فإذا لم تثبت فالعلم بحد ذاته مطلوب...

    المقدم: لكن ما أشار إليه الشيخ... كما أخبر الشيخ بلفظ: نبت نابتة تشكك، حقيقة أننا بهذا...

    الحافظ الذهبي -رحمه الله- أسهم في هذا الباب، شكك في بعض الكتب؛ لكن لا يعني أننا نقلد الذهبي في هذا أولاً: الأنساب تكفي فيها الاستفاضة، ونسبة الكتب مثل الأنساب.

    المقدم: الحيدة فيها مواضع يا شيخ لا يمكن أن يقول بها الكناني، وهو من علماء السلف؟

    أنا أقول: النظر ينبغي أن يكون في واقع الكتاب قبل البحث في سنده، إذا نظرنا أن الكتاب متماثل وماشي وليس عليه ملاحظات، وإلا إذا وجد فيه ملاحظات تختلف عما يعتقده المؤلف نطعن فيه من هذه الحيثية، والطعن في المتن معروف عند أهل الحديث، أعظم من الطعن في السند.

    المقدم: يعني مثل كتاب الحيدة -مادام أشار إليه- لماذا لا نقول: أن أصل المناظرة ثابتة عن الإمام الكناني؛ لكن تأليف الكتاب...

    نعم تدوين هذه المناظرة ممن صحبه.

    المقدم: نعم من ناس حضروا، وبعضهم نقل، وبعضهم كتب، وأسهم وأدخل في الكتاب أخطاء كثيرة، فبالتالي نحن لا نصل إلى هذه الدرجة من أن كل تشكيك في الكتاب يمكن أن يصل إلى هذا الحد الذي ذكره الشيخ.

    أما بالنسبة لوضع الكتب فهو موجود وانتحال الكتب موجود؛ لكن كتب الأئمة -ولله الحمد- محفوظة بحفظ الدين، تبعاً لحفظ الدين، ويكفينا أن يستفيض أن هذا الكتاب للإمام أحمد، وماشي وجاري على قواعد الإمام أحمد، ثم بعد ذلك هل نبحث عن سنده. ما يلزم، إلا على قول من يقول -وهو ابن الخير الأشبيلي- وقوله منقوض عند أهل العلم، من أنه لا يجوز لك أن تنتقل، ولا تحتج، ولا تستفيد، ولا تروي من كتاب ليست لك به رواية.



    قلت: ولأبن خير امتناعُ *** جزمٍ سوى مرويه إجماعُ



    هو نقل الإجماع على ذلك، ونقل ابن برهان الإجماع على خلافه.

    فينبغي أن نعرف أن هذا الكتاب استفاض عند أهل العلم الموثوقين، ونقلوا منه، ونسبوه إلى مؤلفه يكفي، مثل (الرد على الجهمية والزنادقة) للإمام أحمد، وهناك كتب كثيرة في الفقه، طبقة ثانية بعد المختصرات والمطولات، وكتب الفتاوى القديمة والمعاصرة، نأتي إلى سردها.

    المقدم: أشكر لكم فضيلة الشيخ الدكتور/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير، عضو هيئة التدريس بكلية أصول الدين، وأشكر لجميع الأخوة الذين بعثوا بمشاركاتهم عبر الفاكس والاتصالات التي لم نتمكن من الرد على بعضها، واعتذارنا من بعض الأخوة نظراً لضيق الوقت؛ ولأن الجميع يريد أن يساهم في هذا الموضوع لأهميته؛ لكن لعل الله أن ييسر لقاءات أخرى نستكمل فيها الحوار، مع فضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم الخضير.

    أشكر لكم أنتم مستمعي الكرام طيب المتابعة وأعتذر للأخوة الذين اعتذرنا عن استقبال مكلماتهم نظراً لضيق الوقت وللرغبة في تغطية أكبر عدد من المعلومات.

    ألقاكم بإذن الله تعالى في حلقة قادمة معكم على الهواء محدثكم فهد بن عبد العزيز السنيدي.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
    إن شئتم أن يتجسّد العلم ،لا بُد من العقيدة فالتوحيد عليه مدار الحياة .{ أَصْلُهَا ثَابِتٌ } [لا إله إلاّ الله ثابتة في القلب ]والقلب محلّ العقيدة { وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء{24} تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا }معنى هذا الجانب العملي أي امتدّت عروق التوحيد في كل أماكن ونواحي القلب وتمكنت منه فلم تبق مكانا لمن يعيش معها من غير ذلك [أي ممّا يفسد القلب]

    [السبيل إلى العمـــل بالعلمـ : لشيخنا العيد شريفي ]

    www.forums.el-houda.org/

    http://www.salafie.net/vb/

  4. #4
    عضو ذهبي
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    الدولة
    الجزائر ـ بومرداس ـ
    المشاركات
    3,920

    افتراضي رد: مهم ..سلسلة: كيف يبني طالب العلم مكتبته ..للخضير


    سلسلة: كيف يبني طالب العلم مكتبته؟

    الحلقة: (4)

    تابع لكتب الفقه والفتاوى - كتب أصول الفقه

    الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير



    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين.

    نحن نتحدث عن مكتبة طالب العلم وعن الوصايا التي سيقدمها صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير لطلبة العلم فأهلاً ومرحباً بكم فضيلة الدكتور.

    حياكم الله وبارك فيكم.

    بعض دروس المشايخ خارج هذه البلاد سلسلة في فقه البيوع من كتاب بداية المجتهد، أو سلسلة الطهارة من كتاب المغني، يقول: لماذا لا تجعلوا مثل هذه السلسلة ضمن برامجكم، وفي البرامج الدعوية التي تقومون بها فضيلة الدكتور.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    الجادة المعروفة عند أهل العلم أن المطولات لا تشرح للطلاب، أن المطولات لا تشرح لطلاب العلم، وإنما تشرح المتون، وعليها يتربى طلاب العلم، لا سيما المتون المتينة، فيقتصر من كل فن على متن للمبتدئين وآخر للمتوسطين، وثالث للمنتهين، بحيث يتأهل الطالب إذا أتم عرض هذه الكتب على الشيوخ، وسمع شرحها، أن يتولى فهم الكتب مما وراءها من الكتب المطولة بنفسه، ويربى على المتون، ثم بعد ذلك يقرأ إن كان في وقت الشيخ فسحة ومدة، لا سيما وقد كان الشيوخ يجلسون للطلاب خاصة الأوقات، ويخصصون لهذه الأوقات وقت لجرد المطولات، فمثلاً بعد صلاة الظهر إحنا أدركنا بعض شيوخنا على هذا، يقرأ فيه مثلاً من كتاب المغني، كتاب البداية والنهاية للحافظ ابن كثير، تفسير الطبري، دروس يومية، بهذه الطريقة تنتهي هذه الكتب، والتعليق عليها يكون سهل جداً.

    أما الشرح والتفهيم للطلاب للمتون، وكل طالب أو كل فئة من المتعلمين يعطى ما يحتمله عقله، فالمبتدئ يعطى من الشرح والتوضيح لبيان هذا المتن الذي هو بصدده متن المبتدئين بقدر ما يحل له ألفاظ هذا المتن، ثم بعد ذلك الطبقة الثانية، طبقة المتوسطين يبسط لهم شيء من الاستدلال، وشيء من التحليل لهذه المسائل، ثم الطبقة الثالثة يشار إلى شيء من الخلاف مع الترجيح.

    المقدم: يعني ربما أدركتم شيخكم الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- وهو يتبع هذه الطريقة في مسألة قراءة الكتب الطويلة والتعليق عليها تعليقاً يسيراً؟

    هذه جادة معروفة عند أهل العلم قاطبة، الشيخ مع كثرة مشاغلة دروسه محدودة، يعني ستة أو سبعة في الأسبوع، ستة في الأسبوع، بينما أدركنا من له في الأسبوع من الدروس عشرين درساً، وكان النووي -رحمه الله- يحضر في اليوم الواحد اثنا عشر درساً في اليوم الواحد، يعني كان الناس متفرغين للعلم، ولا شك أن العلماء مشغولون بما هم بصدده من تسيير أمور العامة كل في موقعه في قضائه في إفتائه في تعليمه، المقصود أنهم يعطون بقدر ما عندهم من وقت.

    أما العلماء فكانوا في السابق القاضي وهو يقضي بين الخصوم والكتاب يقرأ في المسجد، ويقضي بين الخصوم في المسجد، أما الحياة الرتيبة التي يعيشها الناس اليوم، لا شك أنها تقضي على كثير من الأوقات، يعني الذهاب والإياب والأمور الروتونية التي تتطلبها حاجة الناس اليوم ليست عارية من الفائدة، بل هي تلبي حاجات الناس اليوم، وظروف الناس اليوم تختلف عن ظروفهم في السابق.

    المقدم: شيخنا أيضاً استمراراً لسؤال الأخ يتحدث عن التصنيف الموجود عند أهل العلم، يطلب أن يكون هذا التصنيف موجود في الشروحات التي تقومون بها فمثلاً يقول: عرض التقسيم للدورات العلمية التي تقيمونها بحيث تتفقون مع أصحاب التسجيلات أن يكون هناك حقائب مثلاً هذه دورة علمية للمبتدئين للمتوسطين، لطلبة العلم المتقدمين، يقول: أحياناً نأتي ولا ندري ما هي الطريقة التي سلكتموها في هذه الدورة، هل تناسبنا أم لا تناسب؟

    هذا الطالب يمكن أن يوجه على القائمين على ترتيب الدورات، والوزارة ممثلة بمعالي الشيخ صالح بن عبد العزيز هو من يهتم بهذا أشد الاهتمام، وهو من أهل العلم، ومن يدرك ضرورة هذا التقسيم، فالمطلوب منه أن يخصص لجنة تشرف على هذه الدورات، وعلى تصنيفها، وترتب هذه الدورات، وتفي بحاجة الطلاب بكافة مستوياتهم على اختلاف مستوياتهم، والشيخ له عناية بهذا الأمر وأعرفه من القدم.

    المقدم: لكن أنتم في دوراتكم يا شيخ لو سألناك نقول: عندك دورة للمبتدئين تستطيع أن تقول لنا: نعم موجودة واسمها كذا، ودورة للمتوسطين كذا، صنفت هذا يا شيخ؟

    لا لم أصنف هذا، ولو قلت: أني أحسن التعامل مع المبتدئين لكنت بعيداً عن الحقيقة، وقد أشرح كتاباً للمبتدئين كالورقات أو الأجرومية مثلاً، وأجعله للمنتهين، وأخاطب بشرحي المنتهين، والشيوخ لا شك أنهم قدرات، كل يحسن ما لا يحسنه غيره، وأذكر على سبيل المثال الأربعين النووية شرحت بدورة تناسب المبتدئين الأربعين في أربعة أيام، وأقمت دورة في الأربعين شرحته في ستة دروس، كل درس في ساعتين ونصف شرحت ستة أحاديث، ولو أنا أتابع شرح الأربعين من خلال محاضرات كل حديث يأخذ ساعة ونصف ساعتين، فالإشكال أني مبتلاً بالاستطراد، ومع الأسف أني أجد من يشجعني على هذا من الطلاب.

    المقدم: لأن هذا الفن له مرتادين ومحبين؟

    بلا شك.

    المقدم: فضيلة الدكتور أيضاً هل كل كتاب يحتاج للسؤال يسأل طالب العلم عن طبعاته المفضلة، أم أن هذا خاص بكتب العلماء المتقدمين فقط؟

    هو إن أمكن أن يسأل عن كل كتاب، وأن يجد من يجيبه عن كل كتاب كان أفضل لئلا يدخل في مكتبته طبعة مفضولة مع وجود ما هو أفضل منها، ولا يقرأ طبعة مفضولة كتاباً من خلال طبعة مفضولة، مع وجود ما هو أفضل منها، فإذا أمكن ذلك وإلا يقتصر على قدر ما يمكنه بدءً بالأهم فالمهم.

    المقدم: في قول كثير من المحققين هذه مقابلة على نسخة كذا، وهذه على نسخة كذا، يقول: ذكر أن بعض النسخ يقول: صحيحة، هل قولهم أنها مقابلة على نسخة صحيحة يكون بمثابة النسخة الأصلية؟

    هذا الذي يحدده جودة المحقق، فإن كان المحقق يستطيع أن يوازن بين الطبعات السابقة، ويفاضل بينها وبين النسخ المخطوطة، ويعتمد على أصحها كان كلامه دقيقاً، وإلا فكم من محقق قال: طبع على أصح الطبعات أو قوبل على أفضل النسخ، أو ضبط وتحقيق فيظهر الأمر خلاف ذلك، ونجد في مرجوحه مما يضعه في الحاشية، ما هو الراجح، وهذا كثير، على سبيل المثال يوجد من كبار من يشار إليهم بالبنان من المحققين تجده يضع في الحاشية "في الأصل كذا، والذي أثبتته هو الصحيح" والأصل هو الصحيح، وهذا مر بنا ومر بغيرنا، على كل حال هذه أمور نسبية، والعصمة من الخطأ لا تتصور من أي شخص كان.

    المقدم: هل يمكن أن يقول: أنا أعرف هذا من خلال تعامل الحاسوب أعرف أن هذا القرص اعتمد على نسخة أصلية، وبالتالي أطمئن، يمكن هذا يا دكتور؟

    هذه المعرفة وهذه الخبرة وهذه الدراية كغيرها من العلوم، قد تدرك دراية فلان بالاستفاضة، استفاض بين الأوساط العلمية، وبين العلماء، وبين طلاب العلم أن هذا محقق مجود، وهذا درجته أقل، وهذا لا يحسن التحقيق، يعني كغيرها من العلوم، بالاستفاضة يعرف هذا.

    المقدم: لكن بالنسبة للأقراص -يا شيخ- في الحاسب الآلي، يقول: الآن بعض الحاسب يقول: رجعنا إلى الكتاب الفلاني، هل يقول: أطمئن للحاسب لرجوعه إلى نسخة معينة؟

    الغالب أن من يتعامل مع الحاسب، درجته في التحصيل أقل من أهل العلم الذين لديهم الخبرة الكافية، درجته أقل؛ لكنهم في الآونة الأخيرة أخذوا يستشيرون ويسألون عن الطبعات، ويتصلون باستمرار، ما أفضل طبعة لتفسير ابن كثير؟ ما أفضل طبعة لفتح الباري؟ ما أفضل طبعة لكتاب المغني؟ وهكذا، فبهذا يثق الناس إلى حد ما بمن يستشير، أما من لا يستشير فالغالب أن من يحسن الصنائع هذه، والتقنيات في الغالب أنه مقصر في الجانب الآخر؛ لأن الجمع بين كل شيء لا يمكن.

    المقدم: يسأل -أحسن الله إليك- عن طبعة مقابلة على النسخة السلطانية لصحيح البخاري بعناية أبي صهيب الكرمي، يسأل عن مدى صحة التعامل معها؟

    الآن صحيح البخاري الطبعة السلطانية التي صححها بعضة عشر من علماء الأزهر، الطبعة السلطانية الأولى سنة 1311هـ، صورت، واعتني بها عناية فائقة بالترقيم بالأطراف بالتخريج بالإحالة على الشروح، وبالإحالة على تغليق التغليق، فلا نظير لها البتة، فنصيحتي أن يقتنيها طالب العلم، ويعنى بها، أما الطبعات التي أخذت عنها، بقدر ثقة المحقق تتمثل هذه المقابلة؛ لكن يبقى أن المحقق الذي يأخذ عن نسخة صحيحة والنسخة الصحيحة موجودة ما الداعي إلى أن نأخذ من الفرع مع وجود الأصل، الأصل موجود، والخطأ لا بد أن يقع مهما بذل الإنسان من جهد، الخطأ لا بد أن يقع، فكون الأصل موجود، ولذا أهل العلم يطلبون العلو في الروايات؛ لأنه كلما كثرت الوسائط زاد احتمال الخطأ.

    المقدم: يسأل عن مجموعة من الكتب إن أذنتم لنا فضيلة الدكتور نأخذها بسرعة حتى ندخل في موضوعنا

    يسأل عن أفضل طبعة لفتاوى شيخ الإسلام بن تيمية؟

    أفضل طبعة الآن وهي مأخوذة عن طبعة الملك سعود والملك فيصل، طبعة المجمع، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف، هي أفضل من الأصل باعتبار أن الآيات أخذت بالرسم الذي عني به المجمع من المصحف، ما خضعت لطباعة الطابعين، أخذت من المصحف، وبهذا يقل الخطأ، ومر علينا في طبعة الملك سعود، مع طبعة الملك فيصل للفتاوى أخطاء في بعض الآيات، تلافوها في هذه الطبعة، وأيضاً صورت على ورق فاخر جداً، فهي نفيسة جداً هذه الطبعة.

    المقدم: بداية المجتهد يا شيخ؟

    بداية المجتهد طبع طبعات قديمة وطبعت حديثاً؛ لكن من أحسنها طبعة السعادة، من الطبعات القديمة طبعة السعادة.

    المقدم: أعلام الموقعين؟

    إعلام الموقعين طبعه فرج الله الكردي، ومعه حادي الأرواح، وطبعته هذه عني بها أهل العلم؛ لأنها أول ما ظهر من الطبعات، وهي طبعة جيدة بالجملة، وإن كان طابعها متهماً بأنه كان بهائي، واتهم بأنه يحرف الكتب، نعم طبعاته فيها أخطاء؛ لكنها خدمت بلا شك، طبع مجموع فتاوى شيخ الإسلام، الفتاوى الكبرى، وطبع إعلام الموقعين, وطبع كتب كثيرة جداً، واعتمد عليها أهل العلم، ثم بعد ذلك طبع بمطبعة منير الدمشقي، وهي طبعة جيدة مصححة، هي مأخوذة من طبعة الكردي؛ لكنها مصححة، ثم بعد ذلك طبعه الشيخ محي الدين عبد الحميد، إلا أنه لكونه ليس من أهل الفن أتقن الأمور الطباعية الصناعة، صناعة الطباعة أتقنها، ضبط الفواصل وبدايات الأسطر ونهايتها، وبداية الجمل وهكذا، لكن التعليق على الكتاب مستواه أقل

    من الطرائف أنه قال في مسألة التورق هي معروفة عند صغار الطلاب، مسألة التورق يقول: كذا في الأصل؛ ولا أعرف لها معنى، فلعلها تحريف من النساخ.

    في مشكلة إذا تولى هذه الكتب من لا يحسنها، الشيخ محي الدين عبد الحميد اهتمامه في اللغة، ولذلك طبعاته في كتب اللغة من أنفس الطبعات، وإخراجه إخراج جميل جداً.

    صورت كذلك طبعة للشيخ عبد الرحمن الوكيل، وذكر في المقدمة هذه الملاحظة على الشيخ محي الدين عبد الحميد، ومع ذلك لم يحل الإشكال.

    المقدم: وقع في نفس الأخطأ؟

    أقل وإن كان أخف، قال: "الشيخ محيي الدين لم يصل إلى معرفة مسألة التورق، وبحثت عنها كثيراً في كتب شيخ الإسلام التي ينقل عنها ابن القيم، فتوصلت إلى أن مسألة التورق مسألة ربوية محرمة، بهذا الكلام قال،

    ورأي ابن القيم يختلف تماماً عن رأيه شيخه، رأي ابن القيم تبعاً للأئمة يجيز مسألة التورق، وراجع شيخه شيخ الإسلام مراراً، فلم يقتنع شيخ الإسلام -رحمه الله،- شيخ الإسلام رأيه رأي ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ممن يمنع مسألة التورق.

    لكن عامة أهل العلم على جوازها إذا استوفت شروطها، وجاءت صورة مطابقة لما في الشرح يعني من مِلك صاحب السلعة الأول ملك تام مستقر، ثم يبيعها على الثاني، ثم يقبضها الثاني قبضاً شرعياً معتبراً، ثم يبيعها على طرف ثالث، هذه مسألة التورق عامة أهل العلم على جوازها.

    المقدم: أحسن الله إليكم مدارج السالكين؟

    مدارج السالكين طبعه الشيخ محمد رشيد رضا بمطبعة المنار قديماً، ثم عني به الشيح محمد حامد الفقي فطبعه بمطبعة أنصار السنة، وطبعة الشيخ محمد رشيد رضا نفيسة التي هي طبعة المنار، وكذلك طبعة الشيخ حامد جيدة في الجملة إلا أنه في بعض المواقع يعلق على الكتاب، وابن القيم يتعامل مع الكتاب فيه شوب الصوفية، تأثير التصوف ظاهر، الذي هو منازل السائرين، ابن القيم علق على هذه المسائل؛ ولكنه أراد أن يجاري صاحب الكتاب ويتأول كلام صاحب الكتاب، ويحمله على محامل حسنة؛ لكن الشيخ حامد شد على الهروي، وشد تبعاً لذلك على ابن القيم -رحمه الله-.

    المقدم: تفسير القرطبي؟

    تفسر القرطبي طبع أولاً في دار الكتب المصرية، طبعة أولى، طبع الأول والثاني والثالث، طبعة قديمة جداً، ثم أعيد طبع الأول والثاني والثالث، ثم أكمل الكتاب طبعة أولى، ثم طبع الأول طبعة ثالثة، ثم طبع رابعة، ثم طبع الكتاب كاملاً من واحد إلى عشرين طبعة ثانية، كأن الطبعات السابقة اعتبروها طبعة واحدة للمجلد الأول، إذا عرفنا أن الأول طبع يمكن خمس مرات، من الثاني إلى الثاني عشر طبع أولى وثانية، من الثالث عشر إلى العشرين طبع أولى، ثم طبع الكتاب من واحد إلى عشرين طبعة ثانية ومقابلة على نسخ كثيرة، بعض الأجزاء على ثلاثة عشر نسخة، في دار الكتب المصرية حرف جميل، وورق جميل، وإحالات، وعناية فائقة.

    المقدم: الطباعة أين؟

    دار الكتب المصرية.

