آخـــر الــمــواضــيــع

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: تسعة عشر قاعدة علمية سلفية في الأسماء والصفات

  1. #1
    عضو ذهبي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    الدولة
    الجزائر - بومرداس
    المشاركات
    1,341

    Thumbs up تسعة عشر قاعدة علمية سلفية في الأسماء والصفات


    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد
    فهذه تسعة عشر قاعدة علمية في باب الأسماء والصفات على منهج أهل الحديث أهل السنة والجماعة، أصلها أحد عشر قاعدة مختصرة جمعها شيخنا حفظه الله تعالى ودرسناها على يديه قبل خمسة عشر سنة تقريبا ( 1417 هـ ) ثمَّ من الله علي فتوسعت بعض الشيء فيها وزدت على أصلها، وقمت بتدريسها بحمد الله لأكثر من مرة ، فأحببت أن أضعها بين يدي أخوتي، علَّ الله أن ينفع بها ،أو أن تصيبنا دعوة صالحة بظهر الغيب ممن انتفع بها أو قام بتدريسها،أ ونشرها.
    وسنتبع هذه القواعد بفوائد في وقت لاحق ـ إن شاء الله تعالى ـ لا تقل أهمية عنها.
    تنبيه: سبق أن نشرنا في موقعنا السلفي هذا أسس المنهج السلفي في الأسماء والصفات وهي بمثابة الأصل الذي تبنى عليه هذه القواعد وما يتبعها من الفوائد.

    http://www.meenhaj.com/vb/showthread.php?t=5865
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    هناك قواعد عدة؛ مهمة في بابها، وأصول أصيلة؛ رئيسة في موضوعها، نبه عليها العلماء في هذا الباب نسوقها موجزة مختصرة، لعظيم فائدتها، وكبير نفعها.
    · القاعدة الأولى : ( القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الاخر ).
    اذ لافرق بينها البتة الان الموصوف بها واحد وهو جل وعلا لايشبه الخلق في شيء من صفاتهم البتة فكما نثبت له سمعاً وبصراً لائقاً به نثبت له استواءاً ونزولا واتياناً ويداً وعيناً….الخ كما يليق به جل وعلا فتكون القاعدة التي ذكرها الإمام مالك رحمه الله تعالى وهي ( الاستواء غير مجهـول ، والكيف غير معقول ، والسؤال عنه بدعة) عامة في كل الصفات.
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ومن فرق بين صفة وصفة، مع تساويهما في أسباب الحقيقة والمجاز؛ كان متناقضاً في قولـه، متهافتاً في مذهـبه، مشابهاً لمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض).
    وبهذه القاعدة نردُ على طوائف عدة ، منها :
    1. الذين يثبتون بعض الصفات ، كالذين يثبتون لله الحياة والعلم والقدره والسمع والبصر والاكلام والاراده ويجعلونها صفات حقيقيه ثم ينازعون في محبة الله ورضاه وغضبه وكراهيته ... ويجعلون ذلك مجازاً او يفسرونه بالاراده او يفسرونه بالنعم والعقوبات فيقال لهؤلاء : لافرق بين مااثبتموه ومانفيتموه ،بل القول في احدهما كالقول في الاخر ، فان كنتم تقولون حياته وعلمه ... كحياة المخلوقين وعلمهم .. فيلزمكم ان تقولوا في رضاه ومحبته كذلك.
    وان قلتم له حياة وعلم واراده تليق به لاتشبه حياة المخلوقين وعلمهم وارادتهم فيلزمكم ان تقولوا في رضاه ومحبته وغضبه كذلك.
    وان قلتم ان الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام ، قلنا كذلك الارادة هي ميل النفس إلى جلب مصلحة اودفع مضرة ، فإن قلتم هذه ارادة المخلوق قلنا :وكذلك هذا غضب المخلوق.
    2. الذين يثبتون الاسماء وينفون الصفات : فيقولون حي بلا حياة عليم بلا علم …الخ فهؤلاء يقال لهم لافرق بين اثبات الاسماء واثبات الصفات فإن قالوا إثبات الحياة والعلم و القدرة يقتضي التشبيه أو تجسيم لإنا لا نجد متصفاً بالصفات إلا وهو جسم ، قلنا هذا غير صحيح ؛ لأنا نجد العرب تقول ليل طويل برد شديد وغيرها والليل والبرد ليست بأجسام هذا أولاً ، ونقول ثانياً يلزمكم أن تنفوا الأسماء إذ لا نجد ما هو مسمى بحي وعليم وقدير إلا ما هو جسم فانفوا أسماء الله ؟ طرداً لقاعدتكم ، فأن قالوا هذه الأسماء تليق بكماله وجلاله ؛ قلنا : وكذلك الصفات ، إذ الكلام في الأسماء والصفات من باب واحد.
    3. الذين ينفون الأسماء والصفات :
    فأنهم بزعمهم ينفون ذلك حتى لا يشبهوا الله بالموجودات فيقال لهم نفيتم علمه وحياته .. كما نفيتم انه عليم حي .. خشية ان تشبهوه بالموجودات ولكن يلزمكم هذا تشبيه الله بالمعدومات ، ففرتم من التشبيه الى التشبيه .
    · القاعدة الثانية : ( القول في الصفات كالقول في الذات ).
    فكما نثبت ذات الله جل وعلا اثبات وجود وإيمان لا إثبات كيفيه مكيفة محدودة ، فكذلك نثبت لهذه الذات الكريمة المقدسة صفات إثبات وإيمان ووجود لا إثبات كيفية وتحديد فاذا قال قائل أنا انفي استواء الله خشية من تشبيه الله بخلقه فيقال له : انف وجود الله وذاته لانه يلزم من ذلك تشبيه الله بخلقه ، فإن قال لله وجود يخصه وذات تخصه لاتشبه ذوات المخلوفين ؛ قلنا: وكذلك نزوله واستواءه لان الصفات والذات باب واحد .
    القاعدة الثالثة: ( الاتفاق في الأسماء لا يقتضي التساوي في المسميات ).
    أو ( الاشتراك في الأسماء والصفات لا يستلزم تماثل المسميات والموصوفات ).
    إننا نعلم أن ما أخبرنا الله تعالى به مما في الجنة من لبن وعسل وخمر ... حق وهذه الحقائق وإن كانت موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا فإنها لاتماثلها بل بينها وبين مافي الدنيا من المباينة مالا يعلمه إلا الله فالخالق اعظم مباينه للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق بل قد تسمى في الدنيا عدة أشياء باسم واحد ويكون لكل واحد حقيقة تخصه فإننا نقول مثلا عين الإنسان وعين الماء وعين الجمل والعين للحسد ، والعين في كل لفظة من الألفاظ ألاربعة لها معنى يخصها .
    وقد دلَّ على ذلك السمع والعقل والحس ؛ فإذا علم أن الاشتراك في الاسم والصفة في المخلوقات لا يستلزم التماثل في الحقيقة مع كون كل منها مخلوقاً ممكناً، فانتفاء التلازم في ذلك بين الخالق والمخلوق أولى وأجلى، بل التماثل في ذلك بين الخالق والمخلوق ممتنع غاية الامتناع[1].
    قال شيخ الاسلام سمى الله نفسه بأسماء وسمى صفاته بأسماء وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص؛ اتفاقهما ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص فضلا عن ان يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص فقد سمى الله نفسه حيا فقال : ( الله لا اله الا هو الحي القيوم ) وسمى بعض عباده حيا فقال : ( يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ) وليس هذا الحي مثل هذا الحي لأن قوله الحي اسم لله مختص به وقوله " يخرج الحي من الميت" اسم للحي المخلوق مختص به وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص ولكن ليس للمطق مسمى موجود فى الخارج ولكن العقل يفهم من المطلق قدرا مشتركا بين المسميين وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق ولا بدمن هذا في جميع أسماء الله وصفاته يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق وما دل عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه سبحانه وتعالى ... فلا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه ونفى مماثلته بخلقه فمن قال ليس لله علم ولا قوة ولا رحمة ولا كلام ولا يحب ولا يرضى ولا نادى ولا ناجى ولا استوى كان معطلا جاحدا ممثلا لله بالمعدومات والجمادات ،ومن قال له علم كعلمي أو قوة كقوتي أو حب كحبي أو رضاء كرضائي أو يدان كيداي أو استواء كاستوائي كان مشبها ممثلا لله بالحيوانات بل لا بد من إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل )[2] .

    ; القاعدة الرابعة إن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي المتضمن إثباتاً ) أو نقول ( لا يوصف الله بالنفي المحض ).
    يعني أن الله تعالى جمع فيما وصف به نفسه بين النفي والاثبات كما قال تعالى : (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) وإنما جمع الله لنفسه بين النفي والاثبات لأنه لا يتم كمال الموصوف إلا بنفي صفات النقص وإثبات صفات الكمال ، وكل الصفات التي نفاها الله عن نفسه صفات نقص كالظلم والعجز واللغوب ومماثلة المخلوق ... وكل ما أثبته لنفسه فهو صفات كمال ( ولله المثل الأعلى ).
    q والإثبات والنفي في أسمائه وصفاته مجمل ومفصل .
    فالإثبات المجمل: يكون بإثبات الثناء المطلق والحمد المطلق والمجد المطلق لله تعالى ونحو ذلك كما يشير إليه قوله (الحمد لله رب العالمين ) وقوله ( ولله المثل الأعلى).
    والإثبات التفصيلي : فهو متناول لكل اسم أوصفه وردت في الكتاب والسنة.
    وأما النفي المجمل: فيكون بأن ينفي عن الله عز وجل كل ما يضاد كماله من انواع العيوب والنقائص كقوله تعالى ( ليس كمثله شي ) و(هل تعلم له سمياً) و ( فلاتضربوا لله الأمثال ) و ( سبحان الله عما يصفون ).
    والإثبات التفصيلي هو المقصود لذلك كان أكثر من الإثبات المجمل.
    وأما النفي التفصيلي : فهو أن ينزه الله تعالىعن كل واحد من هذه العيوب والنقائص بخصوصه فينزه عن الوالد والولد والشريك والصاحبة والند والجهل والعجز والسنة والنوم والعبث …الخ
    إلا أن منهج القرأن في النفي أن لاينفي نفياً محضاً فلا ينفي صفة نقص عن الله إلا إذا كانت متضمنة صفة مدح وكمال فلا ينفي نفياً مجرداً كما تفعل بعض الفرق كالجهمية المحضه كقولهم : ليس الله بجسم ولاجوهر .
    قال تعالى( لا تأخذه سنة ولا نوم ) في هذا النفي كمال الحياة والقيام (ولا يؤوده حفظهما) مستلزمة لكمال قدرته وتمامها إذ المعنى لا يكرثه ولايعجزه ولا يثقله وقوله : ( لايعزب عنه مثقال ذرة) فإن النفي للعزوب مستلزم لعلمه بكل ذره في السموات والارض وهكذا .
    والسبب في عدم النفي المحض: أن النفي المحض ليس فيه مدح ولاكمال إلا إذا تضمن اثباتاً وان النفي المحض عدم محض ، والعدم المحض ليس بشيء ، وماليس بشيء فهو كما قيل: ليس بشي؛ فضلا عن ان يكون مدحاً او كمالا ، وأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع ، والممتنع لايوصف بمدح ولاكمال.
    اما منهج المبتدعة في النفي فهو النفي المحض فقالوا لايتكلم ولا يُرى وليس فوق العالم وغلا بعضهم فقالوا ليس بداخل العالم ولا خارجه ولا مباين للعالم ولامخالط له … الى آخر هذا الكلام الغث الذي يجعلون الله به عدماً ، تعالى الله وتقدس عن قولهم علوا كبيراً .
    · القاعدة الخامسة : (التعطيل سببه إعتقاد التشبيه اولاً ).
    إن شبهة التشبيه هي التي من اجلها عطل المعطلون صفات الله تعالى وهي انه لايعرف إلانسان من الصفة التي وصف الله بها نفسه إلاما يليق بالمخلوق فبهذا قد شبه الله بخلقه ثم لكي يفر من هذا التشبيه يعطل هذه الصفه او الصفات فينفيها ، فهو شبَّه أولاً ثمَّ جرَّه تشبيهه إلى النفي فوقع في التعطيل.
    فيجب على طالب العلم ان يعلم ان هذه الشبهة تنجس قلبه وتدنسه بأقذارها فإن الذي في قلبه هذه الشبهة عندما يسمع صفة من صفات الله كالنزول او الاستواء اواليد او غيرها من صفات الجلال والكمال اول ما يخطر في ذهنه ان هذه الصفة تشبه صفه المخلوق فلا يُقَدِّر الله حق قدره ولا يعظمه حق تعظيمه حيث يسبق الى ذهنه أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق فيكون :
    أولاً: قد نجَّس قلبه وقذَّره بأقذار التشبيه فيكون مشبهاً.
    ثانياً : يدعوه شؤم هذا التشبيه إلى أن ينفي صفة الخالق جل وعلا عنه بادعاء أنها تشبه صفات المخلوق فيكون معطلاً .
    فصار ابتداءً وانتهاءً متهجماً على رب العالمين بنفي صفاته عنه بادعاء أن تلك الصفات لاتليق به.
    فيجب على طالب العلم: أن يفرش قلبه بأن يؤمن بأن الصفة التي يصف الله بها نفسه أو رسوله هي كما تليق به خالقاً وقديراً وإلهاً معبوداً وهي صفات كمال وجلال وجمال وإنها صفات عليا ، وأنها خاصة بالله وإن اشتركت في اللفظ أو المعنى مع صفات المخلوقين إلا انه لكل منهما ما يليق به[3].

    & القاعدة السادسة : ( إن آيات الصفات محكمة المعنى متشابهة الكيفية ).
    إن كثيراً من الناس يطلق على نصوص الصفات اسم المتشابه وهذا غير صحيح ، والبعض الآخر يطلقون عليها اسم المحكم وهذا الاطلاق أيضاً غير صحيح ، والصحيح في هذا الأمر التفصيل ، وهو أن يقال :ـ
    " إن نصوص الصفات محكمة من وجه ومتشابهة من وجه آخر" وهي كما ذكر الإمام مالك ومن قبله شيخه ربيعة الرأي رحمهما الله تعالى :
    ـ ( الاستواء غير مجهول ) ـ أي معلوم ـ فهذا يدل على أن معناه غير متشابه أي محكم ، بل هو معروف عند العرب فإن معناه الارتفاع والاعتدال .
    ـ ( والكيف غير معقول ) فهذا يعني ان عقل الانسان لايستطيع أن يدركه أو يعرف كنهه أو كيفيته.
    وهذا يدل على عجز البشر عن ادراكه وأن الله قد استأثر بعلمه فهي من هذا الوجه متشابهة ، هذا بناءاً على أن الوقف في آية آل عمران على قوله تعالى : ( وما يعلم تأويله إلا الله ) فهو بالنسبة إلى معنى الصفة غير متشابه ، وبالنسبة إلى كيفية الاتصاف بها متشابه ، بناءاً على أن المتشابه هو ما استأثر الله بعلمه.
    فقاعدة الإمام مالك في الاستواء تكون مطردة في جميع الصفات ، فيقال :
    أن معنى الصفة غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان بها واجب ، والسؤال عنه بدعة ، أي عن الكيفية.
    & القاعدة السابعة : ( أن المراد من نصوص الصفات ظاهرها، وأن ظاهرها التنزيه لا التشبيه حتى نحتاج إلى تأويل ).
    قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى: ( ظاهر النصوص ما يتبادر منها من المعاني بحسب ما تضاف إليه وما يحتف بها من القرائن. والواجب في النصوص إجراؤها على ظاهرها بدون تحريف لقوله تعالى: ) وإنه لتنزيل رب العالمين . نزل به الروح الأمين . على قلبك لتكون من المنذرين . بلسان عربي مبين(. وقوله: ) إنا جعلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون(. وقوله: ) اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء(.
    فإذا كان الله تعالى: أنزله باللسان العربي من أجل عقله وفهمه، وأمرنا باتباعه، وجب علينا إجراؤه على ظاهره بمقتضى ذلك اللسان العربي، إلا أن تمنع منه حقيقة شرعية. ولا فرق في هذا بين نصوص الصفات وغيرها، بل قد يكون وجوب التزام الظاهر في نصوص الصفات أولى وأظهر، لأن مدلولها توقيفي محض لا مجال للعقول في تفاصيله.
    فإن قال قائل : في نصوص الصفات لا يجوز إجراؤها على ظاهرها لأن ظاهرها غير مراد.
    فجوابه أن يقال: ماذا تريد بالظاهر؟ أتريد ما يظهر من النصوص من المعاني اللائقة بالله من غير تمثيل فهذا الظاهر مراد لله ورسوله قطعاً، وواجب على العباد قبوله، والإيمان به شرعاً، لأنه حق ولا يمكن أن يخاطب الله عباده بما يريد منهم خلاف ظاهره بدون بيان كيف وقد قال:)يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم (. وقال:) يبين الله لكم أن تضلوا (. ويقول عن رسوله صلى الله عليه وسلم: ) وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم(. ويقول: ) وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (. ومن خاطب غيره بما يريد منه خلاف ظاهره بدون بيان فإنه لم يبين له ولم يهده.
    تريد بالظاهر ما فهمته من التمثيل، فهذا غير مراد لكنه ليس ظاهر نصوص الكتاب والسنة، لأن هذا الظاهر الذي فهمته كفر وباطل بالنص والإجماع، ولا يمكن أن يكون ظاهر كلام الله ورسوله كفراً وباطلاً ولا يرتضي ذلك أحد من المسلمين.
    وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن نصوص الصفات تجري على ظاهرها اللائق بالله عز وجل من غير تحريف ، وأن ظاهرها لا يقتضي تمثيل الخالق بالمخلوق ، فاتفقوا على أن لله تعالى: حياة، وعلما ً، وقدرة ، وسمعاً، وبصراً ، حقيقة، وأنه مستو على عرشه حقيقة ، وأنه يحب ، ويرضى ، ويكره ، ويغضب حقيقة ، وأن له وجهاً ويدين حقيقة لقوله تعالى: : )وتوكل على الحي الذي لا يموت (. وقوله : ) وهو بكل شيء عليم (. ) وهو على كل شيء قدير (. ) وهو السميع البصير (. وقوله: ) الرحمن على العرش استوى(. وقوله:) فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه (.)رضي الله عنهم ورضوا عنه(و)ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم ( و) وغضب الله عليه ولعنه( وقوله :) ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ( :)بل يداه مبسوطتان(.
    فأجروا هذه النصوص وغيرها من نصوص الصفات على ظاهرها وقالوا : إنه مراد على الوجه اللائق بالله تعالى: فلا تحريف، ولا تمثيل.
    وبيان ذلك: أن من صفاتنا ما هو معان وأعراض قائمة بنا كالحياة والعلم، والقدرة. ومنها ما هو أعيان وأجسام وهي أبعاض لنا كالوجه واليدين. ومن المعلوم أن الله وصف نفسه بأنه حي، عليم، قدير، ولم يقل المسلمون : إن المفهوم من حياته، وعلمه، وقدرته، كالمفهوم من حياتنا، وعلمنا وقدرتنا، فكذلك لما وصف نفسه بأن له وجهاً ويدين لم يكن المفهوم من وجهه ويديه كالمفهوم من وجوهنا وأيدينا. وإنما قال المسلمون : إن المفهوم من صفات الله في هذا وهذا لا يماثل المفهوم منها في صفاتنا بل كل صفة تناسب الموصوف وتليق به، فلما كانت ذات الخالق لا تماثل ذوات المخلوقين، فكذلك صفاته لا تماثل صفات المخلوقين. وقد سبق أن القول في الصفات كالقول في الذات.
    فتبين بذلك أن من قال: إن ظاهر نصوص الصفات غير مراد فقد أخطأ على كل تقدير، لأنه إن فهم من ظاهرها معنى فاسداً وهو التمثيل فقد أخطأ في فهمه وأصاب في قوله : "غير مراد " وإن فهم من ظاهرها معنى صحيحاً وهو المعنى اللائق بالله فقد أصاب في فهمه وأخطأ في قوله : "غير مراد" فهو إن أصاب في معنى ظاهرها أخطأ في نفي كونه مراداً، وإن أخطأ في معنى ظاهرها أصاب في نفي كونه مراداً، فيكون قوله خطأ على كل تقدير.
    والصواب الذي لا خطأ فيه أن ظاهرها مراد، وأنه ليس إلا معنى يليق بالله.
    والذين يجعلون ظاهر النصوص معنى فاسداً فينكرونه يكون خطؤهم على وجهين:
    الأول: أن يفسروا النص بمعنى فاسد لا يدل عليه اللفظ فينكرونه لذلك ويقولون: إن ظاهره غير مراد.
    ـ مثال ذلك: قوله تعالى: في الحديث القدسي: " يا بن آدم مرضت فلم تعدني،.. يا بن آدم استطعمتك فلم تطعمني،... يا بن آدم استسقيتك فلم تسقني ". الحديث رواه مسلم.
    قالوا: فظاهر الحديث أن الله يمرض، ويجوع، ويعطش وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.
    فنقول: لو أعطيتم النص حقه لتبين لكم أن هذا المعنى الفاسد ليس ظاهر اللفظ، لأن سياق الحديث يمنع ذلك فقد جاء مفسراً بقول الله تعالى: في الحديث نفسه: " أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، واستسقاك عبدي فلان فلم تسقه". وهذا صريح في أن الله سبحانه لم يمرض، ولم يجع، ولم يعطش، وإنما حصل المرض، والجوع، والعطش من عبد من عباده.
    الوجه الثاني: أن يفسروا اللفظ بمعنى صحيح موافق لظاهره لكن يردونه لاعتقادهم أنه باطل وليس بباطل .
    ـ مثال ذلك قوله تعالى: ) الرحمن على العرش استوى(.
    قالوا: فظاهر الآية أن الله علا على العرش، والعرش محدود فيلزم أن يكون الله سبحانه محدوداً، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.
    فنقول : إن علو الله تعالى: على عرشه- وإن كان العرش محدوداً - لا يستلزم معنى فاسداً فإن الله تعالى: قد علا على عرشه علواً يليق بجلاله وعظمته، ولا يماثل علو المخلوق على المخلوق، ولا يلزم منه أن يكون الله محدوداً، وهو علو يختص بالعرش، والعرش أعلى المخلوقات فيكون الله تعالى: عالياً على كل شيء وهذا من كماله وكمال صفاته فكيف يكون معنى فاسداً غير مراد؟!
    ـ مثال آخر: قوله تعالى)بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ( قالوا : فظاهر الآية أن لله تعالى يدين حقيقيتين وهما جارحة ، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.
    فنقول : إن ثبوت اليدين الحقيقيتين لله عز وجل لا يستلزم معنى فاسداً، فإن لله تعالى يدين حقيقيتين تليقان بجلاله وعظمته، بهما يأخذ ويقبض، ولا تماثلان أيدي المخلوقين، وهذا من كماله وكمال صفاته قال الله تعالى: ) وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه (.

    q القاعدة الثامنة : ( أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة ).
    إعلم أن هذه القاعدة الأصولية أطبق عليه عليها من يعتدَّ به من أهل العلم وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة ولا سيما العقائد ولو مشينا على فرضهم الباطل أن ظاهر آيات الصفات كفر ، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يؤول الاستواء بالاستيلاء ولم يؤول شيئاً من هذه التأويلات ولو كان المراد بها هذه التأويلات لبادر النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيانها لأنه لايجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة .

    q القاعدة التاسعة: حقيقة التأويل.
    التأويل لغة: ترجيع الشيء إلى الغاية المرادة منه، من الأوْل وهو الرجوع.
    وفي الاصطلاح: رد الكلام إلى الغاية المرادة منه، بشرح معناه، أو حصول مقتضاه ، ويطلق على ثلاثة معان:
    الأول: " التفسير " وهو توضيح الكلام بذكر معناه المراد به ومنه قوله تعالى: عن صاحبي السجن يخاطبان يوسف: ) نبئنا بتأويله (. وقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ".
    المعنى الثاني: مآل الكلام إلى حقيقته، فإن كان خبراً فتأويله نفس حقيقة المخبر عنه وذلك في حق الله كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره وإن كان طلباً فتأويله امتثال المطلوب.
    مثال الخبر: قوله تعالى: ) هل ينظرون إلا تأويله ( أي ما ينتظر هؤلاء المكذبون إلا وقوع حقيقة ما أُخبروا به من البعث والجزاء، ومنه قوله تعالى: عن يوسف: ) هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً (.
    ومثال الطلب: قول عائشة رضي الله عنها : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي يتأول القرآن " أي يمتثل ما أمره الله به في قوله:) إذا جاء نصر الله والفتح .ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً . فسبح بحمد ربك وأستغفره إنه كان تواباً (.
    وتقول : فلان لا يتعامل بالربا يتأول قول الله تعالى: ) وأحل الله البيع وحرم الربا (.
    والتأويل بهذا المعنى مجهول حتى يقع فيدرك واقعاً.
    وهذان المعنيان للتأويل هما المعنيان المعروفان في الكتاب، والسنة وكلام السلف.
    المعنى الثالث للتأويل: صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقتضيه. وإن شئت فقل: صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى يخالف الظاهر لدليل يقتضيه. وهذا اصطلاح كثير من المتأخرين الذين تكلموا في الفقه وأصوله وهو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويل نصوص الصفات وهل هو محمود، أومذموم، وهل هو حق، أو باطل؟
    ـ والتحقيق : أنه على ثلاث حالات :
    1) إن دل عليه دليل صحيح فهو حق محمود يعمل به ويكون من المعنى الأول للتأويل وهو التفسير، لأن تفسير الكلام تأويله إلى ما أراده المتكلم به سواء كان على ظاهره أم على خلاف ظاهره ما دمنا نعلم أنه مراد المتكلم ، فهو صرف للكلام عن ظاهره المتبادر منه لدليل ويسمى تأويلاً صحيحاً وتأويلاً قريباً.
    مثال ذلك قوله تعالى: ) أتى أمر الله فلا تستعجلوه (. فإن الله تعالى: يخوف عباده بإتيان أمره المستقبل، وليس يخبرهم بأمر أتى وانقضى بدليل قوله: ) فلا تستعجلوه (. ومنه قوله تعالى: ) فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (. فإن ظاهر اللفظ إذا فرغت من القراءة والمراد إذا أردت أن تقرأ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ إذا أراد أن يقرأ لا إذا فرغ من القراءة.
    2) الثاني هو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لشيء يعتقده المجتهد دليلا وهو في نفس الأمر ليس بدليل، فهذا يسمى تأويلا بعيدا ويقال له فاسد ومثل له بعض العلماء بتأويل الإمام أبي حنيفة رحمه الله لفظ امرأة في قوله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل) قالوا حمل هذا على خصوص المكاتبة تأويل بعيد لأنه صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لأن (أي) في قوله (أي امرأة) صيغة عموم وأكدت صيغة العموم بما المزيدة للتوكيد فحمل هذا على صورة نادرة هي المكاتبة حمل، للفظ على غير ظاهره لغير دليل جازم يجب الرجوع إليه.
    3) وإن لم يدل عليه دليل صحيح كان باطلاً مذموماً، وجديراً بأن يسمى تحريفاً لا تأويلاً ، فهو حملٌ لاللفظ على غير ظاهره لا لدليل ، ومن هذا تفسير الروافض قوله تعالى ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) قالوا عائشة ، ومن هذا النوع صرف آيات الصفات عن ظواهرها إلى محتملات ما أنزل الله بها من سلطان كقولهم ( استوى ) بمعنى ( استولى ) فإن ظاهرها المتبادر منها أن الله تعالى :علا على العرش علواً خاصاً يليق بالله عز وجل وهذا هو المراد فتأويله إلى أن معناه استولى ومَلَك، تأويل باطل مذموم وتحريف للكلم عن مواضعه لأنه ليس عليه دليل صحيح ، فهذا لا يدخل في اسم التأويل لأنه لا دليل عليه البتة ، وإنما يسمى في اصطلاح أهل الأصول " لعباً " لأنه تلاعب بكتاب الله جلَّ وعلا من غير دليل ولا مستند ، فهذا النوع لا يجوز لأنه تهجم على كلام رب العالمين ، والقاعدة المعروفة عند علماء السلف ( أنه لايجوز صرف شيء من كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم عن ظاهره المتبادر منه ، إلا بدليل يجب الرجوع إليه )" .
    & القاعدة العاشرة : (أن الإيمان بما جاء في الكتاب وبما أخبر به الصادق المصدوق واجب على كل مؤمن وإن لم يفهم معناه، وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها وغالباً مايكون الذي اتفق عليه السلف منصوص عليه في الكتاب والسنة ).
    تنقسم نصوص الكتاب والسنة الواردة في الصفات إلى قسمين :
    أ : واضح جلي . ب : مُشكل خفي.
    أ ) الواضح الجلي : ـ مااتضح لفظه ومعناه ، فيجب الإيمان به لفظاً وإثبات معناه حقاً بلا ردٍ ولا تأويل ولاتشبيه ولا تمثيل لأن الشرع ورد به فوجب الإيمان به وتلقيه بالقبول والتسليم.
    ب ) المشكل الخفي :ـ فهو ما لم يتضح معناه لإجمال في دلالته وقصر في فهم قارئه فيجب إثبات لفظه لورود الشرع به والتوقف في معناه وترك التعرض له لأنه مشكل لايمكن الحكم عليه ، فنرد علمه إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وقد انقسمت طرق الناس في هذا المشكل إلى طريقتين :
    ـ الأولى : طريقة الراسخين في العلم الذين آمنوا بالمحكم والمتشابه وقالوا كلٌ من عند ربنا ) وتركوا التعرض لما لا يمكنهم الوصول إلى معرفته والاحاطة به تعظيماً لله ورسوله ، وتأدباً مع النصوص الشرعية ، وهم الذين أثنى الله تعالى عليهم بقوله :
    ( والراسخون في العلم يقولون آمنا به كلٌ من عند ربنا ) .
    الثانية : طريقة الزائغين الذين اتبعوا المتشابه طلباً للفتنة وصداً للناس عن دينهم وعن طريقة السلف الصالح فحاولوا تأويل هذا المتشابه إلى ما يريدون لا إلى ما يريده الله ورسوله وضربوا نصوص الكتاب والسنة بعضها ببعض وحاولوا الطعن في دلالتها بالمعارضة والنقص ليشككوا المسلمين في دلالتها ويعموهم عن هدايتها ، وهؤلاء هم الذين ذمهم الله بقوله : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله).
    & تحرير القول في النصوص من حيث الوضوح والإشكال : ـ
    إن الوضوح والاشكال في النصوص الشرعية أمر نسبي يختلف فيه الناس بحسب العلم والفهم فقد يكون مشكلا عند شخص ؛ لنقص في علمه أو تقصير في طلبه أو قصور في فهمه أو سوء في قصده ؛ ما هو واضح عند شخص آخر ، والواجب عند الإشكال اتباع ما سبق من ترك التعرض له والتخبط في معناه.
    & أما من حيث واقع النصوص الشرعية فليس فيها بحمد لله ما هو مشكل لا يعرف
    أحد من الناس معناه في ما يهمهم من أمر دينهم ودنياهم لأن الله وصف القرآن بأنه نورٌ مبين وبيانٌ للناس وفرقان وأنه أنزله تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمة ، وهذا يقتضي أن لايكون في النصوص ما هو مشكل بحسب الواقع بحيث لايمكن أحداً من الأمة معرفة معناه.

    & القاعدة الحادية عشر : ( في طريقة أهل السنة في أسماء الله وصفاته ).
    طريقتهم في أسماء الله وصفاته كما يلي : ـ
    ـ أولاً في الاثبات :فهي اثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل.
    ـ ثانياً في النفي : فهي نفي ما نفاه الله عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم مع اعتقادهم ثبوت كمال ضده لله تعالى.
    ـ ثالثاً فيما لم يرد نفيه ولا إثباته فيما تنازع فيه الناس كالجسم والحيز والجهة ، أي الألفاظ الموهمة حق وباطل ونحو ذلك ، فطريقتهم فيه التوقف في لفظه فلا يثبتونه ولا ينفونه لعدم ورود ذلك في النصوص الشرعية.
    وأما معناه فيستفصلون عنه فإن أريد به باطل ينزه الله عنه ردوه لفظاً ومعنى، وإن أريد به حق ولا يمتنع على الله ، قبلوه وأرشدوهم إلى اللفظ الصحيح.
    مثاله : لفظة (الجهة): نتوقف في إثباتها ونفيها، ونسأل قائلها : ماذا تعني بالجهة؟ فإن قال : أعني أنه في مكان يحويه. قلنا : هذا معنى باطل يُنَزَّه الله عنه ، ورددناه . وإن قال : أعني جهة العلو المطلق ؛ قُلْنا : هذا حق لا يمتنع على الله.وقبلنا منه المعنى ، وقلنا له : لكن الأولى أن تقول : هو في السماء ، أو في العلو ؛ كما وردت به الأدلة الصحيحة ، وأما لفظة (جهة) ؛ فهي مجملة حادثة ، الأولى تركها.
    وهذه الطريق هي الطريق الواجبة ، وهي القول الوسط بين أهل التعطيل وأهل التمثيل ، وقد دلَّ على وجوبها العقل والسمع ـ أي الكتاب والسنة ـ.
    ـ أما العقل فوجه دلالته : أن تفصيل القول فيما يجب ويجوز ويمتنع على الله تعالى لا يدرك إلا بالسمع فوجب اتباع السمع في ذلك باثبات ما أثبته ونفي ما نفاه والسكوت عما سكت عنه.
    ـ وأما السمع : فمن أدلته قوله تعالى : ( ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون). دلت الآية على وجوب الاثبات من غير تحريف ولا تعطيل لأنها من الالحاد. وقوله تعالى ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) دلت الآية على وجوب نفي التمثيل. وقوله تعالى ( ولاتقف ما ليس لك به علم ) دلت الآية على وجوب نفي التكييف وعلى وجوب التوقف فيما لم يرد اثباته أو نفيه.
    قال ابن تيمية: ( التوقف في الألفاظ المجملة التي لم يرد إثباتها ولا نفيها، أما معناها؛ فَيُسْتفصل عنه، فإن أريد به باطل يُنَزَّه الله عنه؛ رُدَّ ، وإن أريد به حق لا يمتنع على الله ؛ قُبِلَ ، مع بيان ما يدلُّ على المعنى الصواب من الألفاظ الشرعية، والدعوة إلى استعماله مكان هذا اللفظ المجمل الحادث))([4]).
    & القاعدة الثانية عشر : ( العقل الصريح يوافق النقل الصحيح ) او : ( صريح المعقول يوافق صحيح المنقول )، أو نقول: ( كل اسم أو صفة ثبت بالنقل الصحيح، وافق العقل الصريح ولابد ).
    العقل الصريح ـ الخالي من الشهوات والشبهات ـ لا يناقض النقل الصحيح ـ السالم من العلل والقوادح.
    قال شيخ الاسلام أن ما جاءت به الرسل هو الحق وأن الأدلة العقلية الصريحة توافق ما جاءت به الرسل وأن صريح المعقول لا يناقض صحيح المنقول وإنما يقع التناقض بين ما يدخل في السمع وليس منه وما يدخل في العقل وليس منه ) درء التعارض 2 /364. وقال عنبعض أهل البدع ولم يعلموا ان الحجة العقلية الصريحة لا تناقض الحجة الشرعية الصحيحة بل يمتنع تعارض الحجج الصحيحة سواء كانت عقلية او سمعية او سمعية وعقلية بل اذا تعارضت حجتان دل على فساد احداهما او فسادهما جميعا)[5].
    وقال ابن قيم الجوزية: ( إنه قد ثبت بالعقل الصريح والنقل الصحيح ثبوت صفات الكمال للرب سبحانه وأنه أحق بالكمال من كل ما سواه وأنه يجب أن تكون القوة كلها له والعزة كلها له والعلم كله له والقدرة كلها له والجمال كله له وكذلك سائر صفات الكمال وقام البرهان السمعي والعقلي على أنه يمتنع أن يشترك في الكمال التام اثنان وأن الكمال التام لا يكون إلا لواحد وهاتان مقدمتان يقينتان معلومتان بصريح العقل وجاءت نصوص الأنبياء مفصلة لما في صريح العقل إدراكه قطعا فاتفق على ذلك العقل والنقل )[6]، وقال أيضاً ( إن ما علم بصريح العقل الذي لا يختلف فيه العقلاء لايتصور أن يعارضه الشرع البتة ولا يأتي بخلافه ومن تأمل ذلك في ما ينازع العقلاء فيه من المسائل الكبار وجد ما خالفت النصوص الصحيحة الصريحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للنقل فتأمل ذلك في مسائل التوحيد والصفات ومسائل القدر والنبوات والمعاد تجد ما يدل عليه صريح العقل لم يخالفه سمع قط بل السمع الذي يخالفه إما أن يكون حديثا موضوعا أو لا تكون دلالته مخالفة لما دل عليه العقل ونحن نعلم قطعا أن الرسل لا يخبرون بمحال العقول وإن أخبروا بمحارات العقول فلا يخبرون بما يحيله العقل وإن أخبروا بما يحار فيه العقل ولا يستقل بمعرفته ومن تأمل أدلة نفاة الصفات والأفعـال والقدر والحكمة والمعـاد وأعطاها حقها من النظر العقلي علم بالعقل
    فسادها وثبوت نقيضها ولله الحمد )[7]. قال ابن قيم الجوزية :

    فإذا تعـارض نص لفظ وارد ... والعقـل حتى ليس يلتقيـان
    فالعقـل إما فاسـد ويظنـه .. الرائي صحيحاً وهو ذو بطلان
    أو أن ذاك النـص ليس بثابت... ما قـاله المعصـوم بالبرهـان.
    & القاعدة الثالثة عشر : (أنواع دلالة الأسماء الحسنى ).

    أسماء الله كلها حسنى وكلها تدل على الكمال المطلق والحمد المطلق وكلها مشتقة من أوصافها فالوصف فيها لا ينافي العلمية والعلمية لا تنافي الوصف ودلالتها ثلاثة أنواع :
    1ـ دلالة مطابقة إذا فسرنا الاسم بجميع مدلوله
    2ـ ودلالة تضمُّن إذا فسرناه ببعض مدلوله .
    3 ـ ودلالة إلتزام إذا استدللنا به على غيره من الأسماء التي يتوقف هذا الاسم عليها.
    فمثلاً " الرحمن " دلالته على الرحمة والذات دلالة مطابقة ، وعلى أحدهما دلالة تضمن ؛ لأنها داخلة في الضمن، ودلالته على الأسماء التي لا توجد الرحمة إلا بثبوتها كالحياة والعلم والارادة والقدرة ونحوها دلالة إلتزام ؛ وهذه الأخيرة تحتاج إلى قوة فكر وتأمل ويتفاوت فيها أهل العلم فالطريق إلى معرفتها أنك إذا فهمت اللفظ وما يدل عليه من المعنى وفهمته فهماً جيداً ففكر فيما يتوقف عليه ولا يتم بدونه ، وهذه القاعدة تنفعك في جميع النصوص الشرعية فدلالة الثلاث كلها حجة ، لأنها معصومة محكمة.
    القاعدة الرابعة عشر: ((كل اسم ثبت لله عَزَّ وجَلَّ ؛ فهو متضمن لصفة ، ولا عكس))([8]).
    مثاله : اسم الرحمن متضمن صفة الرحمة ، والكريم يتضمن صفة الكرم، واللطيف يتضمن صفة اللطف وهكذا ، لكن صفاته : الإرادة ، والإتيان ، والاستواء، لا نشتق منها أسماء، فنقول : المريد، والآتي، والمستوي 00 وهكذا.
    القاعدة الخامسة عشر : ( صفات الله عَزَّ وجَلَّ لا يقاس عليها، لأنها توقيفية ).
    فلا يقـاس السخاءُ على الجود ، ولا الجـَلَدُ على القوة ، ولا الاستطاعـةُ على القدرة ، ولا الرقة على الرحمة والرأفة ، ولا المعرفة على العلم000 وهكذا ؛ لأن صفات الله عَزَّ وجَلَّ لا يتجاوز فيها التوقيف.
    ومعنى كونها توقيفية ؛ أن لا يُثبت منها إلا ما أثبته الله لنفسه ، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا يُنفى عن الله عَزَّ وجَلَّ إلا ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم فلا مجال للعقل فيها قال تعالى : { ولا تقف ما ليس لك به علم ٌ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً }.
    القاعدة السادسة عشر:( دلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة : إما التصريح بها، أو تضمن الاسم لها ، أو التصريح بفعلٍ أو وصفٍ دالٍّ عليها ).
    مثـال الأول : الرحـمة ، والعزة ، والقوة ، والوجه ، واليدين ، والأصابع … ونحو ذلك.
    مثال الثاني : البصـير متضمن صفة البصر ، والسميع متضمن صفة السمع .. ونحو ذلك.
    مثال الثالث : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى : دالٌّ علـى الاستواء ، إِنَّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ : دالٌّ على الانتقام … ونحو ذلك.
    القاعدة السابعة عشر ( صفات الله عَزَّ وجَلَّ يستعاذ بها ويُحلف بها )[9].
    ومنها قوله صلى الله عليه وسلم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتـك). رواه مسلم، ولذلك بوب البخاري في كتاب الأيمان والنذور باب: الحلف بعزة الله وصفاته وكلماته).
    القاعدة الثامنة عشر:( ما أضيف إلى الله مما هو غير بائنٍ عنه؛ فهو صفة له غير مخلوقة ، وكلُّ شيء أضيف إلى الله بائن عنه ؛ فهو مخـلوق ؛ فليس كل ما أضيف إلى الله يستلزم أن يكون صفةً له)[10].
    مثال الأول : سمعُ الله ، وبصرُ الله ، ورضاه ، وسخطُه000
    ومثال الثاني : بيت الله ، وناقة الله000
    القاعدة التاسعة عشر: (صفات الله عَزَّ وجَلَّ وسائر مسائل الاعتقاد تثبت بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن كان حديثاً واحداً ، وإن كان آحاداً ).
    منقول عن أخي في الله آل راشد حفظه الله و رعاه.


    $$$$


    [1]) ينظر تقريب التدمرية .

    [2]) مجموع الفتاوى : 3 /10ـ 16

    [3]) ينظر كلام الإمام الألباني رحمه الله تعالى في مختصر العلو في نقله لكلام الجويني ص 26.

    ([4]) ((التدمرية)) (ص 65) ، ((مجموع الفتاوى)) (5/299 و 6/36).

    [5] ) مجموع الفتاوى 9 / 279.

    [6]) بدائع الفوائد 3 /1080.

    [7]) الصواعق المرسلة 3 / 829.

    ([8]) ((بدائع الفوائد)) (1/162) لابن القيم ، ((القواعد المثلى)) (ص 30) لابن عثيمين.

    [9] ((مجموع الفتاوى)) (6/143 ، 229) و (35/273)، وانظـر : ((شرح السنة)) للبغوي (1/185-187) ، وفَرَّق بعضهم بين الحلف بالصفة الفعليَّة والصفة الذاتِيَّة ، وقالوا : لا يجوز الحلف بصفات الفعل، وقال ابن عثيمين رحمه الله : ( وجميع صفات الله يجوز الحلف بها ). وقال في الشرح الممتع: (

    سواء أكانت هذه الصفة خبرية، أم ذاتيةً معنوية، أم فعلية، مثل أقسم بوجه الله لأفعلن، فيصح؛ لأن الوجه صفة من صفات الله عزّ وجل.
    ولو قال: أقسم بعظمة الله لأفعلن يصح. ولو قال: أقسم بمجيء الله للفصل بين عباده لأعدلن في القضاء بينكما، فيصح؛ لأنه قسم بصفة فعلية لله ـ عزّ وجل ـ ).


    [10] ((الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)) (3/145) ، ((مجموع الفتاوى)) (9/290) له أيضاً ، ((مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين)) (1/166).
    __________________
    كن في أمورك كلها متمسكا ... بالوحي لا بزخارف الهذيان
    وانصر كتاب الله والسنن التي ... جاءت عن المبعوث بالفرقان
    واضرب بسيف الوحي كل معطل ... ضرب المجاهد فوق كل بنان


  2. #2

    افتراضي رد: تسعة عشر قاعدة علمية سلفية في الأسماء والصفات


    حفظك الله يا أبا علي
    من المقصود بقوك
    جمعها شيخنا حفظه الله تعالى ودرسناها على يديه قبل خمسة عشر سنة تقريبا ( 1417 هـ )

    ورحم الله الشعبي إذ يقول: لو أصبت تسعاً وتسعين وأخطأت واحدة لأخذوا الواحدة وتركوا التسعة والتسعين..!

  3. #3
    عضو ذهبي
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    الدولة
    الجزائر - بومرداس
    المشاركات
    1,341

    افتراضي رد: تسعة عشر قاعدة علمية سلفية في الأسماء والصفات


    جزاك الله خيرا وزادك الله حرسا يا أخي في الله ابن الوادي .
    هذا الكلام يعود لأخي في الله أل راشد و هو عضو مشارك في منتدى أنصار الدعوة السلفية ، و إني قد أشرت لهذا في أخر الموضوع ب...(منقول عن أخي في الله آل راشد حفظه الله و رعاه.) فراجع المنتدى

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. [بحث] الــــــــــــرد على من انكر توحيد الأسماء والصفات [كتاب]
    بواسطة عمربن محمدالبومرداسي في المنتدى منتدى العقيدة
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 12-10-2009, 07:02 PM
  2. [فائدة] القاعدة العظيمة في مسائل الأسماء والصفات
    بواسطة عمربن محمدالبومرداسي في المنتدى منتدى العقيدة
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 10-31-2009, 05:02 PM
  3. قواعد في أدلة الأسماء والصفات بن عثيمين ((القاعدة الاولى))
    بواسطة بن معين في المنتدى منتدى العقيدة
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 10-07-2009, 11:50 AM
  4. مسائل علمية فى الاسماء والصفات للشيخ ابى داود الدمياطى
    بواسطة أبو أحمد الدمياطى في المنتدى منتدى الصوتيات والفيديو
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 07-22-2009, 02:21 AM
  5. استدراك وتعقيب من الشيخ بن باز على شعيب الأرنؤوط في تأويله لبعض الأسماء والصفات
    بواسطة عمربن محمدالبومرداسي في المنتدى منتدى الاعتدال والوسطية في القضايا المنهجية والدعوية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 02-05-2009, 08:05 PM

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •