السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم

هذه مجموعة من الابحاث أنقلها للاخوة الكرام رجاء النفع
والله المستعان


منهج الإمام أبي داود في سننه

1ً- ترجمة الإمام أبي داود:
نسبه ومولده:
هو الإمام أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني، محدث البصرة.
ولد سنة اثنتين ومئتين، ورحل، وجمع، وصنف، وبرع في هذا الشأن.
قال أبو عبيد الآجري: سمعته يقول: ولدت سنة اثنتين، وصليت على عفان سنة عشرين، ودخلت البصرة وهم يقولون: أمس مات عثمان بن الهيثم المؤذن، فسمعت من أبي عمر الضرير مجلسا واحدا.
قلت: مات في شعبان من سنة عشرين، ومات عثمان قبله بشهر،
طلبه للعلم وشيوخه:
حرص الإمام أبو داود على طلب العلم والرحلة في سبيل تحصيله في سن مبكر من حياته، فقد رحل إلى بغداد سنة 220هـ، وكان عمره آنذاك ثمانية عشر عاما، ورحل إلى الشام سنة222هـ، لذا فإنه حظي بعلو الإسناد؛ فهو يفوق الإمام مسلم في علو الإسناد، بل إنه يشارك البخاري في جماعة من شيوخه لم يشاركه في الرواية عنهم غيره.
تلقى العلم عن كثير من العلماء منهم: أحمد بن حنبل، وقد لازمه ملازمة شديدة؛ حتى إنه يعد من كبار أصحاب الإمام أحمد، وسننه مرتبة على طريقة الحنابلة في كتبهم الفقهية، وله سؤالات للإمام أحمد في الجرح والتعديل وفي الفقه وكلاهما مطبوع، وسمع من علي بن المديني، ويحيى بن معين ومحمد بن بشار، وسمع بمكة من القعنبي، وسليمان بن حرب، وسمع من: مسلم بن إبراهيم، وعبد الله بن رجاء، وأبي الوليد الطيالسي، وموسى بن إسماعيل، وطبقتهم بالبصرة،...
وسكن البصرة، فنشر بها العلم، وكان يتردد إلى بغداد.
قال الحاكم: سليمان بن الأشعث السجستاني مولده بسجستان، وله ولسلفه إلى الآن بها عقد وأملاك وأوقاف، خرج منها في طلب الحديث إلى البصرة، فسكنها، وأكثر بها السماع عن سليمان بن حرب، وأبي النعمان وأبي الوليد، ثم دخل إلى الشام ومصر، وانصرف إلى العراق، ثم رحل بابنه أبي بكر إلى بقية المشايخ، وجاء إلى نيسابور، فسمع ابنه من إسحاق بن منصور، ثم خرج إلى سجستان.
وطالع بها أسبابه، وانصرف إلى البصرة واستوطنها.
تلامذته والرواة عنه:
حدث عنه: أبو عيسى الترمذي في " جامعه "، والنسائي، فيما قيل، وإبراهيم بن حمدان العاقولي، وأبو الطيب أحمد بن إبراهيم بن الاشناني البغدادي، نزيل الرحبة، راوي " السنن " عنه، و... وابنه أبو بكر بن أبي داود، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وعبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي،.. وأبو بشر الدولابي الحافظ، وأبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي راوي " السنن "، وابن داسة وغيرهم كثير.
ثناء العلماء عليه:
قال أبو بكر الخلال: أبو داود الإمام المقدم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، وبصره بمواضعه أحد في زمانه، رجل ورع مقدم، سمع منه أحمد بن حنبل حديثا واحدا، كان أبو داود يذكره...
وقال أحمد بن محمد بن ياسين: كان أبو داود أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله  وعلمه وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف، والصلاح والورع، من فرسان الحديث..
وقال الحافظ موسى بن هارون: خلق أبو داود في الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنة.
وقال علان بن عبد الصمد: سمعت أبا داود، وكان من فرسان الحديث.
قال أبو حاتم بن حبان: أبو داود أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وحفظا، ونسكا وورعا وإتقانا جمع وصنف وذب عن السنن.
قال الحافظ أبو عبد الله بن مندة: الذين خرجوا وميزوا الثابت من المعلول، والخطأ من الصواب أربعة: البخاري، ومسلم، ثم أبو داود، والنسائي.
وقال أبو عبد الله الحاكم: أبو داود إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة، سمع بمصر والحجاز، والشام والعراقين وخراسان
قلت - أي الذهبي -: كان أبو داود مع إمامته في الحديث وفنونه من كبار الفقهاء، فكتابه يدل على ذلك، وهو من نجباء أصحاب الإمام أحمد، لازم مجلسه مدة، وسأله عن دقاق المسائل في الفروع والأصول.
وكان على مذهب السلف في اتباع السنة والتسليم لها، وترك الخوض في مضائق الكلام.
روى الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: كان عبد الله بن مسعود يشبه بالنبي  في هديه ودله.
وكان علقمة يشبه بعبد الله في ذلك.
قال جرير بن عبدالحميد: وكان إبراهيم النخعي يشبه بعلقمة في ذلك، وكان منصور يشبه بإبراهيم.
وقيل: كان سفيان الثوري يشبه بمنصور، وكان وكيع يشبه بسفيان، وكان أحمد يشبه بوكيع، وكان أبو داود يشبه بأحمد.
وفاته:
قال أبو عبيد الآجري: توفي أبو داود في سادس عشر شوال، سنة خمس وسبعين ومئتين.

مصادر الترجمة: الجرح والتعديل: 4 / 101 - 102، تاريخ بغداد: 9 / 55 - 59، طبقات الحنابلة: 1 / 159 - 162، تاريخ ابن عساكر: خ: 7 / 271 ب - 274 ب، المنتظم: 5 / 97 - 98، وفيات الاعيان: 2 / 404 - 405، تذكرة الحفاظ: 2 / 591 - 593، عبر المؤلف: 2 / 54 - 55، طبقات السبكي: 2 / 293 - 296، البداية والنهاية: 11 / 54 - 56، تهذيب التهذيب: 4 / 169 - 173، طبقات الحفاظ: 261 - 262، طبقات المفسرين: 1 / 201 - 202، شذرات الذهب: 2 / 167 - 168
2ً- كتاب السنن:
اسم الكتاب:
اسم الكتاب على ما سماه به مؤلفه في رسالته إلى أهل مكة: السنن. ولا أعلم تسمية أخرى للكتاب غير السنن
عدد أحاديث الكتاب:
قال أبو بكر بن داسة: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله خمس مئة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب - يعني كتاب " السنن " - جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثماني مئة حديث ، ذكرت الصحيح، وما يشبهه ويقاربه، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث...
وقال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة: ولعل عدد الذي في كتابي من الأحاديث قدر أربعة آلاف وثمان مئة حديث، ونحو ست مئة حديث من المراسيل.
موضوع الكتاب:
أراد رحمه الله لهذا الكتاب أن يكون جامعا لأحاديث الأحكام، فقد قال في رسالته إلى أهل مكة: ولم أصنف في " كتاب السنن" إلا الأحكام، ولم أصنف كتب الزهد وفضائل الأعمال وغيرها، فهذه الأربعة آلاف والثمانمئة، كلها في الأحكام(1).
أشهر رواة السنن عن أبي داود:
رواية اللؤلؤي، ورواية ابن داسة ورواية ابن الأعرابي ورواية ابن العبد ورواية الأُشناني ورواية ابن الصريع ورواية الجلودي، وغيرهم. والمشهور من هذه الروايات رواية اللؤلؤي ورواية ابن داسة، ورواية اللؤلؤي هي المقدمة عند علماء المشرق، وسبب ذلك أن اللؤلؤي أطال ملازمة أبي داود، وكان هو الذي يقرأ السنن حينما يعرض أبو داود كتابه السنن على طلبة العلم إلى أن توفي أبو داود.
أما رواية ابن داسة فإنها مشتهرة في بلاد المغرب أكثر من شهرتها في بلاد المشرق، وسبب تقديمهم لها أنها أكثر أحاديثا من رواية اللؤلؤي فهي أكمل من رواية اللؤلؤي - حسب رأيهم - ، لكن في الحقيقة أن الزيادات التي في رواية ابن داسة حذفها أبو داود في آخر حياته لشيء كان يريده في إسنادها، ذكر ذلك أبو عمر الهاشمي الراوي للسنن عن اللؤلؤي، والله أعلم.
قيمة الكتاب العلمية وثناء العلماء عليه:
قال أبو بكر محمد بن إسحاق الصاغاني، وإبراهيم الحربي: لما صنف أبو داود كتاب " السنن " ألين لأبي داود الحديث، كما ألين لداود عليه السلام الحديد.
قال الحاكم: سمعت الزبير بن عبد الله بن موسى، سمعت محمد بن مخلد يقول: كان أبو داود يفي بمذاكرة مئة ألف حديث، ولما صنف كتاب " السنن "، وقرأه على الناس، صار كتابه لأصحاب الحديث كالمصحف، يتبعونه ولا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
•(1) قال محقق الكتاب عبد الفتاح أبو غدة: بل في كتاب " السنن" بعض أبواب لا تتعلق أصالة بالأحكام نحو (الحروف والقراءات) و(الملاحم) و(السنة) وغيرها.
يخالفونه، وأقر له أهل زمانه بالحفظ والتقدم فيه.
قال الحافظ زكريا الساجي: كتاب الله أصل الإسلام، وكتاب أبي داود عهد الإسلام.
قال الخطيب أبو بكر: يقال: إنه صنف كتابه " السنن " قديما، وعرضه على أحمد بن حنبل، فاستجاده، واستحسنه.
ونقل أبو علي الغساني عن أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد قوله عن سنن أبي داود: إنه خير كتاب ألف في السنن بالأسانيد.(بذل المجهود في ختم سنن أبي داود)
وقال السخاوي في ختمه على أبي داود بعد أن تحدث عن مهجه: ولذلك كله صار الكتاب حكماً بين أهل الإسلام، وفصلاً في موارد النزاع والخصام، فإليه يتحاكم المنصفون وبحكمه يرضى المحققون. بل كان جماعة من فقهاء المذاهب يحفظونه ويعتمدون مُحصَّله ومضمونه...
شرطه:
قال الإمام أبو داود في رسالته لأهل مكة: .. فإنكم سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في " كتاب السنن"، أهي أصحُّ ما عرفتُ في الباب؟ ووقفت على جميع ما ذكرتم. فاعلموا أنه كذلك كله، إلا أن يكون قد روي من وجهين صحيحين، فأحدهما أقدمُ إسناداً، والآخر صاحبه أقومُ في الحفظ، فربما كتبت ذلك، ولا أرى في كتابي من هذا عشرةَ أحاديث... وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى.. فإذا لم يكن مسندٌ ضد المراسيل، ولم يوجد المسند، فالمرسل يُحتجُّ به وليس هو مثل المتصل في القوة. وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء، وإذا كان فيه حديثٌ منكرٌ بينت أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيره... وقد ألفته نسقاً على ما وقع عندي، فإن ذُكر لك عن النبي  سنةٌ ليس مما خرجته، فاعلم أنه حديثٌ واه، إلا أن يكون في كتابي من طريقٍ آخر(1)، فإني لم أخرج الطرق، لأنه يكثر على المتعلم... وما كان في كتابي من حديثٍ فيه وهنٌ شديد فقد بينته(2)، ومنه ما لا يصح سنده، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح(3)، وبعضها أصح من بعض...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
•(1) هذا الحصر منه رحمه الله ليس بجيد، فإنه لم يستوعب جميع الأحاديث الصحيحة
•(2) قال الذهبي معلقا على كلام أبي داود: قلت: فقد وفى - رحمه الله - بذلك بحسب اجتهاده، وبين ما ضعفه
شديد، ووهنه غير محتمل، وكاسر - أي غضَّ - عن ما ضعفه خفيف محتمل، فلا يلزم من سكوته - والحالة هذه - عن الحديث أن يكون حسنا عنده، ولا سيما إذا حكمنا على حد الحسن باصطلاحنا المولد الحادث، الذي هو في عرف السلف يعود إلى قسم من أقسام الصحيح، الذي يجب العمل به عند جمهور العلماء، أو الذي يرغب عنه أبو عبد الله البخاري، ويمشيه مسلم، وبالعكس، فهو داخل في أداني مراتب الصحة، فإنه لو انحط عن ذلك لخرج عن الاحتجاج، ولبقي متجاذبا بين الضعف والحسن، فكتاب أبي داود أعلى ما فيه من الثابت ما أخرجه الشيخان، وذلك نحو من شطر الكتاب، ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين، ورغب عنه الآخر، ثم يليه ما رغبا عنه، وكان إسناده جيدا، سالما من علة وشذوذ، ثم يليه ما كان إسناده صالحا، وقبله العلماء لمجيئه من وجهين لينين فصاعدا، يعضد كل إسناد منهما الآخر، ثم يليه ما ضعف إسناده لنقص حفظ راويه.
فمثل هذا يمشيه أبو داود، ويسكت عنه غالبا، ثم يليه ما كان بين الضعف من جهة راويه، فهذا لا يسكت عنه، بل يوهنه غالبا، وقد يسكت عنه بحسب شهرته ونكارته، والله أعلم.
قال ابن حجر في النكت: وفي قول أبي داود:"وما كان فيه وهنٌ شديد بينته" ما يفهم أن الذي يكون فيه وهنٌ غير شديد أنه لا يبينه.
•(3) مسألة ما سكت عنه أبو داود ستأتي لا حقاً.

قال صديق حسن خان في الحطة بعد نقله كلام أبي داود: واشتمل هذا الكلام على خمسة أنواع:
الأول: الصحيح، ويجوز أن يريد به الصحيح لذاته.
والثاني: شبهه، ويمكن أن يريد به الصحيح لغيره.
والثالث: ما يقاربه، ويحتمل أن يريد به الحسن لذاته.
والرابع: الذي فيه وهنٌ شديد.
وقوله: ما لا، يفهم منه الذي فيه وهنٌ ليس بشديد فهو قسم خامس.
فإن لم يعتضد كان صالحاً للاعتبار فقط، وإن اعتضد صار حسناً لغيره، أي للهيئة المجموعة للاحتجاج وكان قسماً سادساً. انتهى من حاشية البقاعي على شرح الألفية.
قال الإمام ابن طاهر المقدسي في "شروط الأئمة الستة"(ص88): وأما أبو داود فمن بعده فإن كتبهم تنقسم على ثلاثة أقسام:
•1- القسم الأول: صحيح؛ وهو الجنس المخرج في هذين الكتابين للبخاري ومسلم، فإن أكثر ما في هذه الكتب مخرج في هذين الكتابين، والكلام عليه كالكلام على الصحيحين فيما اتفقا عليه واختلفا فيه.
•2- والقسم الثاني: صحيح على شرطهم، حكى أبو عبد الله بن منده أن شرط أبي داود والنسائي: (إخراج
أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم، إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال)، ويكون هذا القسم من الصحيح...
قلت: قال الحافظ ابن حجر: المراد إجماعاً خاصاً، وذلك أن كل طبقة لا تخلو من متشدد ومتوسط ..فإذا أجمع أصحاب الطبقة الواحدة على ترك رجل ٍ تركاه، وإن اختلفوا فيه خرجا حديثه.
•3- والقسم الثالث: أحاديث أخرجوها للضدية في الباب المتقدم، وأوردوها لا قطعاً منهم بصحتها، وربما أبان المخرِّج لها عن علتها بما يفهمه أهل المعرفة. فإن قيل: لم أودعوها كتبهم ولم تصح عندهم؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: رواية قومٍ لها واحتجاجهم بها، فأوردوها وبينوا سقمها لتزول الشبه.
والثاني: أنهم لم يشترطوا ما ترجمه البخاري ومسلم على ظهر كتابيهما من التسمية بالصحة، فإن البخاري قال: ما أخرجت في كتابي إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول. ومسلم قال: ليس كل حديث صحيح أودعته هذا الكتاب، وإنما أخرجت ما أجمعوا عليه. ومن بعدهم لم يقولوا ذلك، فإنهم كانوا يخرجون الشيء وضدَّه.
والثالث: أن يقال لقائل هذا الكلام: رأينا الفقهاء وسائر العلماء يوردون أدلة الخصم في كتبهم، مع علمهم أن ذلك ليس بدليل، فكان فعلهما - يعني أبا داود والنسائي- هذا كفعل الفقهاء، والله أعلم.
وقال الحازمي في "شروط الأئمة الخمسة "(ص150) بعد أن ذكر مذهب من يخرج الصحيح: .. وهذا باب فيه غموض، وطريقه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل ومراتب مداركهم. ولنوضح ذلك بمثال، وهو أن تعلم أن أصحاب الزهري مثلا على طبقات خمس، ولكل طبقة منها مزية على التي تليها وتفاوت. فمن كان في الطبقة الأولى فهو الغاية في الصحة، وهو غاية مقصد البخاري والطبقة الثانية شاركت الأولى في العدالة، غير أن الأولى جمعت بين الحفظ والإتقان وبين طول الملازمة للزهري، حتى كان فيهم من يُزامله في السفر ويُلازمه في الحضر، والطبقة الثانية لم تلازم الزهري إلا مدة يسيرة فلم تمارس حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى، وهم شرط مسلم. والطبقة الثالثة: جماعة لزموا الزهري مثل أهل الطبقة الأولى، غير أنهم لم يسلموا من غوائل الجرح، فهم بين الرد والقبول، وهو شرط أبي داود والنسائي.
وقال أيضاً في(ص167): وأما أبو داود ومن بعده فهم متقاربون في شروطهم، فلنقتصر على حكاية قول واحد منهم، والباقون مثله، .. ثم ذكر كلام أبي داود في رسالته إلى أهل مكة، ثم قال: وقد روِّينا عن أبي بكر بن داسه أنه قال: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله  خمس مئة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمَّنت هذا الكتاب، جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمان مئة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه. وذكر تمام الكلام.
قال أبو عبيد الآجري: وكان أبو داود لا يحدث عن ابن الحماني، ولا عن سويد، ولا عن ابن كاسب، ولا عن محمد بن حميد، ولا عن سفيان ابن وكيع.
منهجه:
قد أبان أبو داود رحمه الله عن منهجه في كتابه"السنن"، في رسالته إلى أهل مكة، ويمكن أن يلخص منهجه في النقاط التالية:
•1- يخرج أصح ما عرف.
•2- يخرج الإسناد العالي وإن كان ضعيفا، ويترك الأصح لنزوله.
•3- لم يورد في الباب إلا حديثا أو حديثين، طلباً للاختصار وقرب المنفعة.
•4- لا يعيد الحديث إلا إذا كان فيه زيادة كلمة أو نحوها.
•5- قد يختصر الحديث الطويل، لأنه لو كتبه بطوله لم يعلم من سمعه المراد منه، ولا يفهم موضع الفقه منه.
•6- إذا لم يجد حديثاً مسنداً متصلاً في الباب فإنه يحتج بالمرسل( قال: وليس هو مثل المتصل في القوة)
•7- لا يخرّج عن المتروك (المجمع على تركه).
•8- يبين الحديث المنكر ويورده إذا لم يجد في الباب غيره.
•9- ألفه على نسق واحد حسب ما اقتضاه نظره.
•10- ما كان في كتابه من حديث فيه وهنٌ شديد فقد بينه.
•11- ما سكت عنه فهو صالح، وبعضه أصح من بعض.
قلت: ومما يمكن أن نضيفه مما ذكره السخاوي في "بذل المجهود في ختم سنن أبي داود" مع بعض الإضافات التي أضفتها:
•1- أنه يورد الأحاديث على أحسن ترتيب وأبدع نظام، وقد أشبه صنيعه صنيع الإمام مسلم في الحرص على تمييز ألفاظ الشيوخ في الصيغ والأنساب، فضلاً عن ألفاظ المتون التي هي المقصود الأهم.
•2- إذا روى عن الحارث بن مسكين يقول: قرئ عليه وأنا شاهد؛ لكونه لم يقصده بالإسماع.(رقم3288مثلا)
•3- وإذا سمع من شيخٍ حديثاً وفاتته منه كلمة أو نحوها، كابن في الإسناد نبه على ذلك، وأن بعض أصحابه أفهمه إياها عن ذلك الشيخ.
•4- ونحوه إذا سمع الحديث من شيخين له وكان له عن أحدهما أضبط، نبه عليه في أمثلة لذلك من هذا النمط.
وقد شابه البخاري في إيضاح بعض غريب الألفاظ، كقوله: سمعت أحمد بن شبويه، يقول: قال النضر بن شميل: إنما يسمى الإهاب ما لم يدبغ، فإذا دبغ يقال: شنُّ أو قِربة.(رقم4128)، وكوله في بناء عثمان المسجد النبوي بالقَصَّة عي الجبس.(رقم451)، وفي الاستحداد: هو حلق العانة (رقم4201) قلت: ومثال آخر: قوله عقب حديث: " فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلا العشر... " قال أبو داود: (البعل ما شرب بعروقه ولم يتعن في سقيه وقال قتادة: البعل من النخل مران.)
•5- وقد يذكر أقوال السلف في المسألة وينسبها إلى أصحابها، كقوله في المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها: وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب وعطاء ومكحول وإبراهيم وسالم والقاسم.(رقم281)
•6- يسمي الرواة المشهورين بالكنى، ويكني المشهورين بأسمائهم، ويعين المهمل والمبهم مثاله: قوله عقب حديث:" سيأتيكم ركيب مبغضون فإذا جاءوكم فرحبوا بهم..."الحديث. قال أبو داود: أبو الغصن: هو ثابت بن قيس بن غصن. وكذا قوله في أبي الحسن - شيخٍ لشعبة- : هو مهاجر(رقم401)، وقوله في سليمان: يعني ابن موسى (رقم4564)
•7- وربما يورد الحديث معلقاً، كقوله: قال عمر رضي الله عنه:"حصير البيت خيرٌ من امرأةٍ لا تلد"(رقم3922).
•8- يذكر بعض الفوائد التي تتعلق بالأحاديث، مثاله: لما نقل في باب بئر بضاعة عن شيخه قتيبة بن سعيد أنه قال له: سألت قيِّم بئر بضاعة عن عمقها، قال: أكثر ما يكون الماء فيها إلى العانة، فإذا نقص فدون العورة، قال عقبه: وقدَّرت أنا بئر بضاعة بردائي مددته عليه ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي باب البستان وأدخلني إليه: هل غُيِّر بناؤها عما كانت عليه؟ قال: لا، ورأيت فيها ماءاً متغير اللون.
قلت: ومما يمكن أن نضيفه مما لم يذكره أبو داود ولا السخاوي:
•1- أنه يبين علة الحديث إن وجدت، وينبه على الانقطاع ونحوه، مثاله: قال في كتاب الزكاة: حدثنا أيوب بن محمد الرقي ثنا محمد بن عبيد ثنا إدريس بن يزيد الأودي عن عمرو بن مرة الجملي عن أبي البختري الطائي عن أبي سعيد الخدري يرفعه إلى  قال: " ليس فيما دون خمسة أوسق زكاة " والوسق ستون مختوما، قال أبو داود: أبو البختري لم يسمع من أبي سعيد. وكذا ما قاله عقب (حديث 1604): قال أبو داود: وسعيد لم يسمع من عتاب شيئا.
•2- ينبه أحياناً على المحفوظ والشاذ، مثاله: (حديث1612) حدثنا يحيى بن محمد بن السكن ثنا محمد بن جهضم ثنا إسماعيل بن جعفر عن عمر بن نافع عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال: فرض رسول الله  زكاة الفطر صاعا فذكر بمعنى مالك زاد والصغير والكبير وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، قال أبو داود: رواه عبد الله العمري عن نافع بإسناده قال: على كل مسلم ورواه سعيد الجمحي عن عبيد الله عن نافع قال فيه من المسلمين والمشهور عن عبيد الله ليس فيه " من المسلمين " ومثاله أيضاً ما قاله عقب (حديث1616): حديث أبي سعيد الخدري قال: كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله  زكاة الفطر عن كل صغير وكبير حر أو مملوك صاعا من طعام أوصاعا من أقط أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من زبيب... الحديث. قال أبو داود رواه ابن علية وعبدة بن سليمان وغيرهما عن ابن إسحاق عن عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام عن عياض عن أبي سعيد بمعناه وذكر رجل واحد فيه عن ابن علية " أو صاعا من حنطة " وليس بمحفوظ .
•3- أحيانا يذكر بعض العجائب التي يراها فيما يتعلق ببعض الأحاديث، مثال ذلك ما ذكره في كتاب الزكاة: باب صدقة الزرع (حديث1599): قال أبو داود: (شبرت قثاءة بمصر ثلاثة عشر شبرا، ورأيت أترجة على بعير بقطعتين قطعت وصيرت على مثل عدلين.)
ما سكت عنه أبو داود:
خلاصة كلام العلماء في المسألة: هل يعني صالح للاحتجاج أو صالح للاعتبار؟
هناك طائفة من العلماء يرون أنه صالح للاحتجاج، ولذلك فإنهم يوردون حديثا سكت عنه أبو داود في سننه يقولون: هذا حديث أقل أحواله أنه حسن، لأن أبا داود سكت عنه، ونحو ذلك من العبارات، مثاله: قال الإمام الزركشي في" المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر"(ص57) عن حديث ]لا تجتمع أمتي على ضلالة[: سكت عنه أبو داود فهو حجة عنده.
وهناك طائفة يرون أن ما سكت عنه فهو صالح للاعتبار، ومثال ذلك: قال الذهبي في الميزان في ترجمة إبراهيم بن سعيد المدني: له حديثٌ واحد في الإحرام، أخرجه أبو داود وسكت عنه، فهو مقارب الحال.(ومقارب الحال من أدنى درجات التعديل )
وقد بين ابن حجر أن ما سكت عنه أبو داود على أقسام، فقال في النكت(1/435): ومن هنا يتبين أن جميع ما سكت عليه أبو داود لا يكون من قبيل الحسن الاصطلاحي. بل هو على أقسام:
•1- منه ما هو في الصحيحين أو على شرط الصحة.
•2- ومنه ما هو من قبيل الحسن لذاته.
•3- ومنه ما هو من قبيل الحسن إذا اعتضد. (الحسن لغيره)
•4- ومنه ما هو ضعيف، لكنه من رواية من لم يجمع على تركه غالباً.
وكل هذه الأقسام عنده - يعي أبا داود- تصلح للاحتجاج بها. كما نقل ابن منده عنه أنه يخرج الحديث الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره وأنه أقوى عنده من رأي الرجال. وكذا قال ابن عبد البر: " كل ما سكت عليه أبو داود فهو صحيح عنده لا سيما إن لم يذكر في الباب غيره".
تنبيه: الأحاديث التي سكت عنها أبو داود وفيها ضعف شديد قليلة جدا.
تنبيه آخر: قال السخاوي في بذل المجهود بعد أن ذكر روايات السنن والاختلاف بينها: وحينئذٍ فينبغي التوقف في نسبة السكوت إليه إلا بعد الوقوف على جميعها، كما أنه لا ينسب للترمذي القول بالتحسين أو التصحيح أو نحو ذلك، إلا بعد مراجعة عدة أصول لاختلاف النسخ في ذلك،
الكتب التي اعتنت بسنن أبي داود:
1ً- الشروح:
•1- معالم السنن لأبي سليمان حمد الخطابي.
•2- مختصر سنن أبي داود لعبد العظيم بن عبد القوي المنذري.
•3- تهذيب السنن لشمس الدين ابن قيم الجوزية.( وثلاثتها مطبوعة بتحقيق: أحمد شاكر ومحمد حامد فقي)
•4- وشرح النووي قطعة منه.
•5- وكذا شرح قطعة منه علاء الدين مغلطاي.
•6- وشرح جزءاً منه ولي الدين العراقي (كشف الظنون 1/1005).
•7- وشرح زوائده على الصحيحين سراج الدين ابن الملقن.
•8- عون المعبود شرح سنن أبي داود، لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي.
•9- وللآبادي أيضاً: غاية المقصود في حل سنن أبي داود، وهو أصل الكتاب المتقدم في مجلد واحد (توقف عنه خشية الإطالة ثم كتب عون المعبود).
•10- بذل المجهود في حل أبي داود، لخليل أحمد السهارنفوري.
2ً- المستخرجات: عمل عليه مستخرجا:
•1- محمد بن عبد الملك بن أيمن الأندلسي.
•2- أبو بكر أحمد بن علي بن إبراهيم الأصبهاني.
•3- قاسم بن أصبغ القرطبي.
3ً- ترجم لرجاله:
•1- أبو علي الجياني ( على ما ذكره السخاوي).
•2- محمد بن طاهر المقدسي في كتابه" مشايخ أبي داود".
•3- محمد بن إسماعيل الأزدي ابن خلفون في كتابه "شيوخ أبي داود" (ذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب1/61).
•4- أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر في كتابه"المعجم المشتمل على ذكر أسماء شيوخ الأئمة النبل"
•5- أبو محمد بن عبد الغني المقدسي في كتابه" الكمال في أسماء الرجال"
•6- أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي في " تهذيب الكمال في أسماء الرجال"
4ً- خرج أحاديثه:
خرج أحاديثه تخريجاً موسعاً الشيخ الألباني في كتابه "صحيح سنن أبي داود وضعيف سنن أبي داود" - لكنه لم يكمله-، وحكم على أحاديثه أحكاماً مختصرة في كتابيه المختصرين: "صحيح سنن أبي داود" و"ضعيف سنن أبي داود"
5ً- من الدراسات حول سنن أبي داود:
•1- أبو داود وجهوده في الحديث، رسالة لـ عبد الوهاب السامرائي.
•2- ما سكت عنه أبو داود، لـ عبد الحميد أزهر الهندي.
•3- ما سكت عنه أبو داود مما في إسناده ضعف، رسالة ماجستير لـ محمد بن هادي المدخلي.
•4- أبو داود وأثره في علم لحديث، رسالة لـ معوض بلال العوفي.
•5- أبو داود حياته وسننه، لـ محمد لطفي الصباغ.
•6- المتروكون ومروياتهم في سنن أبي داود (رسالة ماجستير مقدمة إلى جامعة أم القرى عام 1396هـ)
وغيرها من الكتب والأبحاث.
المصادر:
1- رسالة أبي داود إلى أهل مكة، وشروط الأئمة الستة لابن طاهر المقدسي، وشروط الأئمة الخمسة: ثلاثتها بتحقيق أبي غدة.2 - النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر العسقلاني. 3- بذل المجهود في ختم سنن أبي داود، للإمام السخاوي، ط: مؤسسة الرسالة. 4- الحطة في ذكر الصحاح الستة لصديق حسن خان.