بيت المساجيرى: معلم تاريخي بحري في السويس

يقف "بيت المساجيرى" شامخًا في قلب مدينة السويس، حاملاً في طياته تراثاً يمتد لأكثر من 300 عام. يُعتبر هذا المنزل واحداً من أقدم المباني في مدن القناة، وقد لعب دوراً محورياً في ربط إفريقيا بأوروبا وآسيا. فقد كان نقطة مركزية لتنظيم حركة السفن والبضائع قبل وبعد حفر قناة السويس، مما جعله من المعالم البحرية والتاريخية الهامة في المدينة.
بداية إنشاء المنزل
تم بناء المنزل في عام 1862م خلال عهد محمد سعيد باشا من قبل الشركة الفرنسية "Les Messageries Maritimes"، المتخصصة في نقل الرسائل والأفراد والبضائع من الشرق الأقصى إلى أوروبا. أُنشئ المنزل ليكون مركزًا لإدارة حركة السفن، ونقل الرسائل والسلع بين الموانئ العالمية، ومن هنا جاء الاسم "بيت المساجيرى"، الذي يعني "مقر البريد السريع".
قبل حفر قناة السويس، كان المنزل مركزًا لوجستيًا مهمًا لتنسيق حركة السفن. وبعد حفر القناة، أصبح نقطة محورية لإدارة الحركة الملاحية، واستمر العمل فيه حتى إنشاء استراحات جديدة للعاملين بمنطقة بورتوفيق.
البيت والسينما المصرية
لم يقتصر دور البيت على التاريخ البحري فقط، بل كان له تأثير كبير على صناعة السينما المصرية. فقد تم تصوير بعض مشاهد فيلم "ابن حميدو" للفنان الراحل إسماعيل ياسين داخله، وخاصةً المشهد الشهير الذي سكب فيه الماء على الفنان توفيق الدقن المعروف بـ"الباز أفندى" من إحدى نوافذ البيت. هذا المشهد الخالد جعل المنزل جزءًا من ذاكرة السينما المصرية، وجذب عشاق الفن والتاريخ لزيارته.
ليلى الحلقة 41
الهيكل والوظائف التاريخية
يتكون بيت المساجيرى من دورين:
الدور الأول
كان مخزنًا لمخلفات السفن ومعدات الملاحة.
الدور الثاني
يحتوي على غرف واسعة كانت تستخدم كمكاتب وإقامات للعاملين. أعلى المبنى يوجد برجان خشبيان وصارى يحتويان على تليسكوب كبير لتحديد جنسية السفن العابرة. عند وصول أي سفينة، يُدق جرس المبنى لتنبيه العاملين، ويرتفع علم دولة السفينة على الصارى، ثم يتحرك العمال في لنشات وصنادل بحرية لنقل البضائع إلى القاهرة عبر السكك الحديدية، التي كانت موجودة آنذاك في شارع بورسعيد.
أحداث تاريخية وسياسية
لم يكن البيت مجرد مركز لوجستي أو سينمائي، بل كان أيضًا ملاذًا لسكان السويس أثناء العدوان الثلاثي عام 1956. حيث استخدم الأهالي الأنفاق والخنادق أسفل المنزل للحماية.
وشهد البيت تطورات مهمة خلال الفترات التي تلت افتتاح قناة السويس، حيث أصبح نقطة للتنسيق بين السفن العابرة والجهات المسؤولة عن النقل البحري والبضائع.
تفاصيل معمارية فريدة
يتميز المبنى بالهندسة الفرنسية الكلاسيكية مع لمسات محلية. فقد تم استخدام الخشب في البرجين العلويين والصواري، فيما كانت الجدران مصنوعة من الطوب والحجر لتحمل العوامل المناخية والرياح البحرية القوية. ويُعتبر تصميمه شاهدًا على طرق البناء والتخطيط العمراني في القرن التاسع عشر.
بيت المساجيري اليوم
يظل بيت المساجيري اليوم رمزًا حيًا لتاريخ السويس البحري والثقافي، وموقعًا يجمع بين الحكاية التاريخية والسينمائية، شاهداً على أكثر من ثلاثة قرون من الصمود والتاريخ العريق في قلب المدينة الباسلة.
وأصبح البيت مقصدًا للزوار والباحثين عن التاريخ والسينما، مع الحفاظ على معالمه الأصلية وصواريه وبرجيه الخشبيين، اللذين يذكران بزمن كانت فيه السويس مركزًا حيويًا للتجارة والملاحة العالمية.