    المقدم: نفس الدار؟

    نعم، دار الكتب المصرية طباعة جميلة، وإخراج فاخر، تعين على القراءة، بتفصيل ممتاز، طبع طبعات جديدة، ادعي تحقيقه، وادعي تخريج أحاديثه، مع أن في عناية في بعض الأحاديث، وبعض الآثار؛ لكن طبعة دار الكتب المصرية لا يعدلها شيء، تبقى أنها الأحاديث بحاجة إلى عناية.

    المقدم: أنتم تشرحون الكتاب في دروسكم؟

    نعم، منذ ثلاثة عشر عاماً.

    المقدم: أين وصلتم؟

    أكملنا الجزء العاشر، وقفنا على الحادي عشر، وهو كتاب نفيس مثل اسمه (جامع).

    المقدم: المحلى أيضاً لابن حزم يسأل عنه؟

    المحلى أفضل طبعاته طبعة منير، الطبعة المنيرية، بعانية الشيخ أحمد شاكر، الشيخ أحمد شاكر تولى تحقيقه والتعليق عليه.

    المقدم: تحفة الأحوذي؟

    تحفة الأحوذي طبع في الهند بالحرف، الحروف العربية؛ لكن شكلها فارسي، اللغة عربية بالحرف الفارسي، ولذا لا يحسن التعامل معها كثير من طلاب العلم لا المبتدئين ولا المتوسطين، طبعه عبد الرحمن محمد عثمان في المطبعة السلفية في المدينة المنورة، طبعة الكتاب في عشرة مجلدات، والمقدمة في جزأين؛ لكن هذه الطبعة فيها أخطاء على أنها الذي لا يجيد قراءة الطبعة الهندية هذه أفضل الموجود الآن.

    المقدم: المنتقى للباجي يا شيخ؟

    المنتقى للباجي طبعة السعادة، مطبعة السعادة هي أفضل الطبعات إلى الآن، وهي طبعة لا بأس بها.

    المقدم: نختم بالزرقاني بشرح الموطأ يقول: هل نستغني بأحد الكتابين عن الآخر يا شيخ؟

    الزرقاني على الموطأ طبع مراراً، طبع في المطبعة القسطلية قديماً، ثم طبع في المطبعة الخيرية، ثم بعد ذلك طبع أخيراً في المطبعة التجارية في أربعة مجلدات، طبعت أكثر من مرة في المطبعة التجارية، وهي طبعات طيبة لا بأس بها، أخطاء قليلة جداً ، ولا يمكن أن يستغنى بالزرقاني عن الباجي، الباجي إمام فقيه من أئمة المالكية، لا يستغنى بغيره عنه، على أن الزرقاني جمع شرحه من شروح متعددة من شروح ابن عبد البر التمهيد والاستذكار، واعتمد اعتماد قوي على الباجي، وأيضاً رجع إلى فتح الباري وشرح النووي وغيرهما من الشروح.

    المقدم: معنا صاحب الفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل، فضيلة الشيخ حياكم الله يا شيخ عبد الله.

    المتصل: أهلاً وسهلاً بكم.

    المقدم: حياكم الله، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، شيخنا نحن نتحدث مع فضيلة الدكتور عبد الكريم الخضير حول مكتبة طالب العلم، سبق لنا لقاءات عديدة مع فضيلته تحدث عن مجموعة من الكتب في القرآن وعلومه والعقيدة والفقه، لا زال الحديث متواصل حول هذه الكتب، نستأذن فضيلتكم في البداية لنطرح قضية قراءة الكتب والتعليق عليها فيمن أدركتم من مشايخكم -أحسن الله عليكم- في السابق، كان لهم طريقة في القراءة والتعليق على هذه الكتب، وبعضهم يحتفظ بهذه الكتب والتعليق عليها بطريقة معينة، لعلكم تتفضلون في الحديث لطلبة العلم حول هذا الموضوع؟

    المتصل: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    هذا بحث جيد بالنسبة إلى طلاب العلم، وتعاملهم مع الكتب؛ لأن الكتب هي مراجع العلم في أي فن كان، وهي كما لا يخفى على شريف علمكم تختلف من حيث التوسع أو الاختصار أو ما بين ذلك، ومنها المتون، ومنها الشروح، ومنها الحواشي، وكان طلبة العلم فيما سبق أول ما يبدأ الإنسان منهم يحفظ فن من الفنون، يبدأ بفن من فنونه، يعني كتاب يؤلف، مختصر من مختصرات هذا الفن، وإذا حفظه، وقرأه على الشيح، وشرحه له، يستعين هذا الطالب بشروح هذا المتن أو حواشيه، ويعلق عليها في هوامشه، ويرد أوله إلى آخره، وبالعكس إذا المتن مشتمل على مسألة، فهي حقيقة الحفظ هو أساس الدرس، وأساس التعليم، كما قال الرحبي:



    ................................. *** فاحفظ فكل حافظ إمامُ



    ويختلف مناهج الطلاب، منهم من يكون على هذه الصفات، ومنهم من يكون له اتجاه آخر، و الحريصون منهم كلما مر على موضع في مسألة من مسائل العلم ورأى لها تعلق في باب آخر؛ لأن بعض المسائل تذكر في موضع أو موضعين أو ثلاثة أو أربعة، يعني موضوع مثلاً: السقط الذي يسقط من بطن أمه قبل أن يتم، مذكور في سبعة مواضع من أبواب الفقه، فمذكور مثلاً في باب النفاس، مذكور في باب الميراث، مذكور في باب الجنايات، مذكور في باب العتق إلى آخره، فالحريص منهم يربط هذا مع هذا، ويشير إلى هذا مع هذا، ثم أيضاً الدرس منهم من يدرس الفن مثل ما يدرس الإنسان القرآن، تجده مثلاً يحزب المتن مثل بلوغ المرام، وإلا مثل الألفية في النحو أو مثل الرحبية، كل علم يدرس فن من فنونه هذا حيث يتعهدها لا متناً ولا معنى.

    المقدم: لكن من خلال شروح سابقة لأحد المشايخ الذين حضر عليهم يا شيخ؟ يراجع هذا؟

    المتصل: لا بد، الشيخ هو مرجع في ذلك، وقد لا يكون شيخ واحد، قد يكون شيخ النحو غير شيخ الفقه، وشيخ الفقه غير شيخ السيرة والحديث.

    المقدم: لكن يا شيخنا هل أدركتم أيضاً من مشايخكم من كان يعلق على كتبه، طريقة تعليقه على الكتاب الذي يحمله كيف كانت؟

    المتصل: هذه الحواشي، الحواشي كثيرة، كلاً على منهجه، بعضهم يقول: "من تبع الحواشي ما حوى شيء" ولكن هذا ما هو على إطلاقه، بعض الحواشي والهوامش.......، وبعضها، لا، بعضها تقيد العبارة، يعني بعض المؤلفين بكلام جيد يسد تلك ثغرة؛ ولكن بعضهم يعلق على هذا يسد الثغرة هذه يبين الإنسان شرط، مثلاً أخل الإنسان بشرط وإلا بقيد أو غير ذلك.

    المقدم: فضيلة الشيخ أيضاً على مدى حلقات كنا مع فضيلة الدكتور عبد الكريم تحدث عن مكتبة طالب العلم إن كان لكم تعليق على ما سبق من حديث الشيخ عبد الكريم حفظكم الله؟

    المتصل: الشيخ عبد الكريم -ما شاء الله- شيخ علامة، واسع الإطلاع، وعنده -ما شاء الله- معلومات جديدة، ونحن نحترمه، ونرى أن كلامه -ما شاء الله- من أفضل المشايخ، نسأل الله أن يعينه على الخير، وجزاه الله خيراً.

    المقدم: كان هذا هو الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل شكر الله له على تعليقه.

    أرجع إليكم فضيلة الدكتور: إن رأيتم أن نبدأ في كتب الفقه كنا أشرنا إليها في حلقات ماضية ثم نستكملها لو سمحتم يا شيخ؟

    أولاً: ما أشار إليه فضيلة شيخنا من فوائد، ينبغي أن يعنى بها طالب العلم، وأشرنا مراراً إلى ما ذكره بعضهم من كيفية تحضير الدروس، قبل الحضور إلى الشيوخ، من حفظ المقطع الذي يراد شرحه ومراجعة الشرح، بل محاولة الفهم قبل قراءة الشرح، ثم قراءة الشرح، ثم ما كتب عليه من الحواشي، ثم المذاكرة مع الزملاء قبل الحضور إلى الشيخ، ثم بعد ذلك يحضر الطالب بعد أن فعل هذه الأمور إلى الشيخ بنية صالحة خالصة ينوي بذلك الإفادة من علم الشيخ، لا يتكبر ولا يترفع، ولا يسأل سؤالاً يريد به إظهار نفسه، ولا إحراج الشيخ، ثم بعد ذلك يحترم بكل أدب ما يقوله الشيخ، ويقيد ما يستفيده من الشيخ زيادة على ما عنده، ثم إذا خرج يذاكر الإخوان بما فهم وبما سمع، وبما كتب، وبهذا تتكون لديه تكتمل فيه الفائدة.

    أما بعض الإخوان مع الأسف الشديد في هذه الأيام كثير منهم لا يعرف الكتاب إلا في الدرس عند الشيخ، بل بعض الإخوان يترك الكتاب في المسجد، وهذا يقرر أهل العلم أنه قل أن يفلح، قل أن يفلح مثل هذا؛ لأن العلم يحتاج إلى معاناة، ما هي المسألة مسألة حضور، العوام يحضرون؛ لكن لا بد من الاهتمام، لا بد من معاناة هذا العلم، وإلا فالعلم نفيس لا يدرك كله، وإلا كان الناس كلهم علماء، لو كان الأمر سهل، فلا بد من معاناته، والله المستعان.

    المقدم: ندخل فيما تبقى لنا من كتب الفقه.

    نعم بدأنا بكتب الفقه، وقلنا: أن الطالب يبدأ بمثل آداب المشي إلى الصلاة للإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-، ثم يبدأ بعد ذلك بكتاب مختصر، إما أخصر المختصرات أو عمدة الطالب للشيخ منصور، أو عمدة الفقه للحافظ للإمام الموفق، وهذا كتاب نفيس يعود الطالب على الاعتماد على الحديث، لأنه يبدأ كل باب بحديث.

    المقدم: شرح الكتاب يا شيخ؟

    نعم شرح شروح كثيرة جداً، ممن شرحه لأهميته شيخ الإسلام ابن تيميه، بعد ذلك يبدأ الطالب إما بدليل الطالب، وهو أوسع من العمدة مع الوضوح وجودة التصوير للمسائل، وله شروح أشرنا إليها في الحلقات السابقة، والكتاب مخدوم، ثم بعد ذلك تكون عنايته الفائقة بـ(زاد المستقنع) الذي هو أمتن متون الفقه الحنبلي، وأجمعها وأكثرها مسائل على اختصاره الشديد، وهو مختصر من المقنع، وعني به أهل العلم قراءة وإقراءً وحفظاً وشرحاً، وتدريساً، له شروح كثيرة، شرحه الشيخ منصور البهوتي في كتاب أسماه (الروض المربع) أشرنا إليه سابقاً، وعليه حواشي للشيخ عبد الله با بطين، والشيخ عبد الله العنجري، والشيخ عبد الرحمن بن قاسم، وعلق على الزاد الشيخ فيصل بن مبارك والشيخ محمد بن عبد الله الحسين، وجرد الشيح محمد الحسين مع ذلك زوائد الإقناع عليه ثم طبع الجميع باسم (الزوائد) هذا سبق أن أشرنا إليه، أيضاً حاشية الشيخ صالح البليهي.

    المقدم: إذا أردنا ذكر كل طبعة لكل كتاب ومقارنة لطال بنا المقام؟

    بلا شك؛ لأن هذه إشارات والوقت يسابقنا، إشارات والأصل أنها نصائح لطالب العلم، فيوجه لكيفية الطلب، أما الطبعات فيذكر منها ما تيسر، والباقي يحال عليه بلقاءات قادمة -إن شاء الله- في مناسبة عديدة.

    الشيخ صالح البليهي علق حاشية نفيسة على الزاد أسماها (السلسبيل) حاشية تعنى بالدليل، وحكمت التشريع وبيان محاسن الشريعة، وضرر العمل بالقوانين الوضعية، ذكر مذاهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وحلى الحاشية باختيارات شيخ الإسلام بن تيمية وابن القيم، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأئمة الدعوة، من بعد ذلك الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ بن حميد وابن باز، والشيخ الخريصي، وهو شيخ للشيخ البليهي، وغيرهم.

    أيضاً من شروح الزاد، من أهمهما وأمتعها شرح الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، اسمه (الشرح الممتع) وهو كاسمه، سهل فيه الشيخ مسائل الزاد، وحللها تحليلاً سهلاً مبسطاً، ذلل فيه الشيخ مسائل الكتاب التي كان الطلاب يستصعبونها ولا يتطاول على الكتاب في متنه وشرحه وفهمه إلا المتمكن من طلاب العلم، وهذا شأنه -رحمه الله تعالى- في كل كتاب يتصدى لشرحه، أيضاً الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله- شرح الزاد شرحاً متوسط مستمد غالبه من (الروض المربع) ويعنى فيه الشيخ بتحليل اللفظ، وهو نافع جداً لمن يريد فهم الكتاب دون استطراد، الشيخ عبد القادر بن بدران في كتابه النافع الماتع (المدخل إلى مذهب الإمام أحمد) ذكر فائدة تتعلق بنصيحة الطالب، والدين النصيحة، ونصيحة الطالب أمر لا بد منه؛ لأنه مع الأسف بعض من يتصدى لإقراء الناس ينظر إلى الكتب التي هو بحاجة إليها، فإذا جاءه طالب يقرأ عليه قال له: اقرأ الكتاب الفلاني لماذا؟ لأن الشيخ بحاجة إليه، ولا ينظر إلى حاجة الطالب، مع أن النصيحة تقتضي النظر إلى حاجة الطالب، نعم إذا جاء طالب منتهي يريد أن يتزود عنده مبادئ العلوم، وعرضت عليه وقلت له: أني بحاجة لهذا الكتاب فلو تدارسناه معاً كان جيد, ولن يخلو الكتاب من فائدة؛ لكن إذا جاءني طالب مبتدئ مثلاً وأنا محتاج إلى كتاب كبير، ووقتي لا يسمح بقراءته بمفردي أجعل هذا الطالب يقرأه، لو جاء شخص يسأل عن كتاب في العقيدة أقول: اقرأ علي كتاب (درء تعارض العقل والنقل) لا يمكن هذا، أو أقرأ كتاب (العلل) للدار قطني، هذا تضييع للطالب بلا شك، ولذا يقول في كتابه المدخل: "وحيث أن كتابي هذا مدخل لعلم الفقه أحببت أن أذكر من النصائح ما يتعلق بذلك العلم، فأقول: لا جرم أن النصيحة كالفرض، وخصوصاً على العلماء، فالواجب الديني على المعلم إذا أراد إقراء المبتدئين أن يقرئهم أولاً كتاب أخصر المختصرات أو العمدة -عمدة الطالب غير عمدة الموفق، عمدة الطالب للشيخ منصور، متن مختصراً- إن كان حنبلياً، أو الغاية لأبي شجاع إن كان شافعياً، أو العشماوية إن كان مالكياً، أو منية المصلي، أو الإيضاح إن كان حنفياً، ويجب عليه أن يشرح له المتن بلا زيادة ولا نقصان -يعني يعنى بتحليل لفظ المتن، بحيث يفهم الطالب ويتصور هذه المسائل من غير زيادة ولا استطراد- وبحيث يفهم ما اشتمل عليه ويصور مسائله في ذهنه، ولا يشغله بما زاد على ذلك، وقد كانت هذه طريقة شيخنا العلامة الشيخ محمد بن عثمان الحنبلي المشهور بخطيب دومة المتوفى في المدينة المنورة سنة ثمان وثلاثمائة بعد الألف، وكان -رحمه الله- يقول لنا: لا ينبغي لمن يقرأ كتاباً أن يتصور أنه يريد قراءته مرة ثانية"، نعم يعني أنت إذا تصورت أنك تقرأ الكتاب وممكن ترجع له مرة ثانية، تبي تمشيه، نعم على أساس أنك تعود ثانية، يقول: "اقرأ الكتاب على أساس أنك لن تعود إليه مرة أخرى" فما ينتج عن ذلك؟ ينتج أنك تتفهم هذا الكتاب بدقة، يقول: "لا ينبغي لمن يقرأ الكتاب أن يتصور أنه يريد قراءته مرة ثانية؛ لأن هذا التصور يمنعه عن فهم جميع الكتاب، بل يتصور أنه لن يعود إليه مرة ثانية أبداً.

    وكان يقول: "كل كتاب يشتمل على مسائل ما دونه وزيادة، فحقق مسائل ما دونه لتوفر جهدك على فهم الزيادة" هذه فائدة مهمة جداً، وهي أيش؟ أنك قرأت في أخصر المختصرات مسائل هذا الكتاب أو عمدة الفقه للإمام الموفق، قرأت هذا الكتاب افهم هذا الكتاب بجميع مسائله، لا تقول: هذه المسائل تمر عليها في الزاد، لا، وأنت تقرأ هذا الكتاب افهم جميع مسائله، ويوفر لك نصف الجهد في قراءة ما بعده؛ لأن مسائله سوف ستمر، ولذا يخطئ من يجرب الزوائد، زوائد الزاد على العمدة مثلاً، لا مانع أن تمر هذه المسألة مرة مرتين ثلاث أربع في كتاب مختصر، ثم الذي فوقه، ثم الذي فوقه، وهكذا، وعلى هذا ربي طلاب العلم، وتربى العلماء من قبل؛ لأن هذا التكرار يرسخ هذه المسألة، يوضح هذه المسائل، قد تكون المسألة تصورها صعب في هذا الكتاب، تمر في كتاب آخر بعرض آخر، ليسهلها، ويذللها، لكن لما نقول: زوائد الزاد، معناه أن هذه المسألة لن تمر بنا مرة ثانية، وقد سلك أهل العلم هذه الطريقة إثبات الزوائد في كتب السنة كثير، وفي كتب الفقه أيضاً موجود زوائد الكافي، زوائد الغاية؛ لكن هذا يحرم طالب العلم من التكرار، الذي يوضح له العلم، ويرسخ له العلم، المقصود أن المسألة تطول بهذه الطريقة.

    يقول: "وكان يقول: كل كتاب يشتمل على مسائل ما دونه وزيادة، فحقق مسائل ما دونه لتوفر جهدك على فهم الزيادة" انتهى.

    يقول: "ولما أخذت نصيحته مأخذ القبول لم أحتج في القراءة على الأساتذة في العلوم والفنون إلى أكثر من ست سنوات، فجزاه الله خيراً، وأسكنه فسيح جناته، فإذا فرغ الطالب من فهم تلك المتون..." ثم أخذ يعدد كتب الطبقة الثانية، ثم الثالثة وهكذا، والمدخل كتاب نفيس يوصى به طلاب العلم.

    هذه الطريقة التي ذكرها الشيخ نصيحة الطلاب فيما يبدأ به المبتدي، ثم المتوسط، ثم المنتهي على سائر المذاهب، وفي مختلف العلوم، هذه تحتاج إلى مصنف خاص؛ لأن بسطها حقيقة يطول، وأكثر المستمعين الآن في هذه البلاد يعنون بالمذهب الحنبلي، والكتب التي تدرس في هذه البلاد كتب الحنابلة، ولو ذهبنا نقرر ونشرح كتب الحنفية والشافعية والمالكية طال بنا الوقت.

    المقدم: نبدأ بالأخ خالد السويدي من بريدة، تفضل يا أخي.

    متصل: بسم الله الرحمن الرحيم، أحيي الدكتور، وعندي سؤال: أقول: فضيلة الشيخ أن بعض الناس يطعنون في جدوى قراءة المتون وحفظها؛ لأنها عباراتها طلاسم، ويستغرق الطالب وقته كله في حل هذه الطلاسم، ولو أنه قرأ في المطولات لكان أجدى وأنفع، هل هذا الكلام صحيح يا شيخ، أو غير صحيح؟ وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    متصل: بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، السلام عليكم ورحمة الله، إحنا نحيي الدكتور عبد الكريم ونطلب منه نصيحة أبوية لينا، إحنا بنخش على الإنترنت، بنخش على المواقع الإسلامية، والشات الإسلامي والرومات الإسلامية، فإحنا نطلب منه نصيحة لينا، ويوجهنا، وجزاه الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله ابنكم شكري؟

    متصل: الشيخ عبد الكريم الخضير: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: جزاكم الله كل خير لوصاياكم لطلاب العلم للعناية بكتاب الله العزيز، وفي الحقيقة انتفع كثيراً بهذه الوصايا، وأسأل الله -جل وعلا- أن ينفع بكم الإسلام والمسلمين، وبودي يا شيخ أن تبين لنا منهجية الطلب بالنسبة لطالب العلم؛ لأن كثيراً من طلاب العلم تجده مضطرباً في طلب العلم، فتارة يمسك شرحاً لبعض المتون، ثم يعزف عنه لشرح آخر، وهكذا تنظيم الوقت فما أدري يا شيخ هل إذا ابتدئ الإنسان بشرح معين هل يواصل في هذا الشرح حتى ينهيه؟ أم أنه يقسم أيام أسبوعه يوم للتفسير ويوم للحديث، ويوم للفقه، ويوم للنحو، وهكذا؟ فنرجو منك يا شيخنا حفظ الله ورعاك أن تبين لنا، أخوك علي عبد المحمود الطيب.

    متصل: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، أحيي فضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، الذي طالما استفدنا منه سواءً في دروسه في المسجد أو عبر الأثير، وكذلك فتاواه عبر الأثير، وعن طريق الدروس الذي يلقيها فضيلته، وأسال الله أن ينفعنا بعلمه، وأن يبارك في عمره وعمله، وأستفسر من فضيلة الشيخ عن مكتبة طالب العلم هي من المكاتب العلمية التي يحتاج إليها ويعود إليها في أي مسألة تخطر على باله؛ ولكن ما هي الإجراءات والوسائل التي ينبغي لطالب العلم أن يسلكها في إنشاء هذه المكتبة، وما هي أبرز الكتب العلمية التي ينبغي على الطالب أن يقتنيها، وأن تكون موجودة في كتبه؟

    السؤال الآخر: كثرة تحقيق الكتب وإعادة طباعتها هل يرى الشيخ -حفظه الله تعالى- أن هذا الأمر يفقد الكتاب أهميته من حيث رجوع الطالب إليه، ناهيك عن كثرة الشروحات والتعليقات التي تعتري مثل هذه الكتب، آمل التعليق على ذلك، والله يحفظكم. أخوكم: عبده بن أحمد الجعفري.

    المقدم: شكراً للأخ عبده أحمد جعفري، مع أننا في شقي سؤاله حقيقة أو من خلال هذا البرنامج على مدى الحلقات الماضية، وهذه الحلقة فيها إجابة، ربما أن الأخ عبده لم يتابعنا عندما سأل عن أهم الكتب التي يقتنيها طالب العلم، نحن تحدثنا عن الحديث، وتحدثنا عن العقيدة، وتحدثنا عن التفسير، والقرآن وعلومه وغيرها، وتكلم أيضاً الشيخ عن تحقيق الكتب، وما يحصل بها من خلط، وغير ذلك فشكراً للأخ عبده.

    ونواصل أسئلة الأخوة حتى لا يضيع بنا الوقت لو تكرمت أتفضل يا أخي.

    متصل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا شيخ، أحسن الله إليك، أسأل عن كتاب تفسير ابن جرير الطبري -رحمه الله- ما أحسن طبعاته؟ وماذا عن تعليقات الشيخ أحمد شاكر حول التفسير هل تم هذا العليق أم لا؟

    طيب الأخ خالد السويدي يسأل عن الطعن في جدوى حفظ المتون وقراءتها لصعوبتها ويقول: هناك دعوات للاهتمام بالمطولات، وترك هذه المتون عباراتها قديمة وصعبة، وتحتاج إلى تفكيك ولا داعي لذلك؟

    نقول: أهل العلم لهم جادة سلكوها وأدركوا وحصلوا بواسطتها، وتربية الطلاب على المتون الصعبة ليس عبثاً من قبل أهل العلم، ولا يقصدون بذلك التعنيت ولا المشقة على طالب العلم، وإنما يراد بذلك بناء طالب العلم بناءً متيناً، فليس من العبث أن يقرأ طالب العلم أو يدرس زاد المستقنع على صعوبته، بالإمكان أن تبسط مسائل هذا الكتاب بدلاً أن يكون في مائة صفحة تبسط مسائله بوضوح بحيث يدركها كل من يقرأ على طريقة تختلف في البسط؛ لكن أقول: لا يتربى طالب العلم على هذه الطريقة؛ لأنه إذا احتاج على مسألة في كتب أخرى لا توجد في هذا الكتاب كيف يتعامل مع الكتب الأخرى التي ألفت بنفس النفس وبنفس الطريقة، إذا لم يتربى على هذه الطريقة؟!

    مختصر خليل عند المالكية فيه غاية الصعوبة، شبيه بالألغاز حتى قال بعضهم: أنه يشتمل على مائة ألف مسألة على صغر حجمه، هذا الكلام مبالغ فيه، وتعرضنا له مراراً؛ لكن يبقى أن الكتاب متين، وعناية المالكية به عناية لا نظير لها، وليس من العبث عنايتهم به، إنما أدركوا أن طالب العلم يتربى بهذه الطريقة، والأمثلة على ذلك علماءنا وشيوخنا ومن تقدم من شوخنا، تربوا على هذه الكتب؛ لكن هات من الطلاب الذين تربوا على المذكرات أو كتب معاصرين كتبت بلهجة العصر، هذه لا تحتاج ولا إلى شيوخ، هذه الكتب لا تحتاج ولا إلى شيوخ، بالإمكان أن يقرأها الطالب بنفسه الذي يحسن القراءة والكتابة.

    لكن كيف يتربى طالب العلم بحيث إذا انفرد في بلد من البلدان لا يوجد غيره، كيف يفهم كلام أهل العلم في الكتب الأخرى؟ لكن إذا طلب العلم على الجادة وحفظ المتون، في كل علم متن، وقرأه على الشيوخ وشرحوه له وراجع الشروح والحواشي، ثم بعد ذلك يقرأ ما شاء من الكتب، يقرأ ما شاء من الكتب، فليس من العبث، والتهوين من شأن المتون لا شك أنه قطع لطريق الطلب،، بسطنا هذا في مناسبات كثيرة، وبسطه أكثر من هذا لا يحتمل، وإلا ففي النفس أشياء، هناك دعوات تدعو إلى هجر الطريقة المألوفة والمعروفة عند أهل العلم التي تربى عليها أهل العلم، أهل العلم والعمل؛ لكن لا شك أن هذا قطع لطريق الطلب.

    المقدم: أحسن الله إليك، الأخ شكري أيضاً يسأل عن الدخول على المواقع في الإنترنت، وقد كما ذكر أنه تلقى عدد من العلوم من خلالها والدخول على مواقع العلماء والحديث فيه تتبع لدروسكم عبرها، أيضاً يقول: ما نصيحتكم لنا في هذا المجال؟

    بالنسبة للعلم والتحصيل إنما يكون بالجثي بين يدي الشيوخ، يعني أن يمثل بين يدي الشيوخ، بحيث يستطيع أن يأخذ ويتلقى ويناقش ويستفهم عما يشكل عليه، ويفيد من مرأى الشيخ، ومن سمت الشيخ أحياناً أكثر مما يفيده من علم الشيخ، لا شك أن الشخص الذي لا يوجد في بلده أحد من الشيوخ، ولا يستطيع الرحلة إلى البلدان الذي يكثر فيها وجود المشايخ، مثل هذا يتلقى العلم بواسطة هذه الآلات، هذا غاية ما يستطيع والإفادة منها أحسن مما لا شيء، وكم من طالب علم أفاد منها في أقصى الأرض، وتأتينا الأسئلة من كندا واستراليا، ومن ألمانيا ومن المغرب، ومن الجزائر، ومن كل مكان، يدل على أنهم تابعوا، ويدل على أنهم فهموا وحصلوا؛ لكن يبقى أن مزاحمة الشيوخ هو الأصل.

    المقدم: الأخ علي عبد المحمود الطيب يسأل عن منهجية الطلب لطالب العلم يقول: حتى لا نقع في الاضطراب الذي يحصل بسبب التردد بين المتون، هل إذا بدأ بالشرح لابد أن يواصل حتى ينهيه؟

    إذا بدأ بمتن في أي فن من الفنون، لا بد أن يكمله، يكمله حفظاً، قراءة الشرح، قراءة على الشيخ، مذاكرة مع الإخوان والزملاء، لا بد من إكماله بهذه الطريقة، أما الاضطراب والانتقال من كتاب إلى آخر، هذا لا شك أنه يضيع الوقت، ولذا تجد من طلاب العلم من يقضي السنين الطويلة، بعض الناس يمضي خمسين سنة، وبعض الناس في خمس سنوات يدرك ما لا يدركه غيره في خمسين، كل هذا بسبب الدقة في الترتيب والتنظيم، وبعد أن يوفقه الله -جل وعلا- على شيخ يهديه على الطريقة والجادة الذي يحصل بها.

    المقدم: السامع الحسين يسأل، وقد جاوبنا الحقيقة؛ لكن يبدو أن الأخ ما تابع الحلقات الأولى عن تفسير الطبري، تكلمتم عن تعليقات الشيخ أحمد شاكر على هذا التفسير؟

    تفسير الطبري أول ما طبع بالمطبعة الميمنية، ثم طبع بمطبعة بولاق، وهي مطبعة فيها لجان من أهل العلم تصحح؛ لكن لا يعني أنها أصح من غيرها، لا سيما بعد الوقوف على نسخ أخرى، وعناية من برع في التحقيق والتعليق الشيخ محمود شاكر؛ لكن مع الأسف أنه حصل خلاف بينه وبين المطبعة فتوقف العمل، بعد أن أنجز ستة عشر جزءاً من سورة إبراهيم -عليه السلام-، توقف العمل لخلاف وقع بين الشيخ وبين المطبعة، وكان الضحية المستفيد والكتاب، فمع الأسف كمل الكتاب بطريقة ليست على طريقة الشيخ، طبعت بقية الكتاب في ثمانية مجلدات؛ لكنها لا تمثل الشيخ، ولا مثل نصف الشيخ، ولا نسبت إلى الشيخ.

    المقدم: الطبعة الأخيرة أيضاً الذي تولاها الدكتور عبد الله التركي؟

    طبعة الدكتور عبد الله التركي، لا شك أنها طبعة كاملة، والمضمون للشيخ أنه من أهل التجويد، لكني مع اقتنائي لها لم يتيسر لي الاطلاع عليها.

    المقدم: مجموعة من الأخوات يسألن هل أولاً هذه النصائح التي توجهونها للرجال والنساء على حد سواء؟

    النساء شقائق الرجال شيء واحد.

    المقدم: تسأل بعض الأخوات هل يمكن أن يتم لهن ذلك من خلال متابعة الدروس العلمية عن طريق الأشرطة من خلال الاهتمام بمكتبة طالب العلم التي ذكرتموها، ويحصل لهن شيء من التحصيل؟

    أولاً: الدروس المقامة في المساجد متاح لطالبات العلم حضورها، كثير من الأحوال يخصص مكان خاص بالنساء، يوجد مكان أيضاً لذوات الأعذار، الإخوان الذين ينظمون الدروس والدورات يهتمون بالنساء عناية مناسبة لهن، مع أن الأصل أن المرأة مأمورة بالقرار فلا تخرج إلا إذا ترجحت المصلحة {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}[(33) سورة الأحزاب] فإذا ترجحت المصلحة لطلب العلم تخرج مع التزام الأدب الشرعي للخروج، ثم بعد ذلك تستفيد من الشيخ، وبإمكانها أن تسأل بورقة كغيرها من الطلاب، ولا شك أن مطالبة النساء مثل مطالبة الرجال فالكل مكلف.

    المقدم: معي الشيخ عبد الله الغثيلي، شيخ عبد الله أهلاً ومرحباً بك، حياك الله.

    المتصل: أهلاً وسهلاً، الله يحييك ويخليك.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد أحييكم شيخنا، وأسال الله لكم عظيم الأجر، ووافر الشكر على تلك البرامج العلمية المنهجية التأصيلية التي يحتاج إليها طلاب العلم حاجة ماسة سؤالي شيخنا كالتالي:

    الملاحظ أن الكتب الفقهية لا سيما في المذهب الواحد يتناقل بعضها من بعض، وتتفرق الفروع بينها، بل وحتى في الكتاب الواحد، ولربما تكرر ذكر الفرع في أكثر من موضع، كما ذكر الشيخ ابن عقيل -حفظه الله- ما رأيك يا شيخ في تأصيل تلك الكتب سواء في المذهب الواحد أو في عدة مذاهب في كتاب واحد يقوم بجمع تلك الفروع الجزئية، وصياغتها صياغة عصرية، مع الإحالة إلى المراجع المتقدمة إذا انفرد أحدها بما يتبع الإشارة إليه، وأن يقوم على ذلك لجان من أهل العلم تقسم بينهم الأبواب، فهل هناك شيء للقيام بمثل هذا العمل التي تمس الحاجة إليه، لما فيه من جمع وترتيب وتبديل وتدريس، ألم يحن الوقت لتعزيز دور المجامع الفقهية والاجتهادات الجماعية لمثل تلك المشاريع العلمية.

    ثم ما تعليقك يا شيخ على دور المجامع حالياً وطبيعة عملها.

    أختم بالاستفسار عن رأي الشيخ في توجه بعض الفقهاء والباحثين بتقنين الفقه عبر مواد، كما هو الحال في مجلة الأحكام الشرعية والعدلية، ما مدى أهمية ذلك في مثل هذا الزمن الذي يستجد لكثير من المهتمين بالترتيب والتيسير، يجزيكم الله عنا خير الجزاء.

    المقدم: شكراً الشيخ عبد الله الغفيلي شكراً جزيلاً.

    تساؤلات وتداخلات الشيخ عبد الله فضيلة الدكتور إذا كان لكم عليها تعليق بما يتعلق بفصل كتب المذهب الواحد، وجمع فروعه عن طريق لجان لطلب العلم.

    شكراً لأخي الشيخ عبد الله الغفيلي على هذه الملاحظات الطيبة النافعة، أما بالنسبة لجمع الكتب في كتاب واحد فليس بوارد.

    أولاً: أهل العلم قصدوا بتنوع المؤلفات نفع جميع الطبقات، فلو جمعت في كتاب واحد ناسبت مستو واحد، فللمبتدئين كتب المختصرات، والشيوخ يرجحون بين هذه المختصرات بما يدرسونه أو يدرسونه، والمتوسطين كذلك، والمنتهين كذلك.

    وجود هذه الكتب المكررة بعض العلماء في أصل التأليف لا يقصد به أن يكون كتاباً مستقلاً، إنما يقصد به أن يكون مذكرة له، يجمعه لنفسه، وهذه طريقة ووسيلة من وسائل التحصيل للاختصار والجمع، يأتي إلى مجموعة من الكتب فيلخص مسائل هذه الكتب في كتاب، ثم بعد وفاته يضاف إلى المكتبة كتاب مستقل، ووجود مثل هذا الكتاب أيضاً نافع؛ لأن فيه مسألة الجمع بين مجموعة من الكتب.

    أيضاً ترك الحرية للشيوخ في انتقاء الكتب لتلاميذهم لا شك أن كل كتاب له ميزة، وكل كتاب له فائدة، فلتبقى هذه الكتب، نعم قد يوجد شيء من الاضطراب في التمييز بين هذه الكتب عند الطلاب المتعلمين؛ لكن متى يكون هذا؟ إذا انفرد الطلاب بأنفسهم، واستقلوا عن مشورة مشايخهم، فتبقى هذه الكتب على حالها، وكل عالم له أن يضيف، يرى أن الساحة بحاجة إلى هذا الكتاب يضيف عليه.

    المقدم: هل يفهم هذا جواب ضمني أيضاً للسؤال الثالث في مسألة تقنين الفقه في هذا الزمان أن هذا جواب لكم لهذه المسألة أيضاً؟

    أما تقنين الفقه فهو طريقة جديدة في التأليف؛ لكن ما الذي يجعلنا نترك طريقة سلفنا التي أبدت نجاحاً رائعاً فائقاً رائداً في هذا الفن، ثم نعدل إلى طريقة المواد التي هي طريقة مستوردة، هذا إذا قلنا: أن هذا التقنين اعتمد مذهب واحد، أما إذا قلنا: أنه لفق بين مذاهب فهذه مشكلة، أو قلنا: أنه اجتهادات من المقنن، هل هذا المقنن من أهل الاجتهاد بحيث يستحق التقليد بأن ينبذ من قبله من الأئمة، ثم يقلد هذا المقنن؟ فالمسألة لا تخلو إما أن تكون انتقاء من كتب، وهذا قد يكون تلفيق بين المذاهب، كما هو حاصل في بعض المجلات، أو يكون عمداً إلى التيسير، وأخذاً بما يصلح على حد زعمهم للعصر، العصر لن يصلح إلا بما صلح به العصر الأول، أبداً، الدين كما أنزل على الصحابة ينزل إلى آخر الزمان، وينزل على المسائل و القضايا والنوازل إلى آخر الزمان، لا بد من هذا، فالتقنين على كل حال هو تخيير، ولا يخلو إما أن يكون اجتهادات ممن قنن، وليس تقليده بأولى من تقليد الأئمة وأصحاب الكتب السابقة، أو يكون خلط بين المذاهب، وهذا أيضاً له آثاره على خلاف الجادة المعروفة عند أهل العلم، بأن المبتدئ حكمه حكم العامي، يقلد إمام واحد، هو أوثق أهل العلم ممن عرف بالعلم والدين والورع.



    وليس في فتواه مفت متبع *** ما لم يضف للعلم والدين الورع



    المقدم: دور المجامع الفقهية يا شيخ؟

    دور المجامع الفقهية لا شك أنها تؤدي دوراً بارزاً في تنزيل النوازل والحادثة على النصوص والقواعد الشرعية، فهذا دورها، وأما المسائل التي سبق بحثها ينبغي أن يربى طالب العلم على كتب المتقدمين على الجادة المعروفة.

    المقدم: عندي أسئلة فيما يتعلق بالموسوعات الفقهية، هل ستذكرها ضمن كتب الفقه الآن يا شيخ؟

    تبي تأتي،

    المقدم: تفضل يا شيخ نستكمل كتب الفقه.

    بعد دراسة الطالب للمتون المعتبرة عند أهل العلم، المتون التي هي اللبنة الأولى فيما ذكرنا، ينتقل إلى كتب الطبقة التي تليها كالمقنع للإمام الموفق ابن قدامة، الذي جعله للمتوسطين وذكر فيه روايتين بدلاً من رواية واحدة، وهذا الكتاب عني به أهل العلم عناية فائقة، له شروح كثيرة تدل على أهميته، منها الشرح الكبير، ومنها المبدع، ومنها الإنصاف، وحواشي الشيخ سليمان بن عبد الله، هذه الشروح لو أردنا أن نقارن بينها ونوازن بينها، ونذكر أفضل طبعاتها، لاحتاج إلى حلقة كاملة.

    المقدم: هل هو من الفقه المقارن يا شيخ هذا الكتاب؟

    لا، لا، على المذهب؛ لكن يذكر روايتين.

    المقدم: لأن أحد الأخوة أحمد السعود يبدو أنه اختلط عليه الأمر، يقول: هل أفضل كتب الفقه المقارن، أو ما أفضلها غير كتابي المغني والمجموع؟

    لا المغني والمجموع ما بعد أتت، احنا نتكلم عن المقنع، أما المجموع سيأتي -إن شاء الله-.

    المقنع هذا نظمه ابن عبد القوي في منظومة دالية طويلة جداً طبعت في مجلدين، ولها مختصر لابن معمر مطبوع في مجلد، إشكال هذا المختصر أراد أن يوفق المختصر بينه وبين زاد المستقنع، الذي هو مختصر المقنع، فحذف بعض الكلمات أحياناً من بيت أو من كلمة، أو شطر من البيت؛ لأن هذه الكلمة لا تناسب ما في الزاد، البيت إذا حذف منه كلمة أو حذف منه شطر، اختل، بلا شك، مما ذهب برونق الكتاب؛ لكن لو انبرى لهذا النظم الموسع نظم ابن عبد القوي بارع بهذا القيد؛ لأن الكتاب يحتاج إلى بارع، فانتقى منه بحدود ألف بيت تكون مما ينبغي الاهتمام به تيسيراً لطلاب العلم لأحسن.

    ابن عبد القوي في مقدمات الأبواب، في بعض الأبواب لا أقول جميع الأبواب يقدم نصائح من أغلى ما يسمعه طالب العلم، يحتاج إليها طالب الفقه؛ لأن طالب الفقه الذي يعاني الأحكام العملية قد يغفل عن مثل هذه النصائح، فلو رجع مثلاً إلى مقدمة باب الجنائز مثلاً، قدم نصيحة حقيقة كل طالب علم بحاجة إليها، أيضاً مقدمة في البيوع يقول:



    إياك والمال الحرام مورثاً *** ..................................



    المواريث أيضاً، وفي كتاب الجنائز:



    من سار نحو الدار سبعين حجة *** فقد حان منه الملتقى وكأن قدِ



    وجاب هذا البيت في باب المواريث؛ لكن من الخمسين إلى الستين يعني بدل أن يقول: خمسين قال: الستين، المقصود أن هذه النصائح بهذه الطريقة منظومة من النظم البارع من ابن عبد القوي، يعني يحتاجها طالب الفقه، وعلى طالب العلم أن يعنى بهذه المنظومة، رغم طولها وصعوبتها ورداءة النسخ التي طبع عنها الكتاب لكن الكتاب في غاية الأهمية؛ لأن النظم يحفظ العلم، النظم يحفظ العلم لاسيما إذا تولاه بارع مثل ابن عبد القوي.

    من الكتب التي ينبغي أن يعنى بها طالب العلم في الفقه (الإقناع لطالب الانتفاع) وهو كتاب جامع في مذهب الحنابلة، فيه مسائل كثيرة جداً، وأسلوبه مناسب للطالب المتوسط، لشرف الدين الحجاوي، صاحب الزاد، وله شرح مطبوع متداول اسمه (كشاف القناع) للبهوتي، وهو من أجمع كتب المذهب للمسائل والفروع والتنبيهات، حتى صح إطلاق عبارة: "مكنسة المذهب" على هذا الكتاب، طبع مراراً، ويجري تحقيقه وطبعه بتكليف من وزارة العدل.

    من هذه الكتب وهو أمتن كتب المذهب المنتهى (منتهى الإرادات) لتقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي، الشهير بابن النجار، وهو كتاب جامع بين المقنع للموفق، والتنقيح المشبع لعلاء الدين المرداوي وزيادات، شرحه مؤلفه، شرحه البهوتي أيضاً، وعليه حاشية لعثمان بن أحمد النجدي، الشهير بابن القائد، وشهرة الكتاب عند الحنابلة لا تحتاج إلى بيان، بحيث قرر المتأخرون من الحنابلة أن المذهب ما يتفق عليه صاحب الإقناع والمنتهى، فإن اختلفا فالمنتهى أقعد للمذهب، وجمع بين الكتابين الشيخ مرعي الكرمي في كتابه (غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى) وشرحه الشيخ مصطفى السيوطي الرحيباني، في كتاب أسماه (مطالب أولي النهى بشرح غاية المنتهى) وبيان مزايا كل كتاب من هذه الكتب يحتاج إلى حلقة.

    من هذه الكتب أيضاً (الكافي) لابن قدامة، وهو كتاب يذكر فيه مؤلفه جل الروايات عن الإمام، ودليل كل رواية، ومأخذ كل رواية، وهذه ميزة الكتاب، إلا أنه في المذهب، ما يخرج عنه.

    من الكتب المهمة في مذهب الحنابلة (الفروع) لابن مفلح، وهذا كتاب أجاد فيه وأحسن، كما قال ابن حجر في الدرر الكامنة: أنه أجاد فيه إلى الغاية؛ لأن بعض الناس يقول: للغاية، والصواب: أجاد فيه إلى الغاية، وأورد فيه من الفروع الغريبة ما بهر العلماء، طبع مراراً مع تصحيحه لعلاء الدين المرداوي، وطبع الطبعة الأخيرة مع حاشية ابن قُندس، حاشية مشهورة عند الحنابلة.

    كتب الفقه عند الحنابلة كثيرة جداً كغيرهم من المذاهب الأخرى، وإن كانت الكتب عند الحنفية أكثر، نعم يليها الشافعية ثم الحنابلة والمالكية.

    مما تجدر العناية به، والتنبيه عليه، هذه مهمة جداً، يغفل عنها كثير من طلاب العلم، مما تجدر العناية به والتنبيه عليه أخذ المذاهب من كتب أصحابها، أردت مذهب الإمام أحمد اذهب إلى كتب الحنابلة، أردت مذهب أبي حنيفة اذهب إلى كتب الحنفية؛ لأنهم أدرى بمذهبهم؛ لكن إذا أخذنا مثلاً مذهب الحنابلة من التفاسير كتفسير القرطبي مثلاً، أو أخذناه من شروح الحديث كفتح الباري أو نيل الأوطار أو غيرهما، النقل عن هذه الكتب لا شك أنه أولاً: خلل في المنهجية، ترجع كل كلام إلى صاحبه، هذا الأصل في العزو، ومع ذلك قد يعتمد صاحب الكتاب الذي نقلت عنه على رواية مغمورة في المذهب، وقد يغلب على ظنه من تصنيف هذا الإمام أن مشربه كذا، أو أنه ميله مثلاً إلى الأخذ بالحديث أن يصنفه كما يوجد في كثير من كتب الشروح، يصنف رأي الإمام أحمد مع الظاهرية، ولذا يخطئ من ينقل مذهب الحنابلة من شروح الأحاديث، وكذلك بقية المذاهب؛ لأنه يستمر في ذهن هذا الإمام أن أحمد أثري، فلا يمكن أن يتعدى الأثر، فهذا لازم من مذهبه، إن لم يكن مذهباً له، وقد يعتمد على روايات تنسب إلى الإمام، أو توجيهات أو تخريجات أو إيماءات،، كل هذا لا ينبغي أن يسلكه طالب العلم، بل إذا أراد أن يحرر مذهب الحنفية يأخذ من كتب الحنفية، يحرر مذهب الحنابلة يأخذ من كتب الحنابلة، إلى آخره، حتى ولا يعتمد ولا على كتب الفقه المقارن التي سنذكر بعضها الآن.

    المطولات التي يعنى مؤلفها بذكر المذاهب بأدلتها هذه من أهم ما يرجع إليه في هذا الباب بعد مرحلة التحصيل، يعني بعد تجاوز مرحلة المبتدئ، ثم المتوسط، ثم مراحل التعليم المعروفة، يعنى الطالب بالمطولات التي تهتم بالدليل؛ لأن العبرة بالدليل، وتذكر فيها المذاهب، فإذا تأهب الطالب لقراءة هذه الكتب فهم هذه الكتب والاطلاع على المذاهب، والموازنة بين هذه الأقوال من خلال أدلتها يحسن ويجدر به أن يسمى عالماً.

    من هذه الكتب (المغني) لابن قدامة، كتاب يذكر فيه المذاهب بأدلتها.

    (المجموع شرح المهذب) للنووي هذا الكتاب لو كمل بالنفس الذي ألف فيه المجموع تسعة الأجزاء لصار بالفعل فقه الإسلام.

    المقدم: وهو لم يكمله؟

    نعم ما أكمله، أيضاً من الكتب التي يعنى بها من الكتب المطولات..

    المقدم: الطبعات هذين الكتابين لو سمحت يا شيخ؟

    المغني لابن قدامة طبع الطبعة الأولى على نفقه الملك عبد العزيز في مطبعة المنار، المجلد الأول طبع طبعة فيها الأخطاء كثيرة جداً، ثم وقف على نسخة قليلة الأخطاء، من الثاني إلى الثاني عشر طبعة أولى، أما المجلد الأول أعيد طبعه ثانية على هذه النسخة، تلافوا فيه كثير من الأخطاء، فطبع مراراً بعد ذلك، طبعات كثيرة جداً، طبع في المنار مرة ثانية، وطبع في مطبعة الكليات الأزهرية، وطبع في مطبعة الإمام، ثم طبع أخيراً بتحقيق الدكتور عبد الله التركي في خمسة عشر جزءاً، طبعة هي من أنفس الطبعات، تكلم فيها على الأحاديث والآثار والنقول من بعض النسخ، هي طبعة من أفضل الموجود الآن.

    هناك أيضاً بعد المجموع شرح المهذب للنووي، شرح (فتح القدير) لابن الهمام، وأنا يهمني أن يهتم طالب العلم بالكتب المخدومة، فتح القدير لابن الهمام خدمة لكتاب الهداية للمرغيناني، الهداية هذه مخدومة من وجوه ولو لم يكن من خدمتها إلا خدمة الزيلعي في نصب الراية، الذي خرج أحاديثها؛ لأن الفقهاء يذكرون الأحاديث وليسوا من أهل الصناعة فقد يستدلون بأحاديث لا تتثبت، أصلاً، يوجد أحاديث كثيرة في كتب الفقه ضعيفة، ولا يلامون في هذا؛ لأنهم ليسوا من أهل الاختصاص، فيتولى أهل العلم بالحديث تخريج الأحاديث لهذه الكتب، فيكتمل العمل، وابن الهمام معروف من تلاميذ الحافظ ابن حجر، له نفس حديثي، وكتابه من أفضل كتب الحنفية، وهو عندي مفضل على حاشية ابن عابدين المعتمدة عند الحنفية.

    من الكتاب وإن كان شرحاً في الأصل كتاب حديث، ومر الكلام عليه، إنما هو معروف في مقارنة مذاهب الفقهاء ومضى ذكره في الكلام على الموطأ اسمه (الاستذكار) لابن عبد البر، ومر الاستفسار عنه، وعن طبعاته قريباً، الاستذكار لابن عبد البر في ذكر مذاهب فقهاء الأنصار، هذا يعنى بذكر المذاهب بإفاضة وأدلة هذه المذاهب، فهو من كتب الفقه الذي يسمونه المقارن بأدلتها، وطبع طبعات كثيرة؛ لكن يبقى أن طبعة القلعجي لولا ما أثقلها به من الحواشي، تبقى بالنسبة لي هي أفضل الطبعات.

    من الكتب التي ينبغي أن يطلع عليها طالب العلم وفيها فقه السلف، نقل فقه السلف (المحلى) لابن حزم، فيه الآثار، آثار السلف وحكمهم، وفيه أيضاً العناية بالدليل، العناية بالدليل من وجهة نظره وعلى طريقته وأصوله لأنه ظاهري المذهب، على أني أنصح طلاب العلم المبتدئين والمتوسطين ألا يعتمدوا على هذا الكتاب، وألا يتربوا على أسلوبه؛ لأن الكتاب يتعامل مع أهل العلم الكبار بأسلوب فيه شيء من والشدة والغلظة، نعم العالم الذي انتهى من التحصيل وتربى على النصوص وتأدب بالأدب الشرعي، واقتدى بسلف هذه الأمة بالأدب والتعامل مع الناس، لا مانع أن يقرأ في هذا الكتاب، والكتاب فيه علم عظيم، لا ينبغي إهداره؛ لكن لا ينبغي للمبتدئ أو للمتوسط أن يعول عليه؛ لأنه فيه أساليب في جانب بعض أهل العلم لا ينبغي أن تذكر بحق هؤلاء ولو ترفع عنها المسلم فيما بينه وبين سائر الناس فضلاً عن أهل العلم لكان هو اللائق به، على كل حال أبو محمد بن حزم أوتي بيان وقوة عبارة، وقوة جدل، يعني تفيد طالب العلم، وتخرجه على طريقة النقاش العلمي لكن يبقى أن أسلوبه مفضول.

    بعد هذه الكتب لا سيما في عصرنا الحاضر جدت مسائل ونحتاج فيها إلى فتاوى أهل العلم.

    المقدم: يسألن بالذات عما يتعلق عن طريقة تعين طالب العلم على الصبر على الطلب خاصة إذا كان الطالب غير متفرغ إما عنده وظيفة أو واجبات مثل المرأة، وواجبات أسرية، تقول: طريقة يجمع طالب العلم فيها بين أداء عمله وبين حبه ورغبته في طلب العلم بطريقة تناسب وقته؟ قبل أن تتفضلون بالإجابة، أذكر أن لكم أيضاً في هذا الصدد شريط لعلكم تشيرون إليه للأخوة والأخوات للاستفادة منه فيما يتعلق بمعالم في طريق الطلب يا شيخ؟

    هذا الشريط عبارة عن محاضرة بينا فيها بعض المعالم، وبعض الفوائد التي يفيد منها طالب العلم، والتي تعينه على الصبر والتحمل، أما تقسيم الوقت والإفادة من الوقت بالوجه المطلوب، فلا شك أن هذا يحتاج إلى شيء من الحزم، والموازنة بين الأعمال والتكاليف وبين طلب العلم، لا شك أنها فيها صعوبة على كثير من الناس، لكن إذا تصور الإنسان ما وعد الله -جل وعلا- أهل العلم من الأجر العظيم و الرفعة في الدنيا والآخرة لا بد أن يصبر ويتحمل، لا بد، فلا بد من تنظيم الوقت، فبعد صلاة الصبح مثلاً بساعة إلى أن تنتشر الشمس هل فيه ارتباطات في الوقت هذا؟ ما في أدنى ارتباط، إذاً مثل هذا يخصص للقرآن، وطالب العلم أحوج ما يكون إلى دراسة كتاب الله -جل وعلا-، وقراءته على الوجه المأمور به، فإذا قرأ حزبه في هذا الوقت، إذا كان مشغول بأعمال أخرى يكفيه بإذن الله، ويراجع عليه ما يعينه على فهمه وحفظه، بقية الوقت يجعل وقت مثلاً للنظر في السنة، ووقت للنظر في الفقه، وأصوله، وقت في العقائد مثلاً، وهي من أهم ما ينبغي أن يعنى بها طالب العلم كما أسلفنا، أيضاً هناك وقت متعة وراحة واستجمام ذهني ينظر فيه في كتب التواريخ والأدب، على ما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى-.

    أيضاً إذا عجز عن القراءة وتعب من القراءة يسمع، هناك كتب -ولله الحمد- الآن سجلت شروحها في أشرطة، فوسائل الراحة -ولله الحمد- موجودة، لكن الواقع يثبت أنه كلما كثرة وسائل التيسير والراحة يزيد الخمول، ويصعب التحصيل؛ لأن الموازنة بين ما تحتاجه النفس وتهواه وبين ما يشق عليها في غاية الصعوبة، نعم كان الناس في السابق يرتاحون بطلب العلم، الآن يرتاحون من طلب العلم، نعم، فالعلم متين ويحتاج إلى تعب ويحتاج إلى صبر، وبالمعاناة طالب العلم لا يحتاج إلا إلى مدة يسيرة يعاني ويقصر نفسه ويقهرها على الطلب والقراءة والتحصيل، ثم بعد ذلك يتلذذ، يتلذذ بحيث ينظر في الساعة في كل لحظة، يتمنى لا يمر الوقت ،فهذه مرحلة لا بد أن يمر بها طالب العلم بعد مرحلة المجاهدة.

    المقدم: لكن هنا يسأل عن أفضل الكتب في تبين المذهب الحنفي والمالكي والشافعي مع الأدلة، يعني يقصد أدلتهم، هل هناك كتب لكل مذهب؟

    موجودة الكتب لا شك أنها كل مذهب فيه ما فيه، يعني الحنابلة والشافعية عنايتهم بالدليل ظاهرة، عناية المالكية من خلال شروحهم للموطأ، أما شروحهم لمختصراتهم فهم يقربون من الحنفية، يعني التعليل وتوجيه المذهب غالب مع صعوبة في العبارة، يربون عليها طلاب العلم عندهم، كما أشرنا، وهم يحاولون أن يحلو هذه؛ لكن من أمتع كتب المالكية شرح الحطاب على خليل، أيضاً شروح رسالة ابن أبي زيد ماتعة عندهم.

    مذهب الحنفية عندهم شرح فتح القدير، وعندهم أيضاً البناية شرح الهداية للعيني، وهو مشارك في الحديث، يمكن أن يفاد من مذهب الحنفية من عمدة القارئ؛ لأنه فقيه حنفي، يشرح كتاب حديث، فهو يربط فقهه بالحديث، هذا إذا أردنا أن يفيد غير صاحب المذهب، أما صاحب المذهب لا بد أن يتربى على كتب المذهب كما أشرنا؛ لكن فقيه حنفي يشرح كتاب حديث يجمع بين الفقه والحديث، ويلين الفقه بهذه الطريقة.

    أيضاً فقه المالكية إذا أخذناه من شروح الموطأ مثلاً، وهذا لا يعارض ما سبق أن ذكرناه، لا يعارض ما سبق أن ذكرته من أن الفقه يؤخذ من كتب الفقه لأرباب المذهب، نعم إذا أخذنا فقه الحنفية من شرح العيني على البخاري هو من أئمة المذهب، وقد ألف في فقه المذهب، لكن يهمني أن يربط الطالب بين فقه الحنفية مع الحديث من مأخذ، أيضاً لو جاء المالكي وأخذ شيء ما اعتمد اعتماد كلي، يأخذ بعد أخذه مذهب المالكية من كتب المالكية بعض المسائل التي يبسطها القرطبي وهو من فقهاء المالكية في تفسيره يكون جمع بين القول ومأخذه من كتاب الله -جل وعلا-.

    أنا أريد أن يتربى طالب العلم على كتب الأئمة، الجواد المطروقة، ثم بعد ذلك أنا لا أريده أن يأخذ مذهب الحنابلة من تفسير القرطبي، ولا من شرح العيني على البخاري، لا مانع أن يأخذ إذا تأهل وقرأ المتون الفقهية في هذه المذاهب أن يأخذ فقه الحنفية والمسائل على مذهب الحنفية من شرح العيني على البخاري؛ لأنه فقيه حنفي، يعرف كيف يتعامل مع النصوص من خلال أصول المذهب.

    القرطبي فقيه مالكي يعرف كيف يتعامل مع كتاب الله -جل وعلا- من خلال قواعدهم وضوابطهم.

    على كل حال مذهب الحنفية والمالكية تؤخذ بهذه الطريقة بعد الأخذ من كتب الفقه المتخصصة عندهم، وإلا شروح خليل فيها الذي لم يعاين المذهب، وليس من المالكية، الحنبلي يعاني فيها شيء من الركة، وكذلك كتب الحنفية، هم صارت عندهم ذلت بها ألسنتهم، وخضعت لها أفهامهم، وتربوا عليها صارت سهل عليهم، لكن لو يجي حنبلي يعاني حاشية ابن عابدين مثلاً، يمل منها بسرعة، لكن لما يأخذ الفقه من شرح العيني الفقه الحنفي من شرح العيني على البخاري يتلذذ، وكذلك إذا أخذ فقه المالكية، وأنا أريد بذلك يركز على شافعي وإلا حنبلي يأخذ مسائل المالكية من تفسير القرطبي مثلاً؛ لأنه فقيه مالكي.

    المقدم: لعلنا نختم يا شيخ بالمستجدات في كتب الفتاوى؟

    أقول: يعنى طالب العلم بكتب الفتاوى لأنها تعالج قضايا ونوازل، من أهم كتب الفتاوي: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، واستغرق الفقه من الجزء الحادي والعشرين إلى الخامس والثلاثين، خمسة عشر جزءاً.

    أيضاً الدرر السنية من فتاوى أئمة الدعوة النجدية، من ذلك أيضاً: فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله-.

    المقدم: طبعت؟

    مطبوعة في ثلاثة عشر جزءاً.

    المقدم: ميسرة لطلبة العلم؟

    ميسرة متيسرة الحصول عليها سهل، فيها قضايا وفيها نوازل وفيها أمور مستجدة يحتاجها طالب العلم.

    أيضاً فتاوى الشيخ بن حميد -رحمه الله تعالى- وإن كان ما طبع منها شيء يسير بالنسبة لعلم الشيخ.

    فتاوى الشيخ ابن باز -رحمه الله- يعني صيغت بأسلوب سلفي أثري محبب إلى النفوس سهل يفهمه كل أحد، فيه نوازل فيه قضايا حلت للأمة بعد، في هذا العصر يحتاجه كثير من طلاب العلم، أيضاً: فتاوى الشيخ ابن عثيمين -رحمة الله عليه-، فتاوى الشيخ صالح الفوزان، فتاوى اللجنة الدائمة، فتاوى أهل العلم في هذه البلاد الذين تصدوا للقضايا المعاصرة.

    ميزة هذه الفتاوى معالجة القضايا والنوازل المعاصرة، فيعنى بها طالب العلم، مع سهولتها مع أن الاعتماد في تربية طالب العلم وبنائه البناء العلمي على المتون المعروفة عند أهل العلم، الذي سبق أن أشرنا إليها.

    المقدم: فضيلة الدكتور نأخذ أصول الفقه.

    أصول الفقه كغيره من العلوم، ألفت فيه الكتب المناسبة للمبتدئين والمتوسطين والمنتهين، وصنفت لكن ينبغي أن يشار إلى أن كثير من الكتب صيغت بأساليب فيها صعوبة، والصعوبة لا شك أنها تربي طالب العلم بلا شك، لكن وجه هذه الصعوبة دخول بعض العلوم والاصطلاحات التي ليست في الأصل من هذا العلم، لكنها أمر صار لا بد منه فرض نفسه، أمر لا بد منه، وتجلية وتخليص هذه الكتب من هذه الشوائب التي دخلت عليه من علم الكلام مثلاً، مطلب يطالب به كثير من الغيورين على عقيدة أهل السنة والجماعة، لكن في تقديري أن هذه الكتب لو بقيت على وضعها وعلق على ما يخالف مذهب أهل السنة والجماعة؛ لأنها صيغت بطريقة لو حذف منها شيء لأخل بترتيبها، وصياغتها يحتاج إلى أن نصوغها لا على طريقة المتقدمين في المتون، هذه مشكلة، هناك كتاب اسمه (معالم في أصول الفقه) على طريقة أهل السنة والجماعة، وهناك منظومة للشيخ محمد علي آدم الأثيوبي في أصول الفقه على طريقة أهل السنة والجماعة، هذه الخطوات طيبة ونافعة؛ لكن يبقى أن هذه الكتب التي تربى عليها شيوخنا، ويربى عليها الطلاب الآن، لا تسلم من المخالفات، لكن هذه وظيفة المدرس والطابع، المحقق يحتاج إلى أن يعلق على مثل هذه القضايا.

    مما يبدأ به في أصول الفقه الورقات لأبي المعالي الجويني في خمس أو أربع ورقات، يربى عليها طالب العلم يحفظها ويقرأ شرحها للمحلي أو الرعيني، ويسمع عليها الأشرطة، ويحلل له الشيخ ما بقي، فهذه أول لبنة، أيضاً من المختصرات في هذا العلم مختصر التحرير للفتوحي، مع أنه من أصعب كتب الأصول ، أذكر أننا قرأناه قبل ثلاثين سنة على الشيخ عبد الله بن غديان، والشيخ هذا بالنسبة له من أبجدياته -حفظه الله-، هذا الكتاب رغم صعوبته إذا تولاه بارع يحسن تدريسه ينفع الطلبة كثيراً.

    من المختصرات النافعة (البلبل) مختصر الروضة للطوفي، أيضاً مختصر التحرير لا يستغني عن شرحه الكوكب المنير لنفس المؤلف، ولو كان الطالب المتوسط يقارن بين ما يشرح له ويختصر هذا الشرح، يعني يحاول فهم هذا المختصر من خلال اختصار الشرح، مع ما يسمعه من شيخه، وكذلك البلبل مع شرحه لمؤلفه كتب متينة قوية في هذا الباب تحتاج أولاً: إلى شيخ يشرح المتن، وإفادة الطالب من هذه الشروح، فإذا تكامل هذا مع هذا يستفيد الطالب فائدة كبرى.

    منها أيضاً (روضة الناظر) لابن قدامة، وهو أصل البلبل، ومنها أيضاً: (المسودة) لآل تيمية، التي تتابع على تأليفها مجد الدين ابن تيمية الجد، ثم ابنه شهاب الدين عبد الحليم، ثم شيخ الإسلام، فهذه كتب مهمة، من ذلك (المستصفى) للغزالي، وإن ألف على طريقة المتكلمين؛ لكن فيه فوائد.

    التحرير لابن الهمام، ابن الهمام هو جامع بين اصطلاحي الحنفية والشافعية، وله شروح كثرة جداً، هناك أيضاً شرح تنقيح الفصول للقرافي، يعني نحن ننوع أولاً: حنابلة، ثم الشافعية المستصفى، ثم التحرير في الحنفية، ثم تنقيح الفصول للقرافي، أيضاً الموافقات للشاطبي كتاب لا يستغني عنه طالب العلم، إلا أنه كتاب متين يحتاج إلى شيخ.

    كتب القواعد الفقهية مثل قواعد ابن رجب، الأشباه والنظائر للسيوطي، الأشباه والنظائر لابن نجيم، كتب تخريج الفروع على الأصول، القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني تخريج الفروع على الأصول للأسنوي، الكتب كثيرة جداً لا يحاط بها، لكن نحن في هذه الإلمامة نبدي بعض الشيء أحسن من لا شيء.
    إن شئتم أن يتجسّد العلم ،لا بُد من العقيدة فالتوحيد عليه مدار الحياة .{ أَصْلُهَا ثَابِتٌ } [لا إله إلاّ الله ثابتة في القلب ]والقلب محلّ العقيدة { وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء{24} تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا }معنى هذا الجانب العملي أي امتدّت عروق التوحيد في كل أماكن ونواحي القلب وتمكنت منه فلم تبق مكانا لمن يعيش معها من غير ذلك [أي ممّا يفسد القلب]

    [السبيل إلى العمـــل بالعلمـ : لشيخنا العيد شريفي ]

    www.forums.el-houda.org/

    http://www.salafie.net/vb/

  5. #5
    عضو ذهبي
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    الدولة
    الجزائر ـ بومرداس ـ
    المشاركات
    3,920

    افتراضي رد: مهم ..سلسلة: كيف يبني طالب العلم مكتبته ..للخضير


    سلسلة: كيف يبني طالب العلم مكتبته؟

    الحلقة: (5) الأخيرة

    (كتب التاريخ والتراجم واللغة والأدب)

    الشيخ/ عبد الكريم الخضير



    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين.

    لقاءنا حول وصايا لطلبة العلم، وكيف يبني طالب العلم مكتبته؟ فيسرنا أن نرحب بفضيلة الدكتور أهلاً ومرحباً بكم الشيخ عبد الكريم.

    حياكم الله وبارك فيكم.

    أقول يا دكتور: رأي فضيلتكم في طبعة فتح الباري التي صدرت عن دار السلام؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    فتح الباري بينا مراراً الطبعة التي ينبغي لطالب العلم أن يعنى بها، وأن أفضل الطبعات للكتاب هي طبعة بولاق، إلا أن هذه الطبعة تكاد تكون في حكم المفقود، الطبعة الأصلية صورت أكثر من مرة، والتصوير أيضاً عزيز ونادر، وعرض على أكثر من دار للنشر أن يعنى به بهذه الطبعة على وجه الخصوص، وترقم ويعلق عليها بما يحتاج إلى تعليقه، وتصور من جديد، ولا يصف الكتاب من جديد؛ لأن الكتاب بعدها صف مراراً، صفه صديق حسن خان في الهند في ثلاثين جزاءاً، ثم صف في المطبعة الخيرية، ثم في المطبعة التجارية، ثم بعد ذلك عني بإخراجه والتعليق عليه شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-، على كل حال من وجد الطبعة البولاقية أو صورة عنها فهي المطلوب، وهي الضالة المنشودة، من لم يجدها فعليه بالطبعة السلفية الأولى، التي عني بها الشيخ عبد العزيز -رحمه الله-، وعلق على مجلدين وبعض الثالث، ثم بعد ذلك طبع مراراً، طبع في المطبعة الحلبية، وطبع في السلفية مرة ثانية، ثم صور عن الثانية وسموها ثالثة، وصف في دور الطباعة اللبنانية في أكثر من دار؛ لكن يبقى أن الطبعة المفضلة هي طبعة بولاق، ثم الطبعة السلفية الأولى، الطبعة التي كثر السؤال عنها طبعة دار السلام ذكروا أنهم اعتمدوا على طبعة بولاق وعلى الأنصارية التي هي الهندية وغيرهما من الطبعات، وعلى كل حال هي طبعة من أجود الطبعات الحديثة؛ لكن يبقى أنها مفضولة بالنسبة لطبعة بولاق أو الطبعة السلفية الأولى، إذا صححت أخطاؤها المجدولة في آخر كل مجلد عن الطبعة السلفية الأولى.

    يسأل عن اختلاف روايات صحيح البخاري المنقولة، مع أن البخاري يقول: حسب علمي هو الذي صنف الجامع، لماذا اختلفت؟

    نعم الإمام البخاري صنف الجامع وتلقاه عنه الآخذون من الطلاب الذين أوصلهم بعضهم إلى تسعين ألفاً ومعلوم أن الإمام إذا صنف كتابه وقرأه على طلابه أو قرأه عليهم في كل عرضة يعدل ويزيد وينقص أشياء يسيرة جداً، ولذا تختلف الروايات بعضها عن بعض في أمور يسيرة جداً، والاختلاف في روايات الموطأ أكثر منه وأظهر من اختلاف صحيح البخاري، والاختلاف في صحيح البخاري أظهر منه من اختلاف الرواة في صحيح مسلم مثلاً، كلما تقادم العهد كثرت الاختلافات بين الرواة؛ لأنه في طور بداية التأليف، فالمؤلف الذي يبتدئ التأليف أولاً ثم يكرر النظر في هذا الكتاب، ويزيد فيه وينقص، المقصود أن هذه الروايات هذا مردها؛ لكن اشتهرت روايات مدونة......، واعتنى بها الحافظ اليونيني، وجمع هذه الروايات وأثبت الفروق بينها برموز معروفة، أثبتت في الطبعة السلطانية.

    أحسن الله إليكم، يقول: لما لا يجتمع المهتمون في علم الحديث النبوي سواءً كانوا هيئات أو أفراد لطباعة أمهات كتب السنة طباعة جديدة غير تجارية، وذلك على حسب أصح النسخ المعروفة؛ لأن بعض طلبة العلم قد ذاق الأمرين بسبب الحصول على الطبعات القديمة التي يغالي بها التجار؟

    نقول: الطبعات القديمة لو يُعتنى بها، تصور على ورق ممتاز بالألوان والأرقام، لكان هذا كافي، يكفي؛ لأن الكتب الكبيرة تحتاج إلى جهود متضافرة، ولجان علمية متفرغة، وقد يعز في مثل هذه الأمور.

    يسأل عن رواية أبي ذر الهروي في صحيح البخاري، هل هي مفقودة، يقول: هل يمكن استلالها من النسخة اليونينية الآن؟

    رواية أبي ذر مثل ما ذكرنا أن الحافظ اليونيني -رحمه الله- عني بجمع الروايات، وإثبات الفروق بينها في الرموز، والقسطلاني أيضاً له عناية فائقة في هذا، إلا أن ما في الطبعة اليونينية ليس جميع الفروق، لم يثبت جميع الفروق الحافظ بن حجر لم يشر في رواية أبي ذر وأشار إلى ما عداها؛ لكن تبقى أنه لا بد من الوقوف على رواية أبي ذر.

    جزاك الله خير شيخنا سنبدأ حلقتنا هذه في الحديث عن كتب التاريخ تفضل يا شيخ.

    نعم كتب التواريخ مما يجدر بطالب العلم العناية بها، طالب العلم بأمس الحاجة إلى التواريخ، لما فيها من عبرة وعظة ومتعة أيضاً، عبرة وعظة ومتعة واستجمام للذهن، نعم لأن الذهن إذا حصر على المقاصد التي هي العلوم الشرعية، وما يخدمها خدمة مباشرة لا شك أنه يمل ويكسل، فهو بحاجة إلى استراحة، فالذهن مثل الجسد يحتاج إلى استجمام، نعم فيستجم بكتب التواريخ وكتب الأدب على ما سيأتي؛ لكن كتب التواريخ فيها العبرة والعظة، وفيها أخبار من سبق، والتواريخ السنن الإلهية التي جعلها الله للخليقة لا تتغير ولا تتبدل، نعم فلنأخذ العبر، ولنأخذ العظات، ولذا قال -جل وعلا- في آخر سورة يوسف: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى}[(111) سورة يوسف] ما هو مجرد قصص ولا تسلية ولا من أجل إيناس الناس ولا إضحاكهم نعم، هذه القصص التي فيها العبرة والمتعة والعظة والاطلاع على أحوال الأمم الماضية كلها مستمد من القرآن والسنة، ومتلقى بعضه عن الأمم السابقة كأهل الكتاب على وجه الخصوص، وقد أمرنا أن نحدث عنهم ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)) وجاء في بعض الروايات: ((لأن فيهم الأعاجيب)) فهذه الكتب يعني كتب التواريخ بقدر ما فيها مما ذكرت إلا أنها تشتمل على الصحيح وغيره، وهي أيضاً تصاغ من وجهة نظر المؤلفين، فإذا رضوا عن دولة، أو رضوا عن شخص، بالغوا في مدحه و الثناء عليه، وفي المقابل إذا لم يرضوا ذموه، ولذا يقول القحطاني في نونيته الشهيرة:



    لا تقبلن من التوارخ كلما *** جمع الرواة وخط كل بنانِ



    فعلينا أن نقرأ هذه الكتب مع استصحاب أنها كتب بشر، تؤثر فيهم المؤثرات، أيضاً هناك أحداث لها آثار، فمثل هذه ينبغي أن يعتنى بأسانيدها؛ لأن كتب التواريخ المسندة على وجه الخصوص مثل الطبري مثل ما جاء على سياقه من الكتب المسندة تروي بالأسانيد والعهدة على القائل، مادام المؤلف أسند، العهدة على القائل نفسه، من أسند لك فقد أحالك، على هذا لا بد من النظر في أسانيد هذه الكتب، لا سيما في الأخبار التي تترتب عليها آثار، فإذا كانت هذه الأخبار تترتب عليها آثار إما أحكام شرعية مثلاً، أو مدح أو قدح من يؤثر مدحه أو القدح فيه في الأمة، مثل هذا لا بد من التأكد فيه، أيضاً: طعن بعض الفرق في بعض، واعتمادهم على بعض الأخبار تحتاج إلى دقة في النظر وتمحيص، فأقول: هذه الكتب يقبح بطالب العلم الغفلة عنها؛ لأنها تثري الذهن، وتثري أيضاً المفسر، إذا كان في غفلة عن كتب التاريخ صار عنده نقص كبير في استجلاء هذه الأحداث؛ لأن الأحداث، قد يكون الحدث واضح في القرآن ومكرر مراراً وبأساليب متعددة للقصة؛ لكن جاء في كتب التواريخ ما يوضح هذه القصة، فنحن بحاجة ماسة إلى كتب التاريخ.

    كتب التاريخ تجمع أيضاً إلى الأحداث تجمع التراجم لأهل العلم، من علماء، من عباد، من فقهاء، من زهاد، من جميع أصناف أهل العلم، فالإنسان لا شك أنه يفيد من هذه التراجم، إضافة إلى ما في الأحداث من طرائف وأخبار وأعاجيب.

    هذه التراجم يعنى بها المؤرخون، وتتفاوت عنايتهم فيها، تتفاوت عنايتهم بها، فعناية ابن كثير تختلف عن عناية ابن جرير مثلاً، أو ابن الأثير، ابن كثير ركز على التراجم.

    المقدم: يعني أنا أفهم من كلام فضيلتكم قبل قليل أن من مستلزمات طالب العلم أن يكون عنده اطلاع بالتاريخ؟

    بلا شك.

    المقدم: وهذا جواب للأخ عبد الله الفوازن؛ لأنه سئل هذا السؤال يقول: إننا نسمع الذي يهتم بالتاريخ كثيراً لا يتخرج طالب علم يقول: ما صحة هذه المقولة؟

    نعم الذي يهتم به كثيراً، بحيث يطغى اهتمامه على المقاصد على علوم الكتاب والسنة، أما العناية بالتاريخ كرافد للعلم بلا شك، تجد المعلم الذي يعلم العلوم الشرعية الأصلية، فقيه مثلاً يشرح الفقه لا يخرج عن الفقه قيد أنملة، هذا الطلاب يسرحون، ما يتابعون؛ لكن إذا كانت هذه نكتة، وهذه طرفة، وهذه حادثة، وهذه قصة، وهذه ترجمة علم مر، وهذه نكتة من النكات التي وجدت في ترجمة هذا الرجل، لا شك أن الطالب ينشط مع المدرس.

    من المزايا التي يهتم بها -وما أدري أشرنا إليها سابقاً، أو لم نشر إليها- يتميز بها شرح الكرماني على البخاري مثلاً الذي يجذب القراء، كثرة التراجم الذي فيه، واختياره أندر ما لهذا المترجم من غرائب، يعتني بهذه الأمور، فيجذب القارئ، فالمعلم بحاجة إلى مثل هذا، أيضاً العالم الذي يقبل كلامه كافة الفئات ينبغي أن يكون موسوعي بحيث يخاطب الناس كل إنسان بما يجذبه إليه، وليس المراد جذبه إلى ذاته، وإنما المراد جذبه إلى العلم الذي يريد إيصاله لينتفع به أكبر قدر ممكن، على كل حال التواريخ كثيرة جداً، والإحاطة بها لا يكفي حقها.

    لكن نشير إشارة إلى أهم كتب التاريخ، هناك ملاحظة لكتب التاريخ، يجدر بنا، أو ينبغي أن ننبه عليها، ونتنبه لها، وعلى الأخوة الذين يقرءون كتب التاريخ أن يتنبهوا لها، وهي أن العلماء وإن كان منهم من عرف بالتحقيق في باب التوحيد، إلا أنه في التراجم أحياناً يحصل منهم، أقول: في التراجم قد يشيدون بشخص عنده شيء من البدعة من غير تنبيه على بدعته، فيشيدون به من خلال ما فيه من علم، من جوانب برز فيها، أيضاً قد يتجاوز بعضهم إذا ذكر أن فلان مات في مكان كذا وقبره يزار، ما يعقب على هذا، وقد يتجاوز بعضهم ويزيد ما يتعين التنبيه عليه، فيقولون مثلاً: قبره ومشهده معروف ويزار، وأحياناً يقولون: ترياق مجرب، هذه وجدت مع الأسف الشديد في بعض كتب التاريخ، مع الأسف مثل هذه خلل في التوحيد لا بد من التنبيه عليها، ولذلك كتب التراجم كأنهم من خلال الاستقراء يريدون الفصل بين التاريخ وغيره من العلوم.

    أيضاً في باب الفصل لمؤرخ مثلاً ابن الوردي، ابن الوردي فقيه وعالم وقاضي ومؤرخ، ومع ذلك له كتاب في المجون، ويزعم أنه برر كتابه هذا بأن المنتقد لا يدري أن الفقه فن، والأدب فن آخر، نقول: لا يا أخي الدين واحد، نعم ما يطالبك به علم الكتاب والسنة والفقه لا بد من امتثاله في العلوم الأخرى، أما الفك بين هذه العلوم بهذه الطريقة لا شك أنه تناقض في الشخص بلا شك.

    من أهم ما دون في هذا الباب (تاريخ الأمم والملوك) أو (تاريخ الرسل والملوك) لإمام المفسرين والمؤرخين محمد بن جرير الطبري، وكتابه عمدة عند المؤرخين، وهو ممن يروي بالأسانيد، وفي أسانيده كما أشرنا الصحيح وغير الصحيح، والكتاب طبع مراراً في أوروبا ومصر وغيرهما، كتاب معروف متداول عند المتقدمين والمتأخرين، ومحل عناية عند أهل العلم؛ لكن يحتاج من يدرس أسانيده، لا سيما السلاسل التي تتكرر فيه بحيث تكون دراستها مرة واحدة تغني في أخبار كثيرة جداً، هذا يريح طالب القارئ كثيراً، يعني لو درست السلاسل في المقدمة، وفي جزء مستقل وأحيل عليها ثم بعد ذلك السلاسل التي تدور، دورانها أقل تدرس في مواضيعها.

    من التواريخ المهمة أيضاً: تاريخ ابن الجوزي واسمه (المنتظم) هو تاريخ كتبه ابن الجوزي، وفيه أحداث وفيه تراجم لأهل العلم إلى قبيل وفاته في نهاية القرن السادس.

    تاريخ الإمام الحافظ ابن كثير المعروف بـ(البداية والنهاية) هو مستمد في غالبه لا سيما نصفه الأول من تاريخ الطبري، وهو أيضاً معتمد على ابن الجوزي في تاريخ، ومصادر أخرى.

    والحافظ ابن كثير منزلته في العلم في علوم الكتاب والسنة معروفة، ولذا عني بكتابه أهل العلم القديم والحديث، وفضلوه على غيره، وصار ديدنهم وهجيراهم إلى وقتنا هذا، وكتاب البداية والنهاية يقرأه الشيوخ، في قسم جرد المطولات، ويؤثرونه على غيره؛ لأنه جامع بين التواريخ المتقدمة، وإمامة مؤلفه تجعل العلماء يعنون به، وأيضاً هو متأخر عنها، يعني وفاته سنة أربعة وسبعين وسبعمائة يعني بعد الطبري بأربعمائة وستين سنة أو أكثر، عني -رحمه الله- بقصص الأنبياء وسيرة النبي -عليه الصلاة والسلام-، وشمائله، وتواريخ الدول الإسلامية المتعاقبة إلى زمنه -رحمه الله تعالى-، ويعنى أيضاً عناية فائقة بتراجم أهل العلم، وهو كتاب نافع ماتع، لا يستغني عنه طالب العلم، ذيله بكتاب أسماه (النهاية) لأنه من شقين البداية والنهاية، فالبداية الذي هو التاريخ، والنهاية التي هي في الفتن والملاحم، مما سيكون في آخر الزمان، والكتاب طبع لأول مرة على نفقة الملك عبد العزيز -رحمه الله-، يعني كتاب البداية والنهاية في مطبعة السعادة، وهذه الطبعة رغم جمالها والعناية بها إلا أنا لا تخلو من أخطاء كبيرة، وإدخال ما ليس منها فيها؛ لأن النسخة التي اعتمدوا عليها فيها ما فيها من التصحيف، فيها أيضاً من إدخال بعض النساخ، مما يجزم القارئ أنه ليس من كلام ابن كثير، مما تميز بنفسه أحياناً مما هو نقل عن من تأخر عن ابن كثير، فأعيد طبعه بعناية محمد زهري النجار، ثم طبع أخيراً بعناية الدكتور/ عبد الله التركي، وطبعته هذه هي أجود الموجود الآن، وبُين فيها الكلام الذي ليس من كلام ابن كثير، وصحح بقدر المستطاع الأخطاء الذي جاءت في طبعة الملك عبد العزيز -رحمه الله-.

    من المهمات في كتب التاريخ (الكامل) لابن الأثير، وهو من أهم كتب الفن، يعني جودة عرضه للأحداث هو أميز في هذا التسلسل، جودة العرض للحدث حينما يتحدث عن حدث عن واقعة عن خلاف عن شيء، لا شك أن عرضه لهذا الحدث أفضل من غيره، تفصيله في عرض الأحداث أفضل حتى من ابن كثير -رحمه الله-، ابن كثير إمام محدث ناقد.

    المقدم: ينقل أحياناً روايات في حادثة واحدة كثيرة.

    عدة روايات نعم، وقد يفند بعضها، عناية ابن الأثير بالتراجم أقل، يعني قد يشير إلى أنه توفي في هذه السنة فلان وفلان؛ لكن ليست مصب اهتمامه مثل الحافظ ابن كثير، لذا كانت أهميته في الاطلاع على الأحداث أكثر، وعناية ابن كثير بالتراجم أكثر، فيجمع بينهما طالب العلم.

    من التواريخ المهمة التي لا يُستغنى عنها (تاريخ ابن خلدون) المعروف (بالعبر وديوان المبتدأ والخبر) هذا تاريخ نفيس حافل، يعنى بتحليل الأخبار، يعني إذا كانت كتب التواريخ تعنى بسرد الأخبار، هذا يعتني بتحليلها، إذا كان الحافظ ابن كثير يعنى بنقد الأسانيد فهذا يعنى بنقد المتون، يعنى بتحليل الأخبار، ونفي ما لا يقبله العقل، أو ترده حوادث التاريخ مثلاً، بطريقة لا توجد عند غيره، ومقدمته تعتبر من أمتع ما كتب في السياسة والاجتماع (مقدمة ابن خلدون)، وإن كانت الكتابات لدى بعض الناس في الأيام الأخيرة، كتاباتهم تشكك في نسبة هذا الكتاب لابن خلدون، الذي هو المقدمة لابن خلدون.

    المقدم: الضبط الصحيح كأني أسمعك تقول: ابن خَلْدُون، هكذا؟

    هذا هو المستفيض.

    بعضهم كتب عن المقدمة إن شئت فقل مُقَدِمة أو مُقَدَمة، كتب عن المقدمة هذه وقال: إن جل ما فيها مستمد من رسائل إخوان الصفا، ويلوح لي من خلال هذه الكتابات إشهار رسائل إخوان الصفا؛ لأن هذا العلم المتين الذي أودعه ابن خلدون في مقدمته إذا كان مستمد من رسائل إخوان الصفا فهو إبراز لهؤلاء، وإخوان الصفا معروفون، أهل ضلال، حتى قال بعضهم: أنهم زنادقة.

    المقدم: طيب عفواً لأنك الآن وأنت تتكلم تجي بين يدي فاكسات عديدة يسألون عن الطبعات.

    ذكرنا بالنسبة لتاريخ الطبري قد طبع.

    المقدم: الآن ابن خلدون؟

    طبع في أوروبا الذي هو تاريخ الطبري، طبع في مصر أكثر من مرة؛ لكن هناك طبعة محمد أبو الفضل إبراهيم يعني رغم أن العناية فيها أقل مما ينبغي بالنسبة لمصدر الكتاب، إلا أنها جيدة مخدومة، يعني معلق عليها ومفهرسة، ابن كثير أيضاً ذكرنا الطبعة، ابن الجوزي طبع في الهند قديماً يعني منذ سبعين سنة أو أكثر لكنه ناقص أربعة أجزاء ونصف، ثم طبع أخيراً في بيروت كاملاً، الكامل لابن الأثير أيضاً طبع مراراً طبع في بولاق، وطبع في المطبعة الأزهرية، وطبع في مطبعة -نسيتها الآن مصرية قديمة- وطبع على هامشه كتب، طبع مروج الذهب على هامشه، وطبع تاريخ العتبي، وطبع على هامشه أيضاً الجبرتي، طبع على هامشه كتب كثيرة، نعم وطبع في المطبعة المنيرية، الكامل لابن الأثير في تسعة مجلدات، وهذه بالنسبة لي أرتاح لها كثيراً هذه الطبعة.

    تاريخ ابن خلدون طبع أولاً في بولاق في سبعة مجلدات كاملة، ثم طبع في دار الكتاب اللبناني طبعة لا بأس بها؛ لكن بولاق أنفس منها، وإن كانت الطبعة اللبنانية أجمل حرف، المقدمة طبعت مراراً، وعني بها الشرق والغرب، طبعت مفردة، وترجمت إلى لغات.

    أيضاً شكيب أرسلان له عناية في أوائل التاريخ، طبع منه مجلدين، وله تعليقات نفيسة جداً على هذا التاريخ.

    هناك تاريخ وإن كان مختصر وقيمته بالنسبة لهذه أقل هو (شذرات الذهب في أخبار من ذهب) لابن العماد الحنبلي، وهو تاريخ مختصر يعنى بالأحداث والتراجم باختصار شديد؛ لكن ميزته تأخر وفاة مؤلفه، يعني إذا كان ابن كثير ينتهي عند منتصف القرن الثامن هذا إلى أوائل القرن الحادي عشر؛ لأن المؤلف وصل إلى الألف، نعم توفي بعد الألف، فامتد تاريخه إلى هذه الحقبة وهو مطبوع، طبعه القدسي في ثمانية أجزاء، وطبع محققاً أخيراً في دار ابن كثير.

    هناك تواريخ لمؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى- له تاريخ مشهور بهذه الاسم (تاريخ الإسلام) وهو تاريخ حافل يستفاد منه في معرفة أحوال الرواة الذين قد لا يوجد لهم تراجم في كتب رجال الحديث، وهو طويل جداً، له أيضاً كتاب مختصر في التاريخ اسمه (العبر في خبر من غبر) وبعضهم يقول: الأولى أن يقال: (من عبر) لأن الغابر الباقي {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ}[(77) سورة الصافات] الغابر هو الباقي، فيقول بعضهم: الأولى أن يقال: (في خبر من عبر) يعني من مضى، وهو كتاب مختصر وماتع ونفيس.

    هناك أيضا تاريخ أبي الفداء، وتتمته لابن الوردي كتب التواريخ لا تنتهي؛ لكن مما يعنى به أيضاً طالب العلم تراجم العلماء، التراجم، أخبار أهل العلم، وأخبار الصالحين تشحذ همم طلاب العلم، والغفلة عنها لا شك أنها قدح في طالب العلم، فإذا عرفنا أن من طريقة هذا العالم ومنهجه في العبادة كذا، ونصوص الكتاب والسنة فيها غنية؛ لكن هذه أمثلة عملية لتطبيق نصوص الكتاب والسنة، فنحن بحاجة إلى معرفة هذه الكتب التي تعنى بالتراجم، الذي لا يعنى بهذا قد يقع في أمور مضحكة، مضحكة جداً، الذي لا يعرف تراجم أهل العلم ولا يعرف مواليدهم ووفياتهم وهذا من المتقدمين، وهذا من المتأخرين، قد يقع في أمور مضحكة، يعني تصور من شخص يترجم لأبي موسى، وهذا مثال كررناه مراراً حديث أبي موسى في الفتن قال: أبو موسى في البخاري، وقال أبو موسى الذي هو الراوي في الصحيح، راوي الحديث في الصحيح أبو موسى الأشعري، وقال أبو موسى: "والهرج القتل بلسان الحبشة" جاء من يترجم ويقول: يترجم لأبي موسى المديني المتوفى في القرن السادس، هذه أمور مضحكة.

    أيضاً طالب العلم قد يخفى عليه وهو ينقل عن فن معين أن لهذا الفن رجاله، وهم يختلفون عن رجال الفنون الأخرى، إذا جاء في كلام أهل اللغة مثلاً ينقل في تعريف لغوي: (وقال أبو حاتم) ثم يترجم لأبي حاتم الرازي، فمضحكة، وهذا خطأ بلا شك، وأبو حاتم السستاني اللغوي معروف، وينقل عن كتب اللغة يقول: (وقال الليث) ثم يأتيك المترجم يترجم لليث بن سعد، وقد يتكايس بعضهم ويقول: إن لم يكن ابن سعد فلا أدري من هو؟ أين أنت من هذه الكتب التي خدمت هذه الأقوال؟ لأنك تجد بعض طلاب العلم بارع في تحديد المبهم والمهمل من رجال الحديث مثلاً، وإذا جاء إلى مثل هذه الأمور أتى بالمضحكات، هذا لا شك أنه خلل في التحصيل، لا بد أن نعرف هذه الأمور؛ لأن جهلها لا يليق بطالب العلم، فقد ننسب كلام لغير قائله، من الأمثلة: جاءني شخص ببحث ناقلاً لكلام نسبه لشيخ الإسلام ابن تيمية، وقد أخذه من تفسير القرطبي، كيف؟

    المقدم: وهذا متقدم وهذا متأخر.

    يقول القرطبي: "سمعت شيخنا أبا العباس" "ولقد ناقشت شيخنا أبا العباس مراراً" "راجعت شيخنا أبو العباس مراراً" "قال شيخنا أبو العباس" نعم، يعني نظير ما يقوله ابن القيم بالنسبة لشيخ الإسلام، فالباحث هذا مستصحب أن أبا العباس هو ابن تيمية؛ لكن هل هذا صحيح؟ القرطبي يروي ينقل عن شيخه أبو العباس القرطبي صاحب المفهم، القرطبي المفسر التلميذ توفي سنة إحدى وسبعين وستمائة، وشيخ الإسلام ولد سنة إحدى وستين وستمائة، أمور كثيرة، وأمثلة عندنا منها الشيء الكثير، تجعل طالب العلم يعنى بهذا الباب أشد العناية.

    ابن بدران يقول: "من اللازم على من يريد التفقه على مذهب من مذاهب الأئمة أن يعرف أموراً -إلى أن قال-: "الأمر الرابع: معرفة تراجم علماء مذهبه، ومالهم من المؤلفات، وأن يعرف طبقاتهم، وإلا قد يمر اسم واحد من الحنابلة فيظنه حنفياً، أو من الحنفية فيظنه شافعياً" يعني عنده توثيق مثل هذا تروح تبحث في طبقات الحنفية وهو حنبلي؟ لن تصل إلى مرادك أبداً البتة، يعني غاية ما تقول: لم أقف له على ترجمة، والسبب ما أدري أيش؟ وهو شخص مشهور في مذهبه، أو من المتقدمين فيظنه متأخراً، إلى أن قال: "ومثل هذا يقبح في المتفقه، وينادي عن انحطاطه عن ذروة الكمال، والله يتولى الصالحين" إذا كان هذا بمعرفة الفقهاء، فكيف بمعرفة رواة الحديث الذين يتوقف عليهم القبول وعدمه؟ ما يقع ممن لا يعرف تراجم وطبقات العلماء والأئمة ووفيات من الأخبار من الأوهام ذكرنا بعضها.

    كتب التراجم كثيرة، يعني المفسرون لهم طبقات: طبقات المفسرين للداوودي، طبقات المفسرين للسيوطي، المحدثون حدث ولا حرج لهم كتب في الطبقات، وللرواة على وجه الخصوص شيء لا يحاط به، وأهل الفن على خبرة من هذا، وهي موجودة ومتداولة، عندك بالنسبة للمحدثين لهم طبقات، والمراد بهم أئمة الحديث، فمثلاً طبقات الحفاظ، وتذكرة الحفاظ، هي في هذا الباب، وسير أعلام النبلاء في هذا الباب، وفيها من الفوائد وما يذكره العلماء من متين العلم من خلال هذه التراجم قد لا يوجد في غيره، تجد في تراجم الأئمة في هذا الباب ما يشحذ همتك للعمل بما علمت فوائد، طرف، تنقل عن هذا العالم، ويحرص الذين ألفوا في التراجم على انتقاء ما صدر عن هؤلاء، المفسرون، المحدثون، الفقهاء، النحاة، النحاة واللغويين لهم كتب، يعني من أنفس كتبهم كتاب القفطي اسمه (إنباه الرواة) هذا كتاب فيه من علوم العربية التي يغفل عنها كثير من طلاب العلم، لا يدركها لأنه لم يقرأ في هذا الكتاب، وهي لا توجد في غيره، فيه مراسلات، فيه محاورات، فيه مناقشات، تثري هذا الفن، إنباه الرواة، وفيه (بغية الوعاة) للسيوطي، أيضاً فيه نُقول، وفيه أشياء وفيه...، هناك أيضاً كتب الفقهاء طبقات الحنفية، طبقات الشافعية، طبقات الحنابلة، كتب كثيرة جداً في هذا الباب وحصرها مستحيل.

    الأدباء لهم أيضاً كتب، الأطباء لهم كتب، أيضاً هناك كتب ألفت في تواريخ البلدان، فعندك مثلاً (تاريخ دمشق) لابن عساكر، من أهم الكتب التي ينبغي لطالب العلم أن يهتم به، كتاب بجانب إلى كونه تاريخ لهذا البلد، أيضاً هو للرواة والعلماء الذين وفدوا على هذا البلد، وما رواه كل واحد منهم من أحاديث.

    وهناك أيضاً (تاريخ بغداد) للخطيب من أهم ما صدر في تاريخ هذا البلد، وقد تبحث عن ترجمة راوٍ لا سيما من الرواة الذين تأخرت وفياتهم عن رواة الكتب الستة، في البيهقي أو الحاكم أو غيره من المتأخرين لا تجدها إلى في هذا الكتاب في مثل هذا الكتاب.

    المقدم: كلها بها الاسم يا شيخ؟

    نعم، تاريخ بغداد إيه.

    المقدم: يطبع بتاريخ مدينة السلام أحياناً.

    الأمر سهل المسألة المقصود أنه تاريخ بغداد.

    تاريخ (أصبهان) لأبي نعيم، تراجم لا توجد في غيره، تاريخ (جرجان) للسهمي، تاريخ (واسط) لبحشل، تاريخ (مصر) ألف تواريخ في مصر، مكة أيضاً لها تواريخ، البلد الحرام، والمدينة أيضاً لها تواريخ، وتعنى بتراجم من وفد إلى هذه البلاد، ومن وأخبارهم وطرائفهم.

    الأندلس: كتب كثيرة عن تواريخ الأندلس، وهي كتب نافعة وماتعة، وفيها من الطرائف العلمية والنقول والنكات الأدبية والأشعار والموشحات وغيره ما لا يوجد في غيرها و(نفح الطيب) مثال على هذا، مثال حي للمقري، مثال حي على ما ذكرت، ومخبره أعظم من الخبر عنه؛ لكن مثل هذه الكتب لا سيما التواريخ المتأخرة ما تسلم من شوب بدعة، فعلى طالب العلم أن يقرأ فيها بحذر، يعني تاريخ (نفح الطيب) مثلاً فيه أشياء، نُقول عن متصوفة، نُقول عن مبتدعة، بدع مغلظة، ولا يتعقب، فعلينا أن نقرأ في مثل هذه الكتب بحذر، ونفيد منها.

    هناك تواريخ ألفت على القرون، فالعلماء ألفوا على مناحي متعددة جداً، ألف على القرون مثلاً: (البدر الطالع في محاسن من بعد القرن التاسع) للشوكاني، هذا فيه من الفوائد العلمية ما لا يدرك في الكتب الأخرى، فيه أشياء لا تخطر على البال، (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) لابن حجر، أيضاً (الضوء اللامع في محاسن أهل القرن التاسع) للسخاوي، (الكواكب السائرة في أعيان المائة العاشرة) للرازي، (خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر) للمحبي، و(سلك الدرر) وكتب كثيرة جداً، ألفت على القرون.

    هناك أيضاً كتب عامة في التاريخ في التراجم، يعني كتب عامة ومهمة في الباب مثل (وفيات الأعيان) لابن خلكان، كتاب أشهر من نار على علم عند أهل العلم، يمتاز بالأخبار، وبضبط ما يحتاج إلى ضبطه من الأسماء والكنى والألقاب والقبائل والبلدان، هذه تذكر له، ذيل عليه بذيول كثيرة منها: (فوات الوفيات) لابن شاكر الكتبي.

    لو أردنا هذه الكتب الذي سردناها نذكر طبعاتها لأخذ وقت.

    المقدم: إذاً فقط نأخذ مجموعة من الأسئلة.

    متصل: بسم الله الرحمن الرحيم، الاسم: جاسم محمد علي من سكان محافظة عنيزة.

    السؤال هو يا فضيلة الشيخ: تعلم بأن طالب العلم المبتدئ لا بد أن يكون له ملازمة على شيخ معين، ففي الحقيقة كثر العلماء في هذا الزمان، وكثر حقيقة مشايخنا في هذا الزمان، وحقيقة كلهم -والحمد لله رب العالمين- نستفيد منهم، ونتعلم منهم العلم الشرعي، ولكن يا شيخ حفظك الله هناك أناس لا يستطيعون أن يلازموا بعض العلماء، فما هو السبيل إلى طلب العلم الشرعي البديل عن ملازمة العلماء، لا سيما أنهم قد يكونون في مكان بعيد عن العلماء أو كذا، فتجد مثلاً في نجد مثلاً: الإنسان قريب من العلماء؛ لكن قد يكون في ديار أخرى مثلاً أو في بلاد أخرى، قد لا يستطيع الإنسان أن يلازم العلماء، فما هو السبيل الأمثل إلى طلب العلم بحيث أنه يكون يغني عن ملازمة هذا الشيخ مثلاً، أو هذا العالم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؟

    هذا السؤال أجبنا عنه أكثر من مرة؛ لكن يبقى أن مثل هذا الذي لا يتسنى له ثني الركب عند أهل العلم لبعده عن منابع العلوم ومواطن التعليم، مثل هذا يكون على صلة بالدروس من خلال الآلات، إما من الإنترنت، ويسمع دروس حية، أيضاً يحرص على اقتناء الأشرطة، ويسمع هذه الأشرطة، ويكون معه المتن، ويفرغ منها ما يحتاج إلى تفريغه، وإذا أشكل عليه شيء بالإمكان ولله الحمد والأمور متيسرة أن يتصل بأهل العلم من خلال الهاتف.

    المقدم: وهذا باب آخر الحقيقة سؤال الأخ كنا أشرنا إلى أنه ربما لا نستطيع تغطية هذا الجانب بما يتعلق بالوصايا الخاصة بذات طالب العلم، شكراً لك من عنيزة، سؤال آخر إذا كنت تبغي الشيخ؟

    متصل: السلام عليكم ورحمة الله وبركات: بداية أشكر إذاعة القرآن الكريم على هذه الاطروحات الطيبة المباركة، أسأل الله -سبحانه وتعالى- التوفيق والثبات على هذا الدين، ثم أحيي فضيلة الشيخ، وأسأل الله تعالى أن ينفع به الإسلام والمسلمين، وأن يزيدنا وإياه من العلم النافع والعمل الصالح، كما أحيي أخي الشيخ فهد، سؤالي للشيخ أقول:

    تزخر كثيراً من المكتبات حقيقة لا من ناحية البيع، أو من ناحية الكتب التي في البيوت، بالكتب المتعلقة بالخطب، سؤالي حقيقة لفضيلة الشيخ: ما هي الطريقة المثلى للخطيب للبحث لموضوع ما عندما يطّلع على هذه الكتب الذي فيها الخطبة جاهزة، ليس عليه إلا أن ينقل بالحرف أحياناً، أو يقتبس اقتباساً مخلاً بطريقة البحث لطالب العلم، أقول: ما هي الطريقة المثلى عندما يطرح موضعاً ما للبحث بين الكتب، ولعل لفضيلة الشيخ توجيه، حيث أن كثيراً من الخطباء اتكلوا كما نقول: اتكلوا على هذه الكتب الجاهزة للخطب، أسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، والثبات على هذا الدين حتى نلقاه آمين، أخوكم ومحبكم في الله: عبد الله بن سلمان الخيل إمام وخطيب جامع....

    شكراً للأخ عبد الله الخيل من جلاجل وشكراً لجميع الأخوة، هذا أيضاً مبحث آخر فضيلة الشيخ...

    الأصل عند اختيار الخطيب أن يكون مؤهلاً لإعداد الخطبة؛ لأنه قد يرد قضايا ونوازل لا يجد فيها شيئاً مكتوباً، فإذا كان مؤهلاً عليه أيضاً أن يعنى بالإعداد؛ لأن بعض الإخوان بسبب الارتباطات والمشاغل وظروف الحياة اليوم، وأيضاً استرخاء من بعض الإخوان، فلا يؤتي الخطبة وقتاً كافياً لإعدادها، بعض الإخوان يعتمد على الخطب المطبوعة، وبعضهم يفتح الإنترنت، ويجد خطب جاهزة فيسحبها، وهذا ليس صحيح، مثل هذا لا شك أنه لن يزداد علماً، فالخطبة نوع من التعليم، وذكرنا مراراً أن التعليم يبني شخصية المعلم، وهو من أعظم روافد التحصيل، فالخطيب الذي بهذه المثابة لا يهتم بالخطبة إذا بقي عليه وقت يسير إما من رأسه يجلس فيكتب رؤوس أقلام، ثم إذا أتى للمنبر يشرق ويغرب بالسامعين، وبهذا تنتهي الخطبة على لا شيء، فلا بد من أولاً: الاهتمام باختيار الخطيب، الأمر الثاني: هذا الخطيب الذي اختير حسب معايير ومقاييس تبرأ بها الذمة من قبل اللجان التي تختار من جهات الاختصاص، لا بد أن يعنى، وأن يستشعر المسئولية الخطيب، لابد أن يستشعر هذه المسئولية، ويأتي بما ينفع الناس، ويلامس حاجة الناس؛ لأنه إلى وقت قريب وهذا يكاد يكون انقرض، يخطب بخطب من قرون، فيها مواعظ، وفيها ترقيق، والناس في وقت هذه الخطب قد تكون الفائدة موجودة؛ لكن الآن لو طلعت المنبر تقرأ من خطب.... اليوم تسير مسخرة؛ لأنها لا تلامس حاجاتهم، وإن كان فيها شيء من الوعظ والتوجيه، المستمع بحاجة إلى أن يجد ما يحل المشكلة عنده، حدث يحتاج إلى تعليق، يمر بسلام من جهة الخطيب، هذا ما هو بصحيح، ما فائدة الخطبة؟ يعني حدث يعلق عليه من وجهة النظر الشرعية، نعم، هذا أمر لا بد أن يكون من خلال المنبر.

    المقدم: لكن ممكن يستفيد الخطيب من مجموعة من الخطب التي أعدها العلماء؟

    لا بد، لا بد، لا سيما الخطب التي أعدها أهل العلم، أهل العلم الموثقون، يستفيد من الخطب النبوية في الدرجة الأولى، ولها كتب موجودة، يستفيد من خطب الخلفاء الراشدين، وهي أيضاً موجودة ومبثوثة، كتب الأدب فيها أبواب عن الخطب، يفيد منها الخطيب، يستفيد من خطب أهل العلم المعاصرين، الذين عانوا مشاكلنا وقضايانا، ممن شهد لهم بالعلم والعمل، أيضاً الخطيب عليه أن يكمل النقص بالبحث، فكل هذه مما يحتاجه الخطيب.

    المقدم: لو لم يستطيع الخطيب تحقيق حديث أثناء الخطبة هل يكفي بالنسبة له أن يرجعه ويقول: هو موجود عند فلان وفلان، يكفي هذا؟

    أولاً: لا يجوز للخطيب أن يلقي على عامة الناس حديثاً لا يعرف ثبوته، بل لا بد من التأكد من ثبوت هذا الخبر، ونسبته إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولا بد من الوضوح في بيان درجته.

    المقدم: سأختار فقط بعض الأشياء التي أرى لزاماً أننا لا نغفلها: أحد الأخوة وهو بعتب شديد لماذا اقتصرتم في الحديث عن أصول الفقه بمدة لا تتجاوز ثلاث دقائق؟

    أهمية علم الأصول لا يختلف اثنان في أن هذا العلم من أولويات ما يحتاجه طالب العلم لفهم الكتاب والسنة، وكيفية التعامل مع الكتاب والسنة؛ ولكن الوقت صعب، وكتب الأصول تحدثنا عنها في مناسبات كثيرة، وشرحنا عدد منها، فلا يعني هذا أننا لم نذكر رسالة الإمام الشافعي لعدم أهميتها، لا، هي اللبنة الأولى في الباب، وهي التي صيغت بنفس السلف، بينا هذا مرراً وقُرأت علينا أيضاً مراراً؛ لكن مع ذلك الوقت لا يسعف، ونحن بصدد إرشاد طالب علم يبني نفسه من البداية، قررنا مراراً أن طالب العلم يبنى المتون الأصغر، ثم الذي يليه ثم الذي يليه، متن المبتدئين، ثم كيف يقال لطالب مبتدئ: اقرأ الرسالة للإمام الشافعي، ما يمكن؛ لكن طالب العلم المتأهل لا يستغني عن رسالة (الإمام) الشافعي، أيضاً (إرشاد الفحول) للشوكاني ما تعرضنا له، وهو كتاب من أنفس ما كتب، وإن كان في جملته مختصر من (البحر المحيط) الذي يبدو لي أيضاً ما تعرضنا له، أيضاً: (المحصول) وما دار في فلكه، وكتب كثيرة في الأصول ما أسعفنا الوقت، الآن ونحن نتحدث عن كتب التاريخ أنهيناها ولم تنتهِ، يعني قطعناها بترناها بتر، ننظر في كتب اللغة والأدب وما أشبه ذلك.

    المقدم: أحد الأخوات تسأل عن البرنامج المكثف في الصيف، وابنها دخل هذا البرنامج المكثف في طلب العلم في دورات مكثفة صباحية ومسائية، تقول: أخشى عليه أن يمل، وتسأل عن توجيهكم عن هذا، هل هو مناسب في الصيف؟

    لا شك أن العلم يؤخذ بالتدريج، وبالتخول أيضاً، والإرهاق إرهاق الذهن يبعث على الملل، ثم الترك؛ لكن إذا كانت فترة هذه الدورة المكثفة قصيرة لمدة شهر مثلاً، لا مانع أن يضغط الإنسان على نفسه لمدة شهر، بحيث يكون الشهر الذي يليه أقل؛ ولكن ديدنه وهجيراه وعمره كله مضغوط ما يصح، هذا لا ينفع؛ بل العكس له مردودات عكسية، لا بد للإنسان من راحة ولا بد له من استجمام، ولنفسه عليه حق؛ لكن ضغطه لمدة شهر أو شهر ونصف أو حتى شهرين وبقية السنة بالتدريج ما يضر هذا -إن شاء الله-.

    المقدم: أسئلة كثيرة يا شيخ لكن ربما تدور كلها في فلك واحد، وقد نستطيع الإجابة على بعضها ولعله يهيأ للأخوة القائمين على مشاريع الشيخ العلمية أن يجيبوا عليها من خلال موقع الشيخ.

    أحد الأخوة يسأل عن كتب السيرة المعاصرة التي ألفت حديثاًَ، هل إذا استغنى عنها طالب العلم ورجع إلى كتب السلف تكفي، أو لا بد من القراءة فيها لأسباب وأغراض معينة؟

    لا شك أن المعول على كتب المتقدمين، وهي الأساس والبناء الذي يعتمد عليه؛ لكن يبقى أن بعض المعاصرين استنبطوا دروس وعبر من وقائع السيرة، ومن حوادث التاريخ، هذه يستفاد منها بقدر ما تفيده في هذا الجانب، أما المعول أولاً وأخراً على كتب المتقدمين.

    متصل: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحسن الله إليكم يا شيخ، ونفع بعلمكم:

    السؤال يتعلق بكتب التراجم والتاريخ والأدب التي ذكرتموها قبل قليل، هل من الأفضل أن يجعل طالب العلم له منهج وورد في القراءة في هذه الكتب أو تكون القراءة للحاجة أو يجعل له قراءة بين فترة وأخرى، أو ما هي الطريقة المثلى للتعامل مع هذه الكتب، وهل يختلف الحال بين طالب العلم المبتدئ وغيره، وشكر الله لكم، وبارك في جهودكم وعلمكم، أخوكم/ سالم حسين من الرياض؟

    هذا الأمر أشرنا إليه بالنسبة لترتيب الوقت عند طالب العلم يجعل سنام الوقت الذي هو وقت النشاط، نشاط الذهن لما يتعلق بكتاب الله -جل وعلا- وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- والعلوم الأصلية في المقاصد، وما يخدم هذه المقاصد، ثم بعد ذلك هناك أوقات يكون الذهن فيها قد كل، يطالع في هذه الكتب بقصد الإفادة منها، وبقصد الارتياح إليها الإنسان له فترة راحة يعني يقرأ، وهو ينتظر الغداء، ينظر العشاء، يقرأ، هي ما تحتاج إلى تركيز شديد، هي ما تحتاج إلى تعب ولا عناء.

    المقدم: بعض من أدركنا ممن يقرءون يا شيخ يضع مثل هذه الكتب عند رأسه قبل النوم، يقرأ في الأدب والتاريخ، يعني يعتبر هذه الفترة قبل النوم يقرأ في هذه الأشياء؟

    هذه صنعناها كثيراً منذ وقت طويل؛ لكنها ينبغي ممن يسلك هذا المسلك أن تكون الإضاءة مناسبة؛ لأن هذه تسرق مع الاضطجاع، يقرأ وهو مضطجع البصر يتأثر كثيراً.

    المقدم: يعني اتخذتموها، صحيح، هو الحقيقة أنا اتخذتها أيضاً بناءً على ما سمعت من بعض علمائنا هذا، وكانت فعلاً أنها .... أحياناً تسرح ولا تنام، تقرأ مجلداً كاملاً.

    صحيح لكن يبقى أن الإضاءة مهمة جداً.

    متصل: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، فمرحباً بفضيلة الشيخ، فضيلة الشيخ لدي سؤالان:

    السؤال الأول: ما الفائدة التي ترونها مرجوة من القراءة في الكتب التي تعنى بالحضارة الإسلامية، كشكل المباني، وأشكال المساجد، وساحات المدارس، وتنظيم الشوارع وغيرها، هل ترون أن القراءة فيها مفيدة، أم أن فيها بعضاً من إضاعة الوقت يا شيخ؟

    السؤال الثاني: كيف لطالب العلم المبتدئ أن يفرق في قراءة ما يتعلق بعلم البيان، وخاصة المجازات حيث كُثر المتأولون في كتاب الله -عز وجل-، وهذه كثرة كبيرة، أنا أتساءل كيف لطالب العلم أن يقرأ وهو مرتاح؟ وكيف له أن يستفيد من كتاب الكشاف للزمخشري على ما فيه من اعتزاليات؟

    أما بالنسبة لكتب الحضارة فهي فن من الفنون التي يعنى بها طائفة من الناس، قد تكون إفادتها للعلم الشرعي يعني باعتبارها ليست رافد، إلا من بعد شديد، من بعد شديد تبين مدى تقدم هذه الأمة التي حملت هذا الدين العظيم.

    المقدم: وفيه مؤلفات معروفة ومشهورة؟

    نعم، وترد أيضاً على من يتهم هذا الدين بأنه دين آخرة، وليس بدين دنيا لا يسير الدنيا، إن الله -جل وعلا- استعمرنا في هذه الأرض، يعني طلب منا عمارتها، فهي بفحواها ترد على هذه الدعاوى التي تتهم الدين بأنه دين جمود، وأنه دين عبادة فقط.

    المقدم: يسأل أيضاً عن كيف يستطيع المبتدئ أن يفرق في قراءته يعني يفرق في علم البيان وخاصة المجاز، خصوصاً مع وجود هذه الدعوات في هذا الموضوع يا شيخ؟

    هذا سيأتي الكلام عليه عند الكلام على كتب البلاغة؛ لكن يبقى أن هذا العلم إنما يؤخذ عن الشيوخ الموثوقين المعروفين بسلامة عقائدهم، وإلا فكتب اللغة عموماً فيها ما فيها؛ لأن ممن صنف في هذه الكتب على ما سيأتي من عنده خلل في الاعتقاد، والمجاز اتخذ مطية لنفي ما أثبته الله لنفسه، ولذا سماه الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- (طاغوت).

    المقدم: الأخ ماجد يقول: المنهجية في دراسة تراجم الرواة، ويبدو -والله أعلم- أنه فاتته أول حلقة قبل أشهر فما في مانع أن تجيب عليه قبل أن نذكر كتب اللغة؟

    طيب رواة الأخبار لا سيما رواة الحديث صنفت فيهم المصنفات الكثيرة، وذكرنا شيئاً منها في الحلقات السابقة، لكن طالب العلم المبتدئ يقلد، وعلى هذا يعتمد أقوال المرجحين، فيقتصر على التقريب أو الكاشف أو اختيارات الخزرجي في الخلاصة، المقصود أن طالب العلم المبتدئ الذي هو في حكم المقلد، هذا شأنه، أما من تأهل للنظر في أقوال الأئمة في الجرح والتعديل، وعرف القواعد التي من خلالها يرجح الراجح من أقوالهم، يتعين عليه أن ينظر في أقول أهل العلم في الراوي جرحاً وتعديلاً، ثم يرجح بين هذه الأقوال حسب القواعد التي قررها أهل العلم.

    المقدم: إذاً ندخل في كتب اللغة فضيلة الدكتور.

    اللغة العربية التي هي لغة القرآن ولغة سيد الأنام -عليه الصلاة والسلام-، الاهتمام بها اهتمام بالدين؛ لأنها لغته، فالقرآن بلسان عربي مبين، والنبي -عليه الصلاة والسلام- عربي فلذا كان من الحتم لفهم هذا الدين تعلم هذه اللغة، يقول ابن خلدون في مقدمته الشهيرة: "الفصل السادس والثلاثون في علوم اللسان العربي: أركانه أربعة: وهي اللغة والنحو البيان والأدب، ومعرفتها ضرورية على أهل الشريعة، إذ مأخذ الأحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة، وهي بلغة العرب، ونقلتها من الصحابة والتابعين عرب، وشرح مشكلاتها من لغاتهم، فلا بد من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة، يعني كيف تفهم كلام عربي وأنت لا تحسن العربية؟! أسهم العلماء من العرب وغيرهم من الأعاجم، وضربوا في كل فن من فنون اللغة بسهم وافر، ومن الحكم الإلهية أن تكون إسهامات الأعاجم إن لم تكن أعظم في هذا الباب، فإنها ليست بأقل من إسهامات العرب بوجه من الوجوه، لهم إسهامات واضحة، لماذا؟ لأن هذا دينهم، يعني هم مطالبون بفهم الكتاب والسنة كما يطالب العرب فهم مطالبون بفهم العربية، ومن ثم التأليف فيها، علوم العربية التي أهل العلم دونوا فيها، واهتموا بها عبارة عن اثني عشرة فناً مجموعة في قول الشاعر:

    نحو صرف عروض ثم قافية *** وبعدها لغة قرض وإنشاءُ

    خط بيان معان مع محاضرة *** والاشتقاق لها الآداب أسماءُ



    اثنا عشر، الفقهاء يؤكدون على والعلماء عموماً ومن ألف في أدب الطلب يؤكدون على معرفة هذه العلوم كلها، يعني لا يليق بطالب علم أن يكون جاهلاً بالنحو أو بالصرف أو بالعروض حتى، لأنه لا ينبغي لطالب العلم ألا يعرف العروض، لماذا؟ لأنه قد ينظر عليه في فنه الذي يعانيه أبيات، الفقهاء كثيراً ما يضبطون القواعد والضوابط والشروط والأركان بأبيات شعرية، فإذا كان لا يعرف العربية ولا القافية، فلو جاءه بيت مكسر مثلاً!

    أيضاً الكتب والمتون التي اعتمدت في الفنون كثير منها نظم، وبعض الناس يقرأها ويؤدي على أساس أنها نثر، وأذكر مرة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- هذا أول ما بدأ التدريس سنة خمسة وتسعين، بعد عودته من المدينة، مر علينا بيت في أحد الكتب نسيت والله يمكن ابن كثير، فقرأته عليه كأنه ما ارتاح له.

    المقدم: كنتم في المدارس؟

    لا لا، في الجامع الكبير، جامع الإمام تركي، فالشيخ ما ارتاح ، فقطعه على طريقة العروضيين وعدله وقومه، فمثل هذا يقبح بطالب العلم أن يهمل مثل هذه العلوم، وإن كان كثير من المعاصرين لا يلقي لها بالاً، بل يخوض في البحر مباشرة؛ لأن العمر لا يستوعب، نعم يستوعب، بس أعطي العلم نفسك، ويستوعب كل شيء، ومعرفة مثل هذه الأمور تيسر لك كثير من الأمور.

    على كل حال يهمنا بالدرجة الأولى من هذه العلوم: النحو والصرف واللغة بمتنها وفقهها والبلاغة بعلومها الثلاثة: المعاني والبيان والبديع، يأتي بعدها العروض ثم القافية، ثم البيان، ثم الخط، والاشتقاق، وغير ذلك من العلوم التي يقبح بطالب العلم أن يجهلها، بل يقرأ فيها لو متن على الأقل.

    مما يهم طالب العلم البداءة به في هذا الشأن النحو، وهو أمر لا بد منه لطالب العلم، ويقبح بطالب العلم أن يحلن، وللنحو فائدتان:

    أولاهما: ضبط اللسان وحفظه، وهم يقولون: عصمة اللسان من اللحن.

    الأمر الثاني: ما يتوقف على معرفة الإعراب من فهم للمعنى، اللسان يحتاجه الخطيب، يحتاجه المعلم، يحتاجه من يقرأ على الشيوخ الدروس، كثيرة الخطاء حقيقة السامع حين يسمع الخطيب وهو يحلن ينصرف الذهن ينزعج وينصرف، لا سيما إذا كان عنده ذوق؛ لأنه قد لا يستفيد من الخطبة كلها بسبب اللحن، فجدير بالخطيب أن يعنى بهذا أشد العناية، أيضاً فهم الكلام متوقف على إعرابه، يعني إذا لم تعرف الفاعل من المفعول، من الضارب ومن المضروب، فهمت الكلام ما في فائدة، قد يتغير الحكم بتغير الإعراب.

    أيضاً أهل العلم في حديث ((ذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أمه)) هذا حكم، ويرويه بعضهم ((ذكاةُ الجنين ذكاةَ أمه)) يختلف الحكم رأساً على عقب، إذا قلنا: أن (ذكاةُ الجنين ذكاةُ أمه) يعني هي ذكاة أمه ما يحتاج إلى تذكية، لكن إذا قلنا: ((ذكاةُ الجنين ذكاةَ أمه)) قلنا: منصوب على نزع الخافض، والتقدير كذكاة أمه، إذاً لا بد أن يذكى مثل أمه، يختلف المعنى.

    فالعربية أهميتها لطالب العلم لا تخفى على أحد؛ لكن الذي يقلق كثير من طلاب العلم، أنه قد يعاني العربية، ويبدأ بها بالتدريج يقرأ على الجادة متى؟ إذا نبه لذلك، واحتاج إليها بعد أن تقدم به السن، وأخذ قسطاً من العلم فمثل هذا تجده يتقن القواعد ويعرف ويفهم المعنى من خلال هذه القواعد، لكن يشكل عليه لسانه، قد يلحن كثيراً وهو يعرف القواعد؛ لأنه ما مرن لسانه من الصغر على النطق الصحيح، نقول: يا أخي لا تقلق أنت على خير كثير، أنت الآن تفهم المعنى، يعني ما يلزم تكون خطيب، وإذا أخطأت تستدرك، بإمكانك تستدرك؛ لكن أنت أدركت إحدى الفائدتين، وهي أهمهما، أنت إذا كان لسانك يسبقك إلى اللحن، فتدرك المعنى الآخر، تدرك أن هذا فاعل وهذا مفعول، وهذا مفعول لأجله، الذي يتضح به المعنى، فلا يقلق مثل هذا، فيلاحظ على كثير من المتعلمين رغم اهتمامهم بالعربية لا سيما الاهتمام المتأخر، اللحن الفاحش رغم معرفتهم للقواعد العربية؛ لأنهم لم يطبقوا ما تعلموه في الصغر، ولذا تجد في بعض المتون، بعض المتون الصغيرة التي ألفت للمبتدئين كالأزهرية مثلاً فيها تمرين على إعراب قصار السور، لذا نلفت نظر السامع إلى اهتمامه بإعراب القرآن، يعني انتهى من الأجرومية مثلاً، حفظ الأجرومية وسمع الشروح، يعرب الفاتحة يطبق، يعربها بمفرده، ثم بعد ذلك يعرض إعرابه هذا على كتب إعراب القرآن، إن وجد إعرابه صحيح مائة بالمائة يكون خلاص أتقن، إذا وجد خطأ يصحح، ثم لن يرجع إلى الخطأ مرة ثانية، ثم ينتقل بعدها إلى البقرة وهكذا، وبهذا يفهم القرآن ويعينه هذا على التدبر وفهم القرآن، وأيضاً لأن فهم الكلام مبني على معرفة مواقع الكلمات.

    على كل حال العلماء رسموا طرق لدراسة هذا العلم، ورتبوا كتب هذا الفن للمبتدئين والمتوسطين والمنتهين، وكل بلد لهم اهتمامات بكتب معينة، فمثلاً عندك كافية ابن الحاجب هذا متن من أعظم متون هذا الفن، ومن أوسعها انتشاراً حتى وجد من نُسب إليها، فلان كافيجي الكافيجي، ما هي نسبة إلى بلد أو إلى جد، أو إلى قبيلة، لا، إلى هذا الكتاب؛ لأنه يُدرس كافية ابن الحاجب؛ لكن هذا الكتاب ليس مشهوراً في بلادنا، السلم عند علمائنا الأجرومية، ثم القطر ثم الألفية، الأجرومية متن متين في هذا الباب.

    المقدم: وشرحتموه أنتم يا شيخ؟

    شرحناه مراراً وسجل شرحه، وهناك شروح مكتوبة ومطبوعة؛ ولكن من أهم شروحه: الكفراوي، هذا الشرح يعرض جميع ما يمر عليه في هذا الكتاب، ويأتي بأمثلة وقد يعرب.. المقدم: سماه شرح الأجرومية هكذا؟

    شرح الكفراوي على الأجرومية، معروف، وميزته الإعراب، لا يقرأه طالب العلم بعناية وينهيه إلا وقد تولدت لديه ملكة إعرابية، إن لم يكن من النوع الملول؛ لأنه في موضع واحد أعرب من ثمانية عشر مثالاً أعرب ستة عشر، بقي اثنان قال: إعرابهما كما مر.

    أيضاًَ هناك شرح العشماوي، يمتاز بتوضيح الأجرومية من جهة، وأيضاً إضافة بعض الضوابط والقواعد التي يحتاجها طالب العلم.

    شرح الشيخ خالد الأزهري، وعلى كل شرح من هذه الشروح حواشي، حاشية إسماعيل الحامدي، حاشية أبي النجاء، حاشية كذا، حواشي كثيرة جداً يعنى بها طالب العلم، وكانت العناية بها عند أهل العلم قبل التعليم النظامي شيء منقطع النظير، وبلغنا عن شيخنا الشيخ عبد الرزاق -مباشرة ما أقول بلغنا- سمعته الشيخ عبد الرزاق العفيفي -رحمه الله- يقول: كان الكفراوي مقرر على أولى ابتدائي في الأزهر، والثانية شرح القطر، والثالثة (شرح شذور الذهب) كتب كاملة، والسنة الرابعة (شرح ابن عقيل) كامل، على ألفية بن مالك.

    لا شك أن التعليم كان فيه متانة عندنا مثلاً متأخر وتعليمه نظامي، يعني لما أراجع شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، وأراجع بعض الأبيات في الأيام هذه، يعني أستغرب جداً كيف اجتزنا شرح ابن عقيل في المرحلة الثانوية في المعاهد العلمية، ومع ذلك ما كان يشكل علينا شيء نعتبره طلاسم، لا، أذكر بيت هو الذي أشكل وصعب فهمه على كثير من الطلاب وفيه تعقيد.



    وعلقةٌ حاصلةٌ بتابعِ *** كعلقة بنفس الاسم الواقعِ



    يعني هذه كأنها لغز؛ لكن هات طلاب الثانوية الآن يقرءون مثل هذه الكتب! لا شك أن العقول هي العقول؛ لكن هناك صوارف، الآن هناك صوارف تصرف الطلاب عن فهم مثل هذه الكتب.

    أيضاً (ملحة الإعراب) من مهمات هذا العلم، وهي متن سهل، يعني الناظم بارع الذي هو الحريري؛ لكن عناية أهل هذه البلاد كما ذكرنا، هذا الكتاب مثل كافية ابن الحاجب.

    المقدم: لم تكن معروفة عندهم؟

    يعرفونها لكنهم ما يقررونها على الطلاب، ما هي مثل (قطر الندى) مثلاً الذي هو الدرجة الثانية بعد الأجرومية، الذي يتصدر القائمة بعد الأجرومية والقطر ألفية ابن مالك، وهي ألفية من أبدع ما نظم في هذا العلم، ولها شروح كثيرة، شرحها ابن عقيل، كما أشرنا، وشرحها قبله ابن الناظم، ابن ابن مالك، وله استدراكات كثيرة على أبيه، شرحها ابن هشام في أوضح المسالك، وشرحها الأشموني والمكودي وغيره، وشروح كثيرة ، وكل شرح عليه حواشي، حاشية الخضري على ابن عقيل، حاشية السجاعي، كتب كثيرة جداً، ابن هشام أيضاً التصريح على التوضيح، الأشموني حاشية الصبان على الأشموني، والأشموني مع حاشية الصبان من أراد أن يُجود هذا العلم عليه بهذا الكتاب ويضبطه إن كان لديه صبر، وكثير من الإخوان يقولون: هذه كتب مطولة تعوقنا عن تحصيل كثير المقاصد، لكنها في الوقت نفسه تحل كثير من الإشكالات لدى طلاب العلم.

    من الكتب المؤلفة المتينة في النحو (المفصل) للزمخشري، وشروحه كثيرة جداً من أشهرها شرح ابن يعيش؛ لكن هذا كتاب مطول يعنى به المتخصصون في هذا الفن، ولا يمنع من طالب العلم أن يراجعه طالب العلم عند الحاجة.

    من أهم كتب في هذا الفن إذا أراد أن يتدرج ويقرأ الأجرومية ثم القطر ثم الألفية، كتاب سيبويه الذي هو كتاب هذا الفن، وهو ديوان النحو، وإذا أطلق الكتاب انصرف إليه، ويقول بعض أهل العلم: أنه أخذ ثلاثين سنة يفتي من كتاب سيبويه، كيف يفتي من كتاب سيبويه؟ لأنه إذا فهم كتاب سيبويه، صار في مصاف العرب المتقدمين، الذين يفهمون النصوص مباشرة، بهذه يعني وإلا ما يمكن الإنسان أن يفتي ما هي حلال وحرام، تقال مثل هذه الكلمة لا للاعتماد عليها، ولاعتمادها وترك الكتب، لا، إنما لبيان أهمية هذا الكتاب.

    مما ينبغي أن يعنى به طالب العلم (مغني اللبيب عن كتب الأعاريب) لابن هشام، كتاب في غاية الأهمية، وله شروح حاشية الأمير، حاشية الدسوقي، ولو كان معنا وقت حقيقة بسطنا الكلام في هذه الكتب.

    في أيضاً كتاب مهجور اسمه (العوامل للجرجاني) نحو مائة عامل، يحتاجه طالب العلم باستمرار، يعني لو قرأ العوامل بعد الأجرومية وشرحها، لا شك أنه يستفيد فائدة عظيمة، والخلل في التحصيل هو بسبب إهمال بعض هذه الكتب المهمة.

    هناك قواعد للإعراب، وهناك أيضاً كتب لا نلقي لها بالاً اهتماماً بالدراسة النظامية، ثم إذا التفتنا بعد ذلك وجدنا الوقت ما يسعف؛ لكن إذا وفق طالب العلم لعالم يدله على الطريقة التي يحصل بها على الطريقة والجادة المعروفة عند أهل العلم، لا شك أنه يختصر له الوقت اختصار شديد، كما ألمحنا في الحلقة السابقة عن الشيخ عبد القادر بدران بسبب شيخه، وتوجيهه أنه ما احتاج في الطلب إلا ست سنوات، وبعض الناس طلب العلم ستين سنة.

    المقدم: ألاحظ يا شيخ أنك ذكرت أسماء كثيرة كلها من الأعاجم في اللغة.

    بلا شك، أيضاً الصرف من المهمات من أهم كتبه (الشافية) لابن الحاجب شقيق الكافية، ولها شروح كثيرة، الكافية الذي أشرنا إليها لها شروح، ولها طبعات، منتشرة انتشار واسع، من أهم شروحها شرح الرضي على الكافية، وإعراب شواهده في خزانة الأدب للبغدادي أيضاً يحتاجه طالب العلم، خزانة الأدب في ثلاثة عشر جزء مما يحتاج إليه طالب العلم؛ لأن شرح الشواهد إضافة إلى ما يفيده في الباب الأصلي الذي هو النحو يفيده في فنون الأدب الأخرى، الله المستعان، كتب تحتاج إلى علو همة.

    في الشافية لابن الحاجب -شوف إن العلوم مترابطة- في باب (المتصل) من كتب المصطلح (المتصل) قالوا: (المؤتصل) لغة الشافعي، كما أشار إليه ابن الحاجب في شافيته، بحثت عن (المؤتصل) في الشافية ما وجدت، بحثت عن نسخ مطبوعة ومخطوطة وجدت (مؤتعد ومؤتثر) لغة الإمام الشافعي، وهذه في نسخة مخطوطة في المسجد النبوي.

    المقصود أن مثل هذه الكتب لا بد منها، والله المستعان.

    هناك كتب في التصريف لابن جني وغيره؛ ولكن الشافية لابن الحاجب، يعني لو تقول للطلاب: هذه الكلمة من باب نصر، أو من باب ضرب، إيش يعني من باب ضرب من باب نصر؟ كثير من -مع الأسف- الخريجين لا يدرك هذه الأمور، والسبب الغفلة عن هذه العلوم التي طالب العلم بأمس الحاجة إليها.

    المقدم: كان ابن باز -رحمه الله- يكررها كثيراً من باب كذا، من باب كذا.

    العلماء كلهم، الشراح كلهم على هذا؛ لكن إذا أردت أن تراجع كتب اللغة، وأنت لا تعرف الصرف، كيف ترجع الكلمة إلى أصلها؟ إذا أردت أن تبحث عن التقوى مثلاً في القاموس كيف تقف عليها؟ لا بد أن تعرف أن أصل المادة (وقى) يعني من الوقاية.

    المقصود أن هذه الكتب العربية لا تنتهي، من أهم ما يبحث في هذا الفن البلاغة، وفيها كتب عبد القاهر الجرجاني أسرار البلاغة، و(دلائل الإعجاز) من أعظم ما سطر في هذا الفن، لكنه للمنتهي، لا يربى عليه طالب العلم؛ لأنها ليست بمتون، وأيضاً: (الطراز) للعلوي كتاب مهم جداً في هذا الباب يقول في مقدمته -وهو الطراز- يقول في مقدمته: "أن أول من أسس قواعد هذا العلم وأوضح براهينه، وأظهر فوائده، الشيخ النحرير عبد القاهر الجرجاني في كتابيه المذكورين" ولكن العلوي رغم شدة إعجابه بهما بهذين الكتابين لم يقف منهما على شيء؛ لأن الذي يقرأ عنوان الكتاب يظن أنه أودع الكتابين في كتابه (الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز) يظنه اطلع على أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز؛ لكنه يقول: لم يقف على شيء إلا ما نقله العلماء في تعليقاتهم عليهما.

    قد يقول قائل: ما دام هذه الكتب بهذه المثابة لماذا لا يربى عليها طالب العلم؟ نقول: كما قلنا في الفنون الأخرى لا يمكن أن يربى طالب مبتدى على الرسالة للإمام الشافعي، ولا يمكن أن يربى طالب مبتدئ على (المحدث الفاصل) للرامهرمزي، يربى بالمتون التي جعلت مناسبة لمستواه، ثم يترقى، ويحتفل بهذه الكتب إذا تأهل لها.

    سبب تأليف (الطراز) وهو كتاب بالنسبة للمدركين في هذا الباب لا يستغنون عنه، سببه أن بعض الإخوان قرأ عليه في تفسير الكشاف للزمخشري وهو حفيل من مباحث علوم البلاغة عند الزمخشري، رغم أنه معتزلي، يعني يقرأ على حذر، فهذه الكتاب مفيد لارتباطه بإعجاز القرآن.

    من أهم الكتب الذي يربى عليها الطلاب (تلخيص المفتاح) أولاً: المفتاح للسكاكي، ضم فيه أكثر من علم، جاء القزويني هذا وخلص ما يتعلق بعلوم البلاغة، وصار متن معتمد عند أهل العلم ودار الناس في فلكه، فلا يحصى كم شارح؟ وكم محشٍ؟ وطبعات يعني مذهلة لهذا الكتاب.

    للقزويني كتاب آخر جعله كالشرح لـ(التلخيص) أسماه (الإيضاح) وكمله بما خلا عنه (المفتاح) من كلام الشيخ عبد القاهر الجرجاني في كتابيه.

    وكأني بالإخوة الذين لهم عناية في هذا الفن أن يقولوا: أهملت كتاب كذا، وأهملت كتاب كذا يعذرونا؛ لأن الوقت ما يسعف، وإلا الذهن فيه شيء كثير وكبير، ولكن الوقت ما يسعف.

    ولكن عندنا من أهم المهمات كتب اللغة التي يحتاجها كل طالب علم مفسر محدث، فقيه، يحتاج كتب اللغة باستمرار، لا غنية لطالب العلم عن كتب اللغة، وهي إما في متن اللغة، في بيان مفرداتها، أو في فقه اللغة، وكل منهما في غاية الأهمية لطالب العلم؛ لأنك مثلاً..

    المقدم: تمر بك كلمة في الكتاب أو السنة أو غيرها...

    تمر بك كلمة لا بأس؛ لكن قد يمر بك معنى، تريد معنى كلمة تترجم لك هذا المعنى..

    المقدم: مثل (الهرج) لما مر معنا في حديث مثلاً كيف كان خلاف أهل اللغة.

    لا بأس أنا أنت عندك كلمة (الهرج) تراجعها في كتب اللغة جيد؛ لكن أنت عندك معنى من المعاني ولد الغزال إيش يسمى؟ كيف تراجعه في كتب اللغة؟ كتب فقه اللغة تحل هذا الإشكال، اللغة رائد التأليف فيها هو الخليل بن أحمد الفراهيدي، على خلاف طويل جداً في كتابه هل ألفه هو أو لم يؤلفه، أو وضع أركانه وقواعده وزيد عليه، وكلام كثير جداً، وهو كتاب سماه مؤلفه (العين) باعتبار أن (العين) أول الكتب التي في هذا الكتاب، رتبه على حسب مخارج الحروف، فبدأ بحروف الحلق؛ لأنها أبعد المخارج، وبدأ بالصعود تدريجياً حتى تنتهي إلى الشفة هكذا (ع، ح، ه، غ، خ، ق، ك، ج، ش، ض، ص، س) إلى أن وصل إلى الألف آخر شيء، سمى كل حرف كتاب، افتتح المعجم بحرف العين، وسماه كتاب (العين) وهو في هذا مبتكر غير مقلد، وطعن في نسبته إلى الخليل، طعن فيه جمع من المتقدمين والمتأخرين، الرازي في (المحصول) يقول: "أصل الكتب المصنفة في اللغة كتاب (العين) وقد أطبق الجمهور من رجال اللغة على الطعن فيه".

    المسألة وتحقيقها يطول على كل حال؛ لكن يجوز أن الخليل ابتكر الفكرة، ابتدأ الفكرة مثلاً وضع أصل الكتاب، فزيد فيه من بعده؛ لأنه في داخل الكتاب أمور تتشكك في نسبته، وتبعه على تأليفه الأزهري في (تهذيب اللغة) وهذا الكتاب من أولى ما يرجع إليه في بيان الحقائق اللغوية؛ لأنه كتاب متقدم، وابن سيدة في المحكم تبع صاحب العين، وهو من أنفس ما يقتنيه طالب العلم.

    لكن مراجعة هذه الكتب الثلاثة قد تكون متعذرة بالنسبة للمتعلمين؛ لأنهم اعتادوا الترتيب الألف بائي، فيصعب عليهم إلا من خلال الفهارس، من أمهات كتب اللغة (الجمهرة) لابن دريد، مرتب على الحروف، وطعن في ابن دريد من أجله، والكلام كثير جداً.

    (معجم المقاييس) لابن فارس، ويهتم بأصول الكلمات، و(المجمل) له، ومن المهمات أيضاً (الصحاح) للجوهري، وإن شئت فقل: الصِحاح، وإن شئت فقل: الصَحاح، الصِحاح جمع صحيح، والصَحاح مفرد، كيف مفرد؟

    المقدم: والصِحاح هذا جمع صحيح.

    يعني مثل: صحيح وصَحاح مثل: بريء وبراء؛ لأن جمع بريء وبراء: برآء، لكن براء مفرد؛ مثله؛ لكن الصحاح أشهر، الضبط بجمع صحيح أشهر، وهو مرتب على الحروف باعتبار أواخر الكلمات، وهذا الترتيب اعتمده جل من جاء بعد الجوهري، لا سيما الكتب التي انتشرت بعد تأليفها، مثل (لسان العرب) لابن منظور، والفيروز آبادي في (القاموس) اعتمدوا هذا الترتيب باعتبار آخر الكلمة، مثلاً (قرأ) في باب الهمزة في أول الكتاب.

    المقدم: في باب الهمزة فصل القاف.

    نعم؛ لكن لو رتب على أوائل الحروف وجدت هذه الكلمة في حرف القاف، وقد رتبت هذه الكتب على أوائل الحروف، ولا أرى الحاجة داعية إلى ترتيبه؛ لأن المدرك يدرك الحرف الأول ويدرك الحرف الأخير، ولا بد أن يربى الطلاب على شيء من فهم الكتب، والصحاح يعتبر بالنسبة لكتب العربية فتح في جمعه وترتيبه وسهولة تناوله، حتى قال بعضهم: أنه بالنسبة لكتب العربية مثل صحيح البخاري، لم يثبت فيه إلا ما صح عنده؛ لكني يبقى أن الكتاب ليس معصوم صاحبه، فيه أوهام، يعني مثلاً: (قرن المنازل) الذي هو ميقات نسب إليه أويس القرني، خطأ ونبه العلماء، فيه أوهام، وألفت عليه كتب كثيرة جداً، ومختصرات، وحواشي وتعليقات، واستدراكات، وبيان لأوهامه، المقصود أن الكتاب مهم جداً في الباب، وهو يحتوي على ما قيل: على أربعين ألف مادة؛ لكن قد تكون هذه المواد قليلة إذا قلنا: أن القاموس حصر ما فيه بستين ألف مادة، وهو بنصف حجمه، لسان العرب وهو من أوسع كتب اللغة، مطبوع في عشرين مجلداً فيه ثمانين ألف مادة، أما شرح القاموس المسمى تاج العروس للزبيدي بلغت المواد فيه إلى مائة وعشرين ألفاً.

    على كل حال هذه الكتب يحتاجها طالب العلم، ولها طبعات، على كل حال هذه الكتب التي أشرنا إليها كالصحاح والقاموس ولسان العرب وتاج العروس لا بد من اقتنائها، إضافة إلى تهذيب اللغة والمحكم، وينبغي أن نكون على حذر إذا أردنا أن نفسر كلمة من كتاب الله -جل وعلا-، أو من سنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- برجوعنا إلى هذه الكتب، وهي تذكر للكلمة الواحدة معاني كثيرة، كيف ننزل مراد الله -جل وعلا- ومراد رسوله -عليه الصلاة والسلام- على معنى واحد من هذه المعاني، كيف نختار؟ ولذا يقرر أهل العلم أنه لا يجوز أن يتصدى لبيان غريب الكتاب والسنة إلا العالم بهما مع إحاطته باللغة العربية؛ لأن المتخصص في اللغة وهو يشرح كلمة جاءت في سياق حديث قد يُبعد في خضم هذه المعاني التي يريدها أمثال هؤلاء.

    هناك أيضاً كتب فقه اللغة، وهي مهمة جداً، من أهمها (فقه اللغة) للثعالبي، ومن أوسعها وأشملها (المخصِص) لابن سيدة، وبعضهم يقول: (المخصَص) على كل حال المسألة هو مخصِص باعتباره يخصص هذا المعنى الذي تبحث عنه بكلمة، وبعضهم يقول: مخصَص خصص لهذا الفن، والأمر فيه سعة.

    من مؤلفات المعاصرين في الباب (الإفصاح في فقه اللغة)، أيضاً المجامع اللغوية لها دور كبير في إحياء اللغة في هذا العصر، (مجمع القاهرة، مجمع دمشق، مجمع بغداد) كلها لها أثر في اللغة، وبعثتها من جديد، وألفت معاجم تناسب العصر.

    ينبغي لطالب العلم إضافة إلى ما ذكر أن يعنى بكتب الغريب، كتب غريب القرآن كالمفردات للراغب، كتب غريب الحديث كأبي عبيد مثلاً، (غريب الحديث) لأبي عبيد، (الفائق للزمخشري) (النهاية ) لابن الأثير.

    كتب غريب الفقه (المغرب) للمطرزي، يعنى بكتب الحنفية، كتاب (المصباح المنير) للفيومي، هذا كتاب رغم أنه في مجلد واحد لكنه يسعف الفقيه، وكان شيخنا الشيخ صالح البليهي -رحمه الله- يقولها بالعامية ليحبب الكتاب إلى طلابه، هذا كلمة عامية تدور لا بد من ذكرها يعني العوام إذا شافوا شيء يجمع كثير من الأمور.... قالوا: .....، يعني ما شاء الله، فهذا الكتاب من هذا الباب، (المصباح المنير) للفيومي.

    (تهذيب اللغات) ومعه (تهذيب الأسماء) للنووي، هذا كتاب في غاية الأهمية، (المطلِع على أبواب المقنِع) هذه يحتاج إليها الفقهاء؛ لكن ينبغي أن ننبه على شيء مهم، وهو أننا ونحن نريد أن نبين حقيقة شرعية للفظ شرعي، مما يختلف فيه الفقهاء، قد يكون اعتمادنا على هذه الكتب، قد يسوقنا إلى أن نبين نظر الشارع من خلال فقه هذا الرجل؛ لأن المذاهب عموماً الأصلية والفرعية تؤثر على أصحابها شاءوا أم أبوا، فلو نظرنا إلى اختلاف الحنفية مع الجمهور في حقيقة الخمر، ونظرنا في (المغرب) للمطرزي، يبي يسوقنا سياقاً إلى مذهبه، إن نظرنا إلى (المطلع) نفس الشيء، أيضاً (المصباح المنير) و(تهذيب اللغات) كلها أثرت فيها المذاهب، فإما أن نجمع بين كتاب أو بين كتب تجمع هذه المذاهب ولا نعتمد على واحد، فلا بد من الانتباه إلى هذا.

    هناك أيضاً كتب الأدب، وهي كتب كثيرة جداً جداً، ولا يمكن الإحاطة بها، يقول ابن خلدون: "هذا العلم لا موضوع له ينظر في إثبات عوارضه أو نفيها" لا موضوع له علم الأدب، يعني هل تقول مثلاً: ترتيب العقد الفريد مشى على أبواب وترتيب معين مثل ما مشى عليه (الأغاني) أو....؟ لا، ما يمكن، كل حسب ما يعن له، يرتب على كيفه، يقول: "هذا العلم لا موضوع له ينظر في إثبات عوارضه أو نفيه، وإنما المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته، وهي الإجازة في فني المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم، فيجمعون لذلك من كلام العرب ما عساه تحصل به الكلمة من شعر عالي الطبقة، وسجع متساوٍ في الإجادة، ومسائل من اللغة والنحو المبثوثة، أثناء ذلك... إلى أن قال: "وأركانه أربعة دواوين هي: (أدب الكاتب) هو قال: (الكُتاب) لابن قتيبة، وهذا كتاب نفيس لا يستغنى عنه، وكتاب (الكامل) للمبرد -أدب الكاتب لابن قتيبة طبع مراراً، طبعه الشيخ محي الدين عبد الحميد، وطبعه أيضاً محب الدين الخطيب، وطبع على هوامش كتب كثيرة، طبعت قديماً من غير عناية؛ لكن طبعة الشيخ محب الدين الخطيب جيدة، أيضاً طبعة الدالي طبعة محققة، وهي متأخرة، وكتاب (الكامل) للمبرد، طبع مراراً، ومن أنفس طبعاته الطبعة التي شارك في إخراجها الشيخ أحمد شاكر، مطبعة الحلبي.

    كتاب (البيان والتبيين) للجاحظ، كتاب (النوادر) لأبي علي القالي، يعني النوادر، ومعه (الأمالي) وذيوله و(التنبيه) وما سوى هذه الأربع فتبع لها وفروع عنها".

    من أشهر كتب الفن: (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني، (العقد الفريد) لابن عبد ربه، هذه الكتب لا شك أن فيها شيء من المتعة؛ لكنها مع ذلك تحوي من سقط القول، وسفاسف الأمور، وغرائب الأخبار التي ينبغي أن يترفع عنها طالب العلم الشيء الكثير؛ لكن اقتناءها والإطلاع عليها مع التحفظ الشديد، وهي موجودة في مكتبات شيوخنا قاطبة، يعني لا يقال: إن اقتناءها باعتبار ما اشتملت عليه مخل بالدين أو المروءة، لا، لكن ينبغي أن يكون الإنسان منها على حذر، وهي تجمع الغث والسمين، يعني لو قلنا: أن الأغاني مثلاً لا يلتفت إليها طالب العلم، هل تعلم أن الحافظ ابن حجر عرف كلمة في الجرح، وأنها تدل على جرح الراوي من خلال كتاب الأغاني؟ (بين يدي عدل) أطلقها أبو حاتم في حق جبارة بن المغلس، الحافظ العراقي يظن أنها تعديل للرجل، الحافظ ابن حجر يقول: "وقفت في قصة في كتاب الأغاني للقائد طاهر، وهو على مأدبة مع بعض أولاد الرشيد، مأدبة يأكلون، فجاء أحد أولاده ليمازح طاهر، فأخذ هنثبات، يكون مثلاً قرع وإلا كوسة وإلا شيء هنثبات، فرمى بها وجه طاهر، وطاهر أعور، فضرب بها العين السليمة، فاشتكاه إلى أبيه، وقال: ابنك يفعل هذا في عيني كذا، والأخرى بين يدي عدل، يعني تالفة، إذاً (بين يدي عدل) تالف، ثم تتبعوا هذا الأمر، الآن مسكوا بطرف الخيط، تتبعوا السبب، وقالوا: إن العدل ابن سعد العشيرة، كان على شرطة تبع، وكان إذا سلمه شخص قال: خذه يا عدل، معناه: اقتله، فقالوا: (بين يدي العدل) يعني تالف.

    (العقد الفريد) كتاب لطيف ونفيس، وفيه درر وفوائد.

    (زهر الآداب) للحصري مع أنه أمتع هذه الكتب وأسلمها من السقط، رغم أن المحقق انتقد ابن الحصري في تركه لهذا الجانب، يقول: "أهمل جانب مهم من جوانب الأدب، وهو المجون" لكن من وجهة نظره؛ لأنه هو ماجن، ويقول: "إن إغفال هذا الجانب يفقد الحياة حيويتها" لكن هذا من وجهة نظره، وهو رجل معروف، والله المستعان.

    ولكن مما ينبغي الاهتمام به والعناية به في هذا الباب كتب الآداب الشرعية، أهم من هذه الكتب لكن هذه الكتب فيها فوائد؛ لكن كتب الآداب الشرعية مثل: (الآداب الشرعية) لابن مفلح، أو (منظومة الآداب) لابن عبد القوي، وشرحها للسفاريني، أهم من الكتب التي ذكرناها؛ لكن يبقى أن تلك لها فوائد، وينبغي أن يعنى بها طالب العلم، هناك موسوعات ورحلات وذكريات طويلة صعب أن نأخذها الآن.

    إذاً نتركها لمناسبة أخرى، وجزاك الله خير، شكر الله لكم فضيلة الدكتور على ما بينتم على أن يكون هناك للمستمعين الكرام بإخراجها إما مكتوبة أو مسموعة أكثر تفصيلاً يستفيد منها طالب العلم, فأشكر لكم فضيلة الدكتور, وأسأل الله تعالى أن يجزيكم عنا خيراً.
    إن شئتم أن يتجسّد العلم ،لا بُد من العقيدة فالتوحيد عليه مدار الحياة .{ أَصْلُهَا ثَابِتٌ } [لا إله إلاّ الله ثابتة في القلب ]والقلب محلّ العقيدة { وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء{24} تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا }معنى هذا الجانب العملي أي امتدّت عروق التوحيد في كل أماكن ونواحي القلب وتمكنت منه فلم تبق مكانا لمن يعيش معها من غير ذلك [أي ممّا يفسد القلب]

    [السبيل إلى العمـــل بالعلمـ : لشيخنا العيد شريفي ]

    www.forums.el-houda.org/

    http://www.salafie.net/vb/

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. دليل طالب العلم إلى أهم المتون العلمية وشروحها الصوتية - منقول
    بواسطة ابن الوادي في المنتدى خزانة الكتب والمخطوطات
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 02-03-2012, 07:26 PM
  2. طالب العلم - ووقته الثمين "
    بواسطة زاهر في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 03-07-2010, 07:35 AM
  3. كيف تُقيد الفوائد أثناء القراءة ؟ مهم لكل طالب علم !!!
    بواسطة أبو عبد الرحمن فواز في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 02-02-2009, 12:56 PM
  4. تفضل يا طالب العلم
    بواسطة عمربن محمدالبومرداسي في المنتدى - منتدى القرآن الكريم وعلومه
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 09-01-2008, 01:35 PM
  5. العثيمين ورسالة إلى الغلاة أنظرو كيف يتكلم أهل العلم
    بواسطة أبو الحسام في المنتدى منتدى الاعتدال والوسطية في القضايا المنهجية والدعوية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 07-29-2008, 02:09 PM

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